الصحافة

إصلاح كرامي يعيد الوجوه نفسها إلى "التربية"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

منذ تولّيها وزارة التربية، رفعت الوزيرة ريما كرامي عنوان الإصلاح، وتحدّثت في أكثر من مناسبة عن الحوكمة والمُساءلة، وعن ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة المشكلات من جذورها. لكن بين هذا الخطاب وما يجري داخل الوزارة من تعيينات وتكليفات وإجراءات إدارية، تبرز ملفات تطرح أسئلة عن آليات اتخاذ القرار والمعايير التي تحكمها، ولا سيما في ما يتصل بدور مجلس الخدمة المدنية وأجهزة الرقابة في مسار المعاملات.

ففي وقت تتحدّث فيه الوزارة عن إعادة بناء الإدارة على أسس مختلفة، تعود أسماء سبق أن شغلت مواقع إدارية إلى الواجهة، أو تنتقل إلى مواقع أخرى أساسية. ولا تكمن المسألة في استمرار موظفين في الإدارة العامة بحدّ ذاته، بل في الأسس التي تحكم إعادة توزيعهم وتعيينهم، ومدى انسجام هذه الخيارات مع خطاب الإصلاح الذي يُفترض أن يقوم على معايير واضحة وشفّافة.
وتكشف المعاملات والمراسيم والقرارات المرتبطة بعدد من هذه الملفات تفاصيل تستحقّ التدقيق، من الأسس القانونية التي استندت إليها المعاملات إلى طريقة إعدادها، مروراً بدور مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، وما إذا كانت ملاحظاتهما أُخذت في الاعتبار قبل صدور القرارات؟

من ملف قضائي إلى رئاسة منطقة تربوية

في عام 2024، ورد اسم الرئيسة السابقة لدائرة الامتحانات الرسمية وأمينة السر السابقة للجنة معادلات التعليم العام ما قبل الجامعي، أمل شعبان، في ملف يتعلّق برشى في معادلات شهادات طلاب عراقيين. وخضعت للتحقيق والتوقيف في القضية، قبل أن يصدر في 21 أيار 2024 قرار بمنع المحاكمة عنها، صادقت عليه الهيئة الاتهامية في شباط 2025.

وفي آذار 2025، كُلّفت شعبان برئاسة الديوان في مديرية التعليم العالي. وأثار هذا التكليف سؤالاً إدارياً حول طبيعة المركز الذي أُسند إليها، إذ إن الهيكلية المُعتمدة للمديرية لا تتضمّن وظيفة بهذا العنوان، فيما ينص المرسوم الاشتراعي 111/1959 على أن إنشاء المديريات والمصالح وتعديلها أو إلغاءها يكون كلُّ ذلك بقانون.
وأخيراً، صدر مرسوم تعيين شعبان رئيسة للمنطقة التربوية في عكار.
وهنا لا يتعلق السؤال بالملف القضائي السابق، الذي انتهى بقرار منع المحاكمة، بل بالمعاملة الإدارية الجديدة: على أيّ أساس أُسند إليها المنصب؟ وهل كانت شروط التعيين متوافرة؟ وهل دقّق التفتيش المركزي في دراسة المعاملة، إن كانت قد أُحيلت إليه، وما الملاحظات التي أبداها؟

تعيين في 2025 يستند إلى رأي في 2017

في 21 تشرين الأول 2025، صدر المرسوم الرقم 17081 القاضي بترفيع جورج داوود من الفئة الثالثة إلى الفئة الثانية وتعيينه مديراً للتعليم الابتدائي بالأصالة. واللافت في المرسوم أنه استند إلى قرار مجلس الخدمة المدنية الرقم 415 تاريخ 25/4/2017.
وكان داوود كُلّف في عام 2017 بتسيير أعمال مديرية التعليم الابتدائي، مع إبقائه في وظيفته ومهامه كرئيس ديوان في المديرية العامة للتربية.

وهنا تبرز مسألة إدارية تحتاج إلى توضيح: ماذا أجاز قرار مجلس الخدمة المدنية في عام 2017 تحديداً؟ وهل كان هذا القرار يصلح أساساً للمعاملة التي انتهت بعد أكثر من ثماني سنوات إلى ترفيع داوود وتعيينه مديراً بالأصالة؟ وإذا كانت المعاملة الجديدة مختلفة في طبيعتها، فلماذا لم يُطلب رأي أو قرار جديد من المجلس؟
الفارق الزمني بين القرارين يتجاوز ثماني سنوات، فيما يستند مرسوم 2025 إلى القرار القديم، من دون أن يظهر في نصه قرار جديد لمجلس الخدمة المدنية يتعلق بالترفيع والتعيين.

قرار بالتعيين ومرسوم لم يصدر

في 9 تموز 2026، قرّر مجلس الوزراء تعيين مازن الخطيب مديراً عاماً للتعليم العالي مع وضعه خارج ملاك الجامعة اللبنانية وإلحاقه بوزارة التربية.

لكنّ القرار لم يتحوّل بعد إلى مرسوم نافذ، فيما جرى التعامل مع الخطيب منذ ذلك الحين، كمدير عام بالأصالة. ففي 18 تموز، احتفت وزيرة التربية ريما كرامي به في مكتبها بهذه الصفة، فيما كان الخطيب يمارس عملياً مهام المدير العام منذ نحو ثلاث سنوات، منذ تكليفه بإدارة شؤون المديرية بصفته مستشاراً.
والمسألة لا تتوقف عند عدم صدور المرسوم. فالمعاملة نفسها كانت تحتاج إلى استكمال شروط، من بينها شرط السن والموافقة المُسبقة من مجلس الخدمة المدنية، بحسب المستندات المتوافرة، فيما جاء قرار مجلس الوزراء قبل اكتمال هذا المسار.
وهنا يُطرح السؤال: على أي أساس يمارس الخطيب صلاحيات المدير العام بالأصالة قبل صدور المرسوم واستكمال المسار الإداري للمعاملة؟

تكليف انتهى بتعيين

في 17 أيلول 2026، قرّر مجلس الوزراء تعيين هيام إسحاق رئيسة للمركز التربوي للبحوث والإنماء. وكانت إسحاق تتولى رئاسة المركز بالتكليف، وتمارس صلاحيات رئاسته، بما فيها الصلاحيات الإدارية والمالية، كما تدير مشروع تطوير المناهج، وهو مشروع وطني واسع يعمل عليه المركز.

لكنّ مسار التعيين يطرح أسئلة أخرى تتعلق بمرحلة الترشيح. فبحسب المعطيات المتوافرة، ورغم أن هذا الموقع للطائفة الأرثوذكسية وفق التوزيعات الطائفية، رفعت الوزيرة كرامي اسمَي سوزان عبد الرضا (شيعية) وهيام إسحاق، فيما كان يُفترض، وفق الأصول المُعتمدة في مسار الترشيح، أن يضم الملف اسماً ثالثاً هو سكارليت صراف. وهنا يبرز السؤال عن الأساس الذي استندت إليه الوزيرة في حصر الأسماء المرفوعة باثنين، وعن سبب عدم إدراج الاسم الثالث في المعاملة، ولا سيما أن المسار كان يفترض أن ينتهي إلى رفع ثلاثة أسماء.
ويأتي ذلك فيما توجد ملفات وشكاوى بحق إسحاق أمام التفتيش المركزي والنيابة العامة المالية، تتصل بعمل المركز وملفات مالية وإدارية فيه.

وقد مرّ ملف التعيين بمسار بدأ بإعلان فتح باب الترشيح في شباط، وانتهى بقرار التعيين في أيلول، مروراً بالمقابلات التي أُجريت في 8 تموز، واجتماع اللجنة المُكلّفة بدراسة طلبات الترشيح في 15 تموز، ثم كتاب مجلس الخدمة المدنية الرقم 9/2025/س. بتاريخ 24/7/2026 ومرفقاته.

والسؤال هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت الملفات الموجودة أمام التفتيش المركزي والنيابة العامة المالية حاضرة أمام الجهات التي درست الترشيحات، بل أيضاً بالمعايير التي اعتمدتها الوزارة في رفع الأسماء.

أسئلة تتجاوز التعيينات

ولا تتوقف الأسئلة عند التعيينات والتكليفات. ففي ملف رسوم امتحانات الكولوكيوم، يبرز النقاش حول آلية تحديد الرسم، البالغ 20 دولاراً عن كل طالب، وآلية تحصيله، ولا سيما بعد رفع رسم الاشتراك عام 2023 من 150 ألف ليرة إلى 10 ملايين ليرة، وما يثيره ذلك من أسئلة حول الأساس القانوني للرسوم وكيفية تحديدها.
وفي ملف الهبات والأموال، تبرز مسألة الالتزام بالأصول القانونية لقبولها وإدارتها. فديوان المحاسبة يعتبر أن قبول الهبات المُقدّمة إلى الدولة يستوجب استصدار مرسوم وفق المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية. ومن هنا يبرز السؤال عن المسار الذي سلكته الهبات أو الأموال التي قُبلت لمصلحة الوزارة، وما إذا استُصدرت المراسيم المطلوبة بشأنها.

أمّا الامتحانات الرسمية، فتطرح القرارات المُتخذة فيها أسئلة عن آلية اتخاذ القرار، ولا سيما في ما يتعلق بإلغاء «البريفيه» واستبداله بامتحان مدرسي، والأسس القانونية والإدارية التي استند إليها هذا الخيار.
وفي ملف الموافقات الاستثنائية للمدارس الخاصة، يبرز قرار مجلس الوزراء بمنح مهلة نهائية لتسوية أوضاع المدارس التي تعمل بموافقات استثنائية، ما يفتح سؤالاً آخر حول مدى جواز منح استثناء جديد بعد انتهاء المهلة، والجهة التي تملك قانوناً صلاحية اتخاذ مثل هذا القرار.

وفي كل هذه الملفات، لا يتوقف السؤال عند قانونية التعيين أو القرار وحده، بل يمتد إلى مسار الرقابة عليه: بماذا دقّق التفتيش المركزي فعلياً قبل صدور بعض القرارات والتعيينات؟ وما الملاحظات التي أبداها؟ وكيف تعاملت معها الجهات صاحبة القرار؟
وإذا كانت هناك ملاحظات رقابية لم يؤخذ بها، أو معاملات لم تُستكمل شروطها قبل اتخاذ القرار، فهل جرى التحقّق من أداء الأجهزة الرقابية نفسها؟ وهل طُلبت توضيحات حول آلية تعاملها مع هذه الملفات؟

فالمسألة في النهاية لا تتعلق بالأسماء وحدها، بل بالطريقة التي تُدار بها الإدارة: من يقترح، ومن يدقّق، ومن يراقب، ومن يتحمّل مسؤولية القرار قبل أن يصبح أمراً واقعاً.

لدى تسلّمها الوزارة، قالت كرامي إن الناس فقدوا الثقة بوزارة التربية. لكن تثبيت الطاقم نفسه، وإعادة بعض من طاولتهم اتهامات بالفساد إلى مواقعهم، لا يغيّران كثيراً في أسباب انعدام الثقة. قد تكون استمرارية الإدارة مفهومة، لكن يصعب التوفيق بينها وبين خطاب الإصلاح والتخصّص والأكاديمية الذي رافق تولّيها. وما تظهره هذه التعيينات هو استمرار للنهج السابق، مع تخبّط وارتجال، فيما تبقى وزارةٌ تدير مالاً عاماً وتتداخل في عملها جهات دولية مانحة بحاجة إلى أن تكون تحت المجهر.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا