عربي ودولي

بعد الانسحاب.. واشنطن تتجه لتقليص دعم العراق وإغلاق باب تمويل البيشمركة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كشف مصدر أمريكي مطلع على ملف التعاون الأمني مع العراق، في تصريحات خاصة لـ«إرم نيوز»،أن إعادة توجيه جزء من التمويل العسكري الأمريكي المخصص للعراق إلى دول في أمريكا اللاتينية تمثل حلقة جديدة في مسار إعادة تعريف واشنطن لطبيعة التزاماتها الأمنية في العراق، موضحًا أن الأمر لا يعني إيقاف الدعم العسكري الأمريكي بالكامل، وإنما تقليص بعض مسارات التمويل المرتبطة بالتدريب والتجهيز وبناء القدرات.

وأوضح المصدر أن القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع اقتراب استكمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، وانتهاء التمويل المباشر المخصص لقوات البيشمركة؛ ما يجعل إعادة برمجة التمويل خطوة إضافية في عملية انتقال المسؤولية الأمنية تدريجيًا إلى المؤسسات العراقية.

وأضاف أن برامج الدعم المتبقية ستركز بصورة أكبر على بناء قدرات القوات العراقية النظامية ومكافحة الإرهاب، بينما ستتراجع البرامج التي كانت تمنح واشنطن من خلالها تمويلًا مباشرًا أو دعمًا طويل الأمد لتشكيلات وقوات مرتبطة بالمرحلة السابقة من الوجود الأمريكي.

وتشير البيانات الأمريكية الخاصة ببرنامج «صندوق مكافحة داعش للتدريب والتجهيز» إلى أن التمويل المخصص للعراق في موازنة السنة المالية 2027 ينخفض بصورة كبيرة مقارنة بالعام السابق، مع وصول التمويل المباشر المخصص لوزارة شؤون البيشمركة إلى الصفر، مقابل استمرار مخصصات لوزارة الدفاع العراقية وجهاز مكافحة الإرهاب.

52 مليون دولار تعيد رسم خريطة التمويل

وأخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بإعادة برمجة 52 مليون دولار من تمويل المبيعات العسكرية الأجنبية، كانت مخصصة لكل من العراق وسلوفاكيا ومقدونيا الشمالية و تونس، وتوجيهها إلى بنما وبيرو والإكوادور وكولومبيا.

ويأتي القرار في وقت تكثف فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب اهتمامها بنصف الكرة الغربي، خصوصًا ملفات مكافحة تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية وتعزيز التعاون الأمني مع حكومات في أمريكا اللاتينية، في وقت تتراجع فيه تدريجيًا التزامات أمريكية كانت مرتبطة بمناطق أخرى، بينها العراق.

ولا تكشف البيانات المعلنة حتى الآن عن قيمة الاقتطاع من حصة العراق بصورة منفصلة، لكن توقيت الخطوة يمنحها أهمية أكبر من قيمتها المالية المباشرة؛ إذ تأتي بعد سلسلة من القرارات التي تعيد صياغة شكل العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، بدءًا من إنهاء الوجود العسكري للتحالف، مرورًا بتقليص الدعم المباشر للبيشمركة، وصولًا إلى إعادة توجيه جزء من التمويل العسكري العراقي إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية.

بغداد كانت تتوقع الانكفاء الأمريكي

وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي العراقي، حسين الجنابي، أن بغداد كانت تتوقع هذا الانكفاء التدريجي، مبينًا لـ«إرم نيوز» أن الاعتماد على التمويل الخارجي بلغ مراحل رصد دقيقة، وأن المؤسسة العسكرية العراقية تعمل على امتصاص الصدمة عبر موازنة الطوارئ الاتحادية، وإن كان ذلك سيؤدي حتمًا إلى إبطاء وتيرة التحديث التقني لبعض القطاعات.

ويشير الجنابي إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي ستفقدها المؤسسات الأمنية العراقية، وإنما بطبيعة البرامج التي كانت مرتبطة بالدعم الأمريكي، خصوصًا التدريب الفني، وتطوير القدرات، والدعم اللوجستي، وبعض أوجه التجهيز التي تحتاج إلى استمرارية طويلة حتى تحقق نتائجها.

ويضيف أن قدرة بغداد على تعويض النقص ستتوقف على أولويات الإنفاق خلال المرحلة المقبلة، وعلى مدى استعداد الحكومة العراقية لتحويل جزء أكبر من الموازنة إلى تحديث المؤسسة العسكرية، بدل الاعتماد على المنح الخارجية التي وفرت خلال السنوات الماضية جزءًا من تكلفة بناء القدرات.

نهاية الإرث الأمني لما بعد 2003

من جانبه، يرى المحلل السياسي العراقي، الدكتور زياد العبيدي، أن ما تقوم به إدارة واشنطن يتجاوز مجرد إعادة ترتيب ميزانيات، ليقترب من إعلان ناجز بتصفية الإرث الأمني المباشر الذي أعقب عام 2003.

ويشير العبيدي لـ«إرم نيوز» إلى أن انسحاب المظلة الأمريكية ورفع الغطاء المالي عن تشكيلات أمنية حساسة، كالبيشمركة وبعض قطعات النخبة، يترك خلفه بيئة أمنية تحتاج إلى إعادة صياغة سريعة للعقيدة القتالية العراقية، بما يمنع تحول الفجوة الناتجة عن تراجع الدعم الخارجي إلى ثغرة أمنية.

