ترامب يهدد بقصف منشأة “جبل الفأس” ويدعو طهران لانتهاز الفرصة
خطة كريم سعيد لتوزيع الخسائر وإعادة هيكلة المصارف
لا تختلف خطة كريم سعيد لتوزيع خسائر القطاع المالي عن تلك التي يحاول صندوق النقد الدولي فرضها على السلطة في لبنان، إنما سعيد يريدها أن تكون من خلاله حصراً لتحقيق أهداف من أبرزها منع المسّ ببنية الملكية في المصارف، وتحديد سقف للإفلاس يتوقّف عند حدود الرساميل، أي ألّا تصبح الرساميل سلبية، وتمكينه من شطب الودائع عبر تعريف مُعترف به قانوناً يتعامل مع أصناف منها. سعيد قالها بوضوح لجمعية المصارف يوم الأربعاء الماضي عندما استدعى أعضاء مجلس الإدارة لإبلاغهم بمرتكزات خطته قبل أيام من وصول بعثة الصندوق، في خطوة أراد منها نيل دعم المصارف بوجه الصندوق.
«يجب أن تؤدّي إعادة هيكلة لبنان إلى إنتاج النظام المصرفي والقضاء على هذا العبء»، بهذه العبارة افتتح كريم سعيد خطّته التي أسماها «ورقة موقف مصرف لبنان». وقبل الملخّص التنفيذي، ورد فيها «إشعار قانوني» يفيد بأن الورقة «أداة كاملة وشاملة وغير قابلة للتجزئة». كذلك يقول إن مصرف لبنان سيوافق على مبدأ تراتبية توزيع الخسائر المُقترح من صندوق النقد الدولي، إنما بشروط يتوجّب تطبيقها وإلّا «سوف ينسحب البنك باحترام من هذه المناقشات ويعود إلى موقف غير مُحدّد بالضرورة في ورقة الموقف هذه».
من هذه الشروط أن تكون الإجراءات إلزامية غير اختيارية وغير قابلة للتجزئة لأن خطة مصرف لبنان مُصمّمة بشكل مترابط و«كل ركن يدعم الأركان الأخرى، وأي إزالة أو تعديل أو رفض أو تجاوز لأي ركن منها يُضعِف البنية بأكملها». وبهذا المعنى لا يمكن التعامل مع مبدأ تراتبية توزيع الخسائر مع تجاهل أو تقييد أو رفض كل ما يرد في ورقة الحاكم «بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، مسائل حقوق ملكية البنوك، آليات الإنقاذ الداخلي، الرسوم الحكومية، معاملة المودعين، أو أي قضية أخرى تمّ تناولها فيها».
ومن أول مطالب مصرف لبنان أن يكون لديه تفويض حصري بتطبيق إعادة هيكلة القطاع المصرفي لأن «إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني كانت وستبقى المسؤولية والصلاحية الحصرية غير القابلة للتفويض لمصرف لبنان»، ولذلك فإن المصرف المركزي اللبناني ليس على استعداد «لتقليص أو مشاركة أو تقاسم أو إثقال ولايته الحصرية بشأن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، سواء كان ذلك لصالح صندوق النقد الدولي أو أي مؤسسة مالية دولية أخرى أو أي هيئة حكومية أجنبية أو أي سلطة سياسية محلية أو أي طرف آخر على الإطلاق»، ولا أن يسند مهام إعادة الهيكلة والصلاحيات ذات الصلة إلى أي طرف آخر.
بناءً على ذلك، تشير خطة سعيد إلى ثلاث ركائز لخطّته:
- أُولاها «الخروج من هذه الأزمة بقطاع مصرفي «فعّال»، يقبل الودائع، ويمنح الائتمان، ويعالج المدفوعات، ويدعم تمويل التجارة، ويساهم في تسهيل وصول رأس المال إلى اقتصاد مُنتِج. وذلك من خلال الحفاظ على رؤوس الأموال التي ضُخّت من خلال التعميم 567 الذي طلب من المصارف ضخّ رساميل إضافية بـ 20% وإعادة تصنيفها وتعديل قيمتها الفعلية للتمييز بين المقدّمات النقدية والعقارية والشيكات المصرفية المحلية أو التحويلات المحلية. ثم يتوجب تحقيق متطلبات الامتثال للملاءة الواردة في اتفاقية بازل 3 «وبالتالي، فإن البنوك اللبنانية التي تقلّ عن هذا الحدّ تُعتبر عملياً خارج النظام المصرفي الدولي. لذا، فإن إعادة الرسملة وفقاً للحد الأدنى لمعايير بازل 3 ضرورة تجارية وتشغيلية، وليست مجرد تفصيل تنظيمي».
- أمّا الركيزة الثانية، فهي تحويل مصرف لبنان إلى مؤسسة قادرة على الإيفاء بالالتزامات المالية وبمتطلبات السيولة. لذا يتوجب تزويده، أي تحقيق توافق بين الالتزامات والأصول في الميزانية، وتمكينه من الوصول إلى السيولة على شكل تسهيلات نقدية أو أوراق مالية مدعومة بالأصول.
- يتبنّى في الركيزة الثالثة كلام جمعية المصارف قائلاً ما حرفيته: «تعتبر جمعية المصارف اللبنانية، حكومة لبنان مساهماً مادياً وقانونياً في الظروف التي أدّت إلى الأزمة الحالية. هذا ليس موقفاً سياسياً، بل هو موقف مالي وقانوني موثّق، مدعوم بالحقائق الكمية...». ويطالب بأن تدفع له الدولة مبلغ 24.9 مليار دولار منها 16.5 مليار دولار هي تمويل مباشر للحكومة على مدى 20 سنة ماضية، و8.4 مليارات دولار تمويل الدعم. يوصي مصرف لبنان بإعادة هيكلة هذا الجزء من الدين كسند دائم بفائدة ثابتة تُراوِح بين 2.5% و4%. وفي حالة عدم قبول إضافة مبلغ 8.4 مليارات دولار أميركي، سيطلب بنك لبنان المركزي حينها إصدار سندات دائمة تحمل قسيمة ثابتة بنسبة 4% لتغطية التزامات السيولة المتوقّعة.
ويطلب مصرف لبنان اعترافاً رسمياً من الحكومة بالمسؤولية المالية عن تدهور الاستقرار المالي والنقدي في لبنان على مدى العقدين الماضيين «على أن يحدّد بعبارات ملزمة وقابلة للتنفيذ، مساهمة الحكومة الكمية في ردّ الأموال للمودعين».
وسيتم تنفيذ كل ذلك من خلال مجموعة خطوات أُولاها تصنيف الودائع بشكل قانوني. ويقترح سعيد قوننة مفهوم «الودائع غير النظامية»، أي التي «تُعرّف بأنها ودائع، وإن لم تكن غير قانونية، فقد تمّ إنشاؤها من خلال آليات مُشوّهة هيكلياً، ومفيدة بشكل غير متناسب لحامليها، وضارّة مادياً بمصالح المودعين العاديين». ويتضمّن هذا التصنيف فرعين: الودائع الناتجة من الفائدة، الودائع المُدولرة بشكل مصطنع وتُسمى «دولارات محاسبية». ومصدر هذا التمييز أنه «لا تتساوى جميع الدولارات في النظام المصرفي اللبناني. فبعضها يمثّل عملة أجنبية حقيقية، بينما يمثّل البعض الآخر أرصدة بالليرة اللبنانية أُعيد تصنيفها كدولارات عبر عملية تحويل آلية لم تكن مدعومة باحتياطيات حقيقية».
سيتم التعامل مع هذه الودائع وفق الآتي: هناك ودائع تراكمت من خلال نشاط اقتصادي وهناك ودائع نشأت بشكل مختلف. ما يعني أنه يترتّب على الودائع غير النظامية «أن تخضع لتخفيضات أكبر نسبياً في أي سيناريو لإعادة الهيكلة». وتكون الخطوة التالية في معالجة الحسابات المشبوهة، ولا سيما لدى كبار المودعين الذين يتوجّب عليهم التصريح رسمياً عن المشاركة الطوعية في إجراءات هذه الخطة لجهة «الإجراءات لتقييم شامل ودقيق يتضمّن مؤشرات تفصيلية للسلوك المالي، ومصدر الأموال، والإفصاح عن الثروة، والامتثال الكامل لمتطلبات مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل»، أو إخضاعهم لعواقب إعادة تصنيف الحسابات خارج الميزانية والخضوع لتحقيق تنظيمي وقضائي شامل واستبعادهم من آليات حماية المودعين وتعويضات الإنقاذ الداخلي...
بعد تصنيف الودائع يبدأ تطبيق مبدأ تراتبية توزيع الخسائر، ويتآكل رأس مال المصرف أولاً «إلى حدّ أدنى قدره صفر دولار أميركي للسهم الواحد. ولا تُنسب أي قيمة سلبية لحقوق الملكية إلى المساهمين الحاليين؛ وأقصى خسارة يتحمّلونها هي الإلغاء الكامل لحصصهم في رأس المال». ثم تخضع المكوّنات الأخرى للتآكل مثل الأرباح والاحتياطيات وغيرها، وصولاً إلى تغطية الخسائر بالودائع غير النظامية وأخيراً الودائع العادية.
الودائع التي تبقى بعد عملية الشطب هذه، ستخضع لمعايير الإنقاذ الداخلي ويتم تحويلها إلى رساميل إجبارية في المصارف، لا حقّ تصويت لها وبسعر يساوي تقريباً 17% من سعر الدولار الحقيقي «ويُشطب المبلغ المتبقّي». وستصدر المصارف المعنية أسهماً ممتازة قابلة للتحويل من دون حق التصويت مقابل هذه الودائع المُحوّلة التي تستحق بعد 20 سنة ويمكن أن تتداول في السوق.
وستُلزم المصارف بموجب الخطّة «بإعادة رسملة تدريجية وفقاً لمتطلبات رأس المال للمخاطر النظامية ووفقاً لمعايير بازل 3، وذلك بحسب مكانة كل بنك وأهميته النظامية وملف المخاطر الخاص به.
بالنسبة إلى بنوك ألفا، التي تُعتبر عادةً بنوكاً نظامية، يجب أن تتضمن إعادة الرسملة ضخ رأس مال جديد على مدى فترة لا تتجاوز ست سنوات، بينما يجب ألّا تتجاوز فترة إعادة الرسملة أربع سنوات لجميع البنوك الأخرى». أمّا بشأن عمليات «إعادة الرسملة المُنفّذة سابقاً بناءً على طلب بنك لبنان المركزي - بما في ذلك عملية إعادة الرسملة السابقة بنسبة 20% نقداً - فستُحفظ وتُدرج ضمن رأس المال من المستوى الأول، بينما ستُدرج جميع عمليات إعادة الرسملة المتبقية، سواء كانت على شكل مساهمات عقارية أو بالدولار المحلي، ضمن رأس المال من المستوى الثاني فقط بعد إعادة تقييمها».
تقول الخطة إن المصارف التي تخسر كل رأس مالها «وفي حال اختيار المساهمين عدم ضخّ رأس مال جديد والانسحاب فعلياً من المؤسسة، سيتم إجراء مراجعة لجودة الأصول ومراجعة لخطة العمل لتقييم جدوى المؤسسة على المدى الطويل. وبناءً على نتائج هذه المراجعات، ستتم تصفية المؤسسة أو حلّها. وإذا اقتضت مرحلة التقييم، ستسعى الهيئة المصرفية العليا أولاً إلى تسهيل عملية الدمج أو الاندماج مع مؤسسة مصرفية أخرى قادرة على استعادة القدرة على الاستمرار. وإذا فشلت هذه الجهود، وقرّرت الهيئة المصرفية العليا أن البنك المعني قادر على البقاء ولا ينبغي تصفيته، فيمكن لمصرف لبنان التدخل مباشرةً من خلال إطار عمل منظّم لحل الأزمات»، وذلك بهدف ضمان سداد المبالغ النقدية للمودعين حتى الحد المتفق عليه والبالغ حالياً 100 ألف دولار أميركي لكل مودع، أو ضخّ رساميل جديدة من خلال أسهم ممتازة بالإضافة إلى تعيين فريق إدارة جديد واحتفاظ مصرف لبنان بحصّة من رأس المال.
أيّ مصارف تبقى؟ كم عليها أن تدفع؟
أجرى مصرف لبنان تقييماً أولياً لجودة الخدمات المصرفية في القطاع المصرفي اللبناني. وبناءً على نتائج هذا التقييم، تُقدّر خسائر المصارف الصافية بنحو 31.1 مليار دولار أميركي ويترتب على المصارف إعادة رسملة بقيمة 11.35 مليار دولار. وستدفع الخطة نحو خفض الالتزامات على المصارف إلى 57 مليار دولار، ما يحافظ على جزء من قاعدة حقوق الملكية في 31 بنكاً، من بينها ستة مصارف ألفا تمثّل ما يقارب 30% من إجمالي ودائع القطاع المصرفي.
وتشير نتائج سيناريو تطبيق الخطة وفق مبدأ أولوية المطالبات أو مبدأ تراتبية توزيع الخسائر إلى الآتي: 41 مصرفاً تواجه شطباً كاملاً أو جزئياً لرأس المال الأساسي، و15 مصرفاً ليست لديها متطلبات إضافية لرأس المال. ومن بين البنوك الـ 41 التي تحتاج إلى إعادة بناء رأس مالها كلياً أو جزئياً، هناك 14 مصرفاً من مصارف ألفا تتطلب مجتمعة 1.818 مليار دولار، و25 بنكاً أصغر حجماً تحتاج إلى ما مجموعه 450 مليون دولار، أمّا البنكان المتبقيان فهما يخضعان حالياً للتصفية. أيضاً تواجه مصارف ألفا، التي تقلّ احتياجات إعادة الرسملة الفردية لكل منها عن 300 مليون دولار، عجزاً إجمالياً في رأس المال قدره 1.479 مليار دولار للوصول إلى عتبة إعادة الرسملة المُستهدفة بنسبة 8% من رأس المال الأساسي من المستوى الأول إلى الأصول.
التخفيف عن المصارف
برأي كريم سعيد فإن هذه الخطة تمثّل «التطبيق العملي والقابل للتنفيذ قانونياً لتسلسل المطالبات من صندوق النقد الدولي»، كما أنها ستسهم في خفض عجز ميزانية البنك المركزي، وستؤدي إلى خفض الأعباء على المصارف لأنها «ستتحمّل مسؤولية 40% من مكوّن سداد النقد، و20% فقط من مكوّن الأوراق المالية المدعومة بالأصول».
أزمة السيولة
تشير خطة كريم سعيد إلى أن المودعين الذين تصل ودائعهم إلى 60 ألف دولار، يمثّلون 87% من إجمالي المودعين، وسيحصلون على سداد كامل خلال أربع سنوات، بينما سيتم سداد الأرصدة المتبقية التي تصل إلى 100 ألف دولار تدريجياً على مدى سبع سنوات. ويُرجّح أن تُمدّد آجال استحقاق سندات الدين المدعومة بالأصول لتشمل 20 و25 و30 عاماً لضمان الاستدامة المالية والضريبية. لكن كل ذلك يحتاج إلى اتفاق رسمي مع الحكومة للحصول على سيولة بقيمة 600 مليون دولار سنوياً من السندات الدائمة.
محمد وهبة - الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|