الصحافة

الأزمة تستشرس ... المطالبة برفع الأجوار ليست الحل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تشهد الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في وتيرة الاحتجاجات، إذ تتعدد الدعوات إلى الإضراب من قطاعات مختلفة، وعلى رأسها القطاع العام عبر رابطة موظفي الإدارة العامة، تضامنًا مع مطالب تصحيح الرواتب وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل انهيار عام 2019.

هذا الحراك المطلبي المتكرر يعيد طرح سؤال جوهري: هل تُعدّ زيادة الأجور حلًا فعليًا للأزمة المعيشية، أم أنها – في غياب إصلاحات هيكلية – تتحول إلى عامل إضافي يغذي التضخم ويُفاقم الانهيار بدلًا من وقفه؟
"في كل أزمة مالية، يطالب العمال في لبنان بزيادة الرواتب، لكن هذا الحل غالبًا ما يُعرف اقتصاديًا بـ"دوامة الأجور والأسعار" Wage-Price Spiral ، إذ يتحول من علاج إلى مسكّن موقت يفاقم الأزمة، طالما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية حقيقية"، على حد تعبير خبير مالي – اقتصادي.

القدرة الشرائية
ويقول عبر وكالة "أخبار اليوم"، عندما تطبع الدولة عملة محلية لتمويل زيادات الأجور دون زيادة مقابلة في الإنتاج أو احتياطي العملات الأجنبية، ترتفع الكتلة النقدية، وتتراجع القوة الشرائية، ويسارع التجار لرفع الأسعار لتغطية كلفة الاستيراد، فتُمتص الزيادة فورًا.

ويضيف: في القطاع العام، قد تضطر الدولة لطباعة مزيد من الليرة، ما يرفع التضخم ويفرغ الرواتب من قيمتها قبل استلامها. وفي القطاع الخاص، ترتفع الكلفة التشغيلية، فتلجأ المؤسسات إما لرفع الأسعار أو لتقليص أعمالها وصرف موظفين. أما المواطن، فيدخل حلقة مفرغة: يطالب بزيادة، يحصل عليها، ترتفع الأسعار، فيعود ليطالب بزيادة جديدة.

وفي هذا السياق، يذكّر الخبير بتجربة "سلسلة الرتب والرواتب" عام 2017 التي تُجسّد هذا المسار بوضوح: أُقرّت دون تأمين إيرادات حقيقية، معتمدة على الضرائب وطباعة العملة، فتضاعف عجز الموازنة العامة، وانفجر التضخم قبل أن يستفيد العمال من الزيادة، لتشكل هذه السلسلة أحد الأسباب التي سرّعت الانهيار المالي والنقدي عام 2019.

كيف تكسر الدول هذه الدوامة؟ يجيب: التجارب الناجحة عالميًا اعتمدت معادلة "تثبيت النقد أولًا ثم رفع الإنتاج"، سواء عبر ربط العملة أو الدولرة (كما في الإكوادور) لوقف التضخم فورًا، أو عبر إصلاح هيكلي صارم كخطة " Real Plan"  في البرازيل خلال التسعينيات، والتي جمعت بين تغيير العملة وضبط الإنفاق ووقف طباعة النقد.

الخطة التعافي
وبالتالي ما هو الحل المتاح للبنان اليوم؟ يلفت الخبير المالي الى ان الحل الجذري الوحيد هو خطة تعافٍ هيكلية شاملة تحظى بغطاء سياسي محلي ودولي، ترتكز - وفق توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين - على أربع ركائز:
أولًا، إعادة هيكلة القطاع المصرفي عبر إقرار قانون الانتظام المالي الذي يوزّع الخسائر بعدالة (بدءًا من المساهمين وأصحاب المصارف قبل المودعين)، مع آلية مستدامة لردّ الودائع تدريجيًا.
ثانيًا، إصلاحات مالية وضريبية تُفعّل الجباية وتلاحق التهرب الضريبي بدل زيادة الأعباء على الطبقة الوسطى.
ثالثًا، استعادة الخدمات العامة، وأبرزها إصلاح قطاع الكهرباء الذي يُعد أكبر نزيف للمالية العامة.
رابعًا، تفعيل الاستجابة الإنسانية وحماية الفئات الأكثر هشاشة والنازحين، إلى جانب إطلاق إعادة الإعمار بالتعاون مع المنظمات الدولية.

الختم الضروري

لكن يرى البعض أن شروط صندوق النقد مجحفة بحق لبنان؟ يقول الخبير عينه: هذا رأي له ما يبرره: فالصندوق يفرض تقشفًا اجتماعيًا صارمًا يضرب المواطن قبل أن يلمس أي تحسّن، ويركّز على ضرائب استهلاكية كالقيمة المضافة التي تطال الفقير والغني بالتساوي، كما يصرّ على الاعتراف الفوري بالخسائر، وهو ما يترجمه المودعون كشطب لجنى أعمارهم.
لكن، في المقابل، يتابع الخبير: يحمل الصندوق شقًا إصلاحيًا يخدم المصلحة العامة: إلغاء السرية المصرفية وإجراء تدقيق جنائي لمعرفة مصير الأموال المفقودة، وإلزام أصحاب المصارف بتحمل الجزء الأول من الخسائر قبل صغار المودعين.

وهنا يشدد على ان "ختم" الصندوق يبقى شرطًا أساسيًا لأي مساعدات أو استثمارات دولية، كونه الضامن الوحيد لعدم تكرار الهدر.

ويختم: المشكلة ليست في شروط الصندوق بذاتها، بل في ضعف الموقف التفاوضي اللبناني وغياب القرار السياسي الموحد. فالدول التي نجحت مع الصندوق ذهبت إليه بخطة وطنية موحدة وقوية ففرضت شروطها وحمت مجتمعها، بينما التأخير والصراع بين القوى الداخلية على تقاسم الخسائر هو ما يرفع كلفة الأزمة على المواطن اللبناني يومًا بعد يوم.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا