الصحافة

خط بعبدا حارة حريك: تصعيدٌ في العلن وتواصلٌ في الخفاء

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ثمة قواعد غير مكتوبة تحكم العلاقة بين قصر بعبدا وضاحية بيروت الجنوبية، قواعد لا تظهر في البيانات الرسمية ولا في المؤتمرات الصحافية، بل تُقرأ من فحوى الصمت أكثر مما تُقرأ من فحوى الكلام. فحزب الله يرفع اليوم سقف خطابه ضد السلطة ضاربا بعرض الحائط التوازنات الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يتحاشى بعناية أن يُقفل الباب كلياً أمام الرئيس جوزاف عون، في مفارقة تكشف أن ما يُقال علناً ليس بالضرورة كل ما يُدار في الكواليس. فبينما يترقّب الحزب مصير المفاوضات الإيرانية-الأميركية التي قد تعيد رسم موقعه في المعادلة الداخلية، تبقى بعبدا، في حساباته، المعبر الإجباري نحو أي تسوية مقبلة، لا الخصم الذي يجب إسقاطه.

الارضية السياسية تُنذر بالأسوأ: تصعيدٌ دائم في خطابات حزب الله، مهاجمةٌ متواصلة للسلطة وأدائها، وإصرارٌ على معادلة "التساوي في الضرر" مع إسرائيل بوصفها خطاً أحمر لا يمكن للحزب التنازل عنه من دون مقابل استراتيجي واضح. لكن تحت هذا الخطا "الحامي الوطيس"، ثمة هدوءٌ محسوب. فحزب الله، بحسب مصادر مطّلعة على أجواء حارة حريك، يمارس "قدراً عالياً من الهدوء" رغم الزخم الإقليمي الذي أفرزه التريث على خط واشنطن طهران، وقد فضّل حتى الآن الاحتفاظ بأي "ربح سياسي" محتمل إلى حين نضوج الظروف المناسبة لصرفه.

هذا التناقض الظاهري بين الخطاب الناري والسلوك الحذر هو جوهر الاستراتيجية: الحزب يرفع سقف المواجهة الكلامية مع الحكومة ورئيسها نواف سلام تحديداً، فيما يُبقي بابه مع بعبدا مواربًا لا موصداً.
اللافت في قراءة حزب الله للمشهد أن واشنطن اختارت حصر التعاطي مع الملف اللبناني عبر المؤسسات الشرعية للدولة، لا عبر أي شريك آخر في القرار السيادي. فالإدارة الأميركية تتعامل مع الرئاسة والجيش اللبناني الذي يأتي منه الرئيس عون نفسه بوصفهما محور سياستها تجاه بيروت، في ملفات السيادة والسلاح وتنفيذ الالتزامات الدولية. هذا المعطى وحده يفسّر لماذا يراهن حزب الله على "الورقة الحكومية" كملعبٍ مفضّل: فهو يدرك أن كل طريق إلى واشنطن، وبالتبعية إلى أي تسوية إقليمية تخصّ سلاحه ووضعه على الحدود الجنوبية، يمرّ حكماً عبر بعبدا.

من هنا، فإن القناعة الراسخة داخل حارة حريك بأن رئيس الجمهورية "سيبقى في موقعه" وأن أي تسوية مقبلة لن تُطيح به، هي حجر الأساس الذي تُبنى عليه كل الحسابات اللاحقة. فما دام عون ثابتاً في سدة الرئاسة، يبقى الحزب قادراً ، كما يعرب مصدر مطّلع، على "تسجيل الأهداف في مرمى سلام"، أي على استخدام الحكومة ورئيسها كساحة تصريف الخلافات، بدل المجازفة بمواجهة مباشرة مع الرئاسة التي يحتاج إليها كقناة تفاوض لا كخصم.

في المقابل، يحرص الرئيس عون على رسم خط فاصل بين موقعه كرئيس دولة وأي انحياز مفترض لطرف إقليمي. ففي تصريحه لوكالة "رويترز"، شدّد على أن "مستقبل لبنان هو بيد اللبنانيين، وليس بيد إيران ولا إسرائيل"، معتبراً أن المفاوضات الجارية تمثّل معركة لتثبيت السيادة اللبنانية وحماية قرار الدولة من أي تدخلات خارجية. هذا الخطاب السيادي، وإن بدا موجّهاً لطمأنة الداخل والخارج معاً، هو في جوهره رسالة موازية لحزب الله: بعبدا لن تكون منصة تفاوض نيابة عن أحد، لكنها أيضاً لن تُقفل الباب أمام أي طرف محلي يريد التفاهم ضمن سقف الدولة.

وقد عبّرت أوساط سياسية قريبة من الرئاسة عن هذا التوجّه بوضوح، حين دعا النائب آلان عون حزب الله صراحة إلى "زيارة قصر بعبدا ولقاء الرئيس عون"، في إشارة إلى أن القناة الرسمية تبقى مفتوحة رغم كل التجاذبات.
في موازاة هذا التوازن الدبلوماسي الحذر، ثمة مؤشرات على أن حزب الله لا يستبعد اللجوء إلى أدوات ضغط إذا استدعت الحاجة، وسط تخوّف رسمي من استخدام الشارع لرفع الضغط على الرئيس عون والحكومة. ويأتي هذا التحرك في وقتٍ تتصاعد فيه العقوبات الأميركية على شبكات الصرافة والذهب المتّهمة بتمويل الحزب أو تحويل عائدات مرتبطة بإيران إلى لبنان، ما يعني أن "معركة الشريان المالي" قد تتحول إلى ذريعة إضافية لإعادة فتح ملف الاتصال المباشر بطهران عبر الساحة الداخلية، لا عبر بعبدا وحدها.

في الطرف الآخر من المعادلة، يسود انطباعٌ مغاير كلياً بين خصوم حزب الله السياسيين. فهؤلاء باتوا، بحسب ما يتردد في أوساطهم، على قناعة راسخة بأن أي مواجهة عسكرية جديدة مسألة وقت لا أكثر، وأن أفضل السيناريوهات الممكنة هو تسوية تكون بالضرورة على حساب موقع الحزب ونفوذه. فالوضع الذي كان قائماً على الحدود الجنوبية قبل التطورات الأخيرة، برأيهم، بات يتطلب "أكثر من معجزة" لإعادة إنتاجه، ما يعني أن على حزب الله أن يتحضّر لواقع سياسي وأمني جديد، لا أن يراهن على استعادة قواعد اللعبة القديمة.

هذا الانقسام في القراءة بين "حارة حريك" المتمسكة بأن الوقت لا يزال يعمل لصالحها إذا أُحسن استثمار ورقة التفاوض، و"الطرف الآخر" المقتنع بأن ساعة الحسم اقتربت، هو ما يجعل المشهد اللبناني اليوم أشبه بحقل ألغام سياسي: كل طرف يقرأ المعطيات نفسها ليخرج بنتيجة معاكسة تماماً.

ما يجمع الخطين المتقاطعين، تصعيد حزب الله في العلن وحرصه على بقاء القناة مع بعبدا مفتوحة في الخفاء، هو إدراكٌ مشترك بأن اللحظة الراهنة لحظة انتظار بامتياز. فالحزب لا يريد حرق أوراقه قبل معرفة ما ستؤول إليه المفاوضات الإيرانية الأميركية، ولا يريد في الوقت نفسه أن يفقد موطئ قدمه داخل المعادلة اللبنانية عبر قطيعة كاملة مع رئاسة الجمهورية التي يعرف أنها الجهة الوحيدة المخوّلة أميركياً بالتفاوض باسم الدولة.

أما الرئيس عون، فيواصل لعب دور التوازن الداخلي الدقيق: خطاب سيادي حازم تجاه أي وصاية خارجية، مقروناً بقنوات تواصل هادئة تُبقي الباب مفتوحاً أمام تسوية داخلية إذا ما حانت لحظتها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا