مقايضة النووي بالملاحة والأموال.. تفاصيل التهدئة المرتقبة بين واشنطن وطهران
تتجه العلاقات الأمريكية الإيرانية نحو مرحلة جديدة من إعادة صياغة قواعد الاشتباك الاستراتيجي في الشرق الأوسط، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة تواجهها طهران على المستويين السياسي والاقتصادي.
ورصدت تقارير استخبارية غربية مسربة، خلال الأيام القليلة الماضية، تحركات إيرانية مكثفة على مستويات رفيعة، قالت إنها تهدف إلى صياغة وتقديم حزمة تنازلات جوهرية غير مسبوقة، في محاولة للحفاظ على استقرار هيكل السلطة القائم في طهران وتفادي سيناريوهات قد تهدد استمراره.
وتكشف مصادر غربية أن طهران عرضت، عبر قنوات وساطة دولية وإقليمية، إمكانية التجميد الفوري لعمليات تخصيب اليورانيوم فوق مستوى 5%، في خطوة تهدف إلى كسر الجمود الراهن، مقابل إفراج أمريكي فوري وجزئي عن الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك آسيوية، ولا سيما في كوريا الجنوبية واليابان.
شراء السلع الإنسانية والأدوية
وتؤكد المصادر التي تحدثت لـ"إرم نيوز" أنها تعهدت بتخصيص الأموال المفرج عنها حصريًا لشراء السلع الإنسانية والأدوية والمواد الخام الاستراتيجية اللازمة لتشغيل القطاعات الصناعية الحيوية التي شلتها العقوبات.
واعتبرت المصادر الغربية أن العرض الإيراني يمثل تراجعًا عن السقوف المرتفعة التي تمسكت بها طهران خلال الفترة الماضية، عندما واصلت رفع مستويات تخصيب اليورانيوم إلى نحو 60%، مشيرة إلى أن هذا التحول يعكس حاجة متزايدة لدى السلطات الإيرانية إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية وتفادي مزيد من الاضطرابات الاجتماعية.
إعادة فتح مضيق هرمز
وتفيد المصادر، بأن التنازلات الإيرانية المعروضة خلف الكواليس تتطرق بشكل مباشر إلى ملف إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن أمام حركة التجارة الدولية كجزء لا يتجزأ من صفقة التهدئة.
وتوضح المصادر أن الخطة الإيرانية المقترحة عبر الوسطاء تربط بين التراجع في الملف النووي والتزام طهران بتقديم ضمانات أمنية موثقة لوقف أي تهديدات لحركة الملاحة، والتوقف عن استخدام الطائرات المسيّرة والألغام البحرية في الممر المائي، إلى جانب العودة إلى تنسيق حركة المرور البحري بالتعاون مع سلطنة عمان، بما يحد من احتمالات التصعيد مع القوات الأمريكية في المنطقة.
أداة للمساومة
ويعكس المسعى الإيراني لتوظيف ورقة مضيق هرمز كأداة للمساومة ضغوطًا متزايدة تمارسها قوى دولية حليفة لطهران، وفي مقدمتها الصين.
وتشير تقارير غربية إلى أن بكين، التي تستحوذ على حصة كبيرة من الصادرات النفطية الإيرانية، ضغطت على القيادة الإيرانية لاتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة فتح المضيق بالكامل، بهدف ضمان تدفق إمدادات الطاقة وحماية مصالحها الاقتصادية التي تضررت جراء الحرب والارتفاع الكبير في تكاليف التأمين البحري.
وفي المقابل، لم تقف وزارة الدفاع الأمريكية في حالة ترقب أو انتظار لمعرفة مدى جدية النوايا الإيرانية، بل فرغ المخططون العسكريون في البنتاغون من تحديث شامل وبنيوي لبنك الأهداف الاستراتيجي الخاص بإيران ليكون جاهزًا للتنفيذ الفوري في حال انهيار المسار الدبلوماسي الراهن أو إخفاق الوسطاء في تقريب وجهات النظر.
وتشير تفاصيل الخطط العسكرية الأمريكية المحدثة إلى تحول جذري وجوهري في العقيدة القتالية الموجهة ضد طهران، حيث تستبعد الخطط تمامًا فكرة الغزو البري التقليدي أو احتلال الأراضي أو إقحام القوات المشاة في مواجهات مباشرة، وتعتمد بدلًا من ذلك على حملة جوية وصاروخية مكثفة وعنيفة تستمر لثلاثة أسابيع متواصلة دون انقطاع.
شل شبكة القيادة والسيطرة
وتستهدف الحملة، بحسب تفاصيل الخطط، تدمير وشل شبكة القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب استهداف محطات الطاقة الكهربائية الكبرى ومصافي النفط ومنشآت التكرير الرئيسة في البلاد.
وتهدف هذه الضربات، وفق المصادر، إلى إضعاف القدرات اللوجستية والاقتصادية للنظام وعزل القيادة السياسية عن مؤسساتها التنفيذية في المحافظات والأقاليم، بما قد يفاقم الضغوط الداخلية على بنية السلطة، من دون اللجوء إلى نشر قوات أمريكية برية داخل إيران.
ويرى المحلل السياسي حسين أبو وردة، أن العرض الإيراني بالتراجع التلقائي إلى التخصيب بنسبة 5% فقط يبرهن بصورة قطعية على أن منظومة العقوبات الاقتصادية الدولية والتلويح الأمريكي المستمر بالخيار العسكري قد بلغا عصب النظام الحيوي وأجبراه على تقديم تنازلات كان يعتبرها في السابق خطوطًا حمراء لا يمكن مسها.
ويضيف في تصريح لـ"إرم نيوز" أن العرض الإيراني في حال تم تأكيده يتسم بذكاء تكتيكي ومراوغة سياسية معهودة، فالنظام في طهران لا يقدم تنازلًا ببنيته التحتية النووية، بل يحافظ على أجهزة الطرد المركزي المتطورة وعلى منشآته الحصينة ومخزونه الحالي دون تدمير أو تفكيك.
العودة السريعة للتخصيب
ويوضح، أن النظام الإيراني سيكتفي فقط بوقف دوران هذه الأجهزة فوق السقف المحدد، ما يمنحه مرونة تتيح له العودة السريعة للتخصيب بمستويات عسكرية أعلى في أي وقت مستقبلي إذا ما تغيرت الظروف السياسية، بينما يجني النظام مكاسب مالية عاجلة وتدفقات نقدية يحتاجها الاقتصاد الإيراني المتهالك لتهدئة الشارع المتفجر وتأمين السلع الأساسية التي تضمن ولاء الحواضن الاجتماعية.
وفيما يتعلق بالحديث عن تحديث واشنطن بنك الأهداف الإيرانية تمهيدًا لاستهدافها، يشير الدكتور حسين أبو وردة إلى أن ضرب منشآت الطاقة والمصافي النفطية بالتزامن مع مراكز القيادة والسيطرة لا يهدف فقط إلى شل القدرات العسكرية للنظام، بل أيضًا إلى إضعاف القدرة اللوجستية للحرس الثوري وبقية الأجهزة الأمنية على التحرك السريع والتعامل مع أي اضطرابات أو تحركات احتجاجية محتملة في المدن الكبرى.
وأضاف أبو وردة أنه بمجرد نجاح الحملة الجوية في عزل العاصمة طهران عن باقي الأقاليم والمحافظات وقطع الاتصالات، فإن التخطيط الأمريكي يراهن بشكل أساسي على أن المكونات المحلية والحركات السياسية المعارضة والمجموعات العرقية في الداخل الإيراني ستلتقط هذه اللحظة والتفكك الأمني لإسقاط النظام من الداخل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|