ويضيف أن المرحلة المقبلة ستفرض على بغداد التعامل مع ملف التسليح باعتباره قرارًا سياديًا طويل الأمد، وليس مجرد البحث عن بديل سريع للتمويل الأمريكي؛ لأن الانتقال من منظومة تسليح إلى أخرى يحتاج إلى تدريب وقطع غيار وبنية صيانة وتوافق بين الأنظمة المستخدمة.

من يعوض الفجوة؟

وفي ظل هذا التحول، تبرز أمام بغداد خيارات متعددة لتعويض جانب من الفجوة التي قد يتركها تراجع الدعم الأمريكي، سواء من خلال زيادة الإنفاق المحلي أو توسيع عقود التسليح مع شركاء دوليين آخرين.

وتتجه الأنظار في هذا السياق إلى فرنسا في مجالات الطيران والدفاع، وتركيا وكوريا الجنوبية في المعدات والآليات والأنظمة العسكرية، خصوصًا أن بغداد بدأت بالفعل في البحث عن بدائل لمواجهة بعض الفجوات التي ستنشأ بعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الحكومة العراقية تبحث عن أنظمة دفاع جوي جديدة من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة، في محاولة لتعويض جانب من القدرات التي كانت توفرها المنظومة الأمريكية، خصوصًا مع اقتراب اكتمال الانسحاب.

لكن تنويع مصادر التسليح لا يعني أن الانتقال سيكون سهلًا؛ إذ إن الجيش العراقي يستخدم منظومات ومعدات متعددة، وأي تغيير واسع في الموردين سيحتاج إلى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد والتدريب والصيانة، فضلًا عن كلفة العقود الجديدة.

الصين وروسيا.. مساحة أوسع للمنافسة

في المقابل، يحذر مراقبون دوليون ومحليون من أن تراجع الدور الأمريكي قد يفتح مساحة أكبر أمام قوى دولية منافسة لواشنطن، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لتوسيع حضورها العسكري والاقتصادي في السوق العراقية.

ويستند هذا الطرح إلى أن حاجة بغداد إلى مصادر تسليح وتمويل بديلة قد تدفعها إلى توسيع خياراتها الدولية، خصوصًا إذا ارتفعت تكلفة الحصول على الأنظمة الغربية أو ارتبطت بعض العقود بشروط سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا.

غير أن انتقال العراق نحو موردين جدد لن يكون تلقائيًا؛ إذ ستظل الحكومة العراقية مطالبة بالموازنة بين اعتبارات التسليح والكفاءة العسكرية وبين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، حتى بعد انتهاء الوجود العسكري المباشر.

التحول يتجاوز خفض الموازنة

وترى الباحثة الأمريكية، إيما لارسون، لـ«إرم نيوز»، أن ما تشهده المنطقة ليس مجرد خفض مرحلي ناتج عن ضغوط الموازنة، بل هو انتقال أعمق في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى.

وتوضح لارسون أن واشنطن باتت تتبنى عقيدة «الانكفاء الاستراتيجي الموجه» نحو نصف الكرة الغربي لحماية أمنها القومي المباشر، ومواجهة النفوذ الصيني في قارتها الأم، والتركيز على تأمين الممرات المائية الحيوية ومكافحة عصابات المخدرات العابرة للحدود.

وبهذا المعنى، فإن إعادة توجيه التمويل من العراق إلى دول في أمريكا اللاتينية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأولويات الجديدة للإدارة الأمريكية، حتى لو لم يكن القرار وحده كافيًا لإثبات تحول شامل في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، بحسب"لارسون".

وتوضح أن التمويل الذي أعيدت برمجته يتجه إلى دول تريد واشنطن تعزيز تعاونها الأمني معها في ملفات المخدرات والهجرة والأمن الإقليمي؛ وهو ما يعكس بوضوح ارتفاع أولوية نصف الكرة الغربي في الحسابات الأمريكية الحالية.

البيشمركة أمام اختبار ما بعد المظلة الأمريكية

بدوره، يؤكد الباحث السياسي الكردي، مريوان بارزاني، أن انسحاب الدعم الأمريكي المباشر والتمويل العسكري عن قوات البيشمركة يمثل تحديًا غير مسبوق لحكومة الإقليم، لاسيما في ظل استمرار الإشكالات العالقة مع بغداد بشأن توحيد الملف الأمني وتمويل قوات البيشمركة ضمن المنظومة الدفاعية الرسمية للعراق.

ويلفت بارزاني لـ«إرم نيوز» إلى أن غياب المظلة الأمريكية ووقف التمويل العسكري يضع أمن إقليم كردستان أمام اختبار قاس، دافعًا القيادة الكردية نحو تسوية سريعة وشاملة مع الحكومة الاتحادية تضمن اندماجًا حقيقيًا يمنع أي فراغ أمني قد تحاول أطراف إقليمية أو محلية استغلاله.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشير فيه الترتيبات الجديدة إلى انتهاء الدعم المالي المباشر للبيشمركة، مع استمرار بعض أشكال التعاون في مجالات التدريب واللوجستيات والإصلاح؛ وهو ما يعني أن نهاية التمويل لا تساوي بالضرورة نهاية كل أشكال العلاقة الأمنية.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا