محليات

باريس وبيروت: ربع قرن من مؤتمرات الدعم بين الوعد والتنفيذ

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تستعد باريس، مساء يوم الخميس المقبل، لاستضافة الاجتماع التحضيري لمؤتمر دولي جديد لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في محطة تُضاف إلى سلسلة طويلة من المؤتمرات التي استضافتها العاصمة الفرنسية على مدى أكثر من عقدين من الزمن دعماً للبنان. وليست هذه المبادرة وليدة اللحظة، بل امتداد لعلاقة تاريخية عميقة تربط باريس ببيروت، تعود جذورها إلى فترة الانتداب الفرنسي على لبنان في النصف الأول من القرن العشرين، وترسّخت لاحقاً عبر روابط ثقافية ولغوية وسياسية متجذرة جعلت من فرنسا "الشريك الغربي" الأول تقليدياً في الأزمات اللبنانية المتلاحقة، اقتصادية كانت أم أمنية أم سياسية.
وقد دأبت باريس، منذ مطلع الألفية الثالثة، على استخدام موقعها هذا لتحريك عجلة الدعم الدولي كلما مرّ لبنان بمنعطف خطير، من إعادة الإعمار بعد الحروب، إلى مكافحة الانهيار الاقتصادي، وصولاً إلى تسليح الجيش وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية. غير أن الاجتماع التحضيري المقبل يأتي هذه المرة في سياق مختلف نوعياً، إذ يُعدّ بالشراكة مع الأردن، وسط محاولة فرنسية للعودة إلى واجهة الملف اللبناني بعد فترة من "التهميش" النسبي لصالح الدور الأميركي والإسرائيلي المباشر، وربطاً وثيقاً هذه المرة بملف نزع سلاح "حزب الله" وتوسيع سلطة الدولة على كامل أراضيها.

 اللائحة الزمنية لمؤتمرات باريس: التعهدات وما تحقق منها فعلياً

مؤتمر باريس 1 (تشرين الثاني 2000)
عُقد برعاية الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك وحضور الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وركّز على إطلاق الخطوات الأولى لمساعدة لبنان اقتصادياً بعد تحرير جنوبه، وفتح الباب أمام مؤسسات التمويل الدولية.
التعهد والتنفيذ: تعهد المانحون بتقديم نحو 500 مليون يورو من المساعدات والقروض الميسّرة، رَبطوها بخطط إصلاح اقتصادي شملت تحفيز القطاع الخاص وإصلاح النظام الضريبي وتحسين المالية العامة. غير أن هذه الإصلاحات سجّلت تأخراً أو تنفيذاً جزئياً في كثير من بنودها.


مؤتمر باريس 2 (تشرين الثاني 2002)
ركّز بشكل أساسي على خفض عبء الدين العام اللبناني المتنامي، بمشاركة أوسع واهتمام أكبر من مؤسسات مالية دولية.
 التعهد والتنفيذ: بلغت التعهدات نحو 4.4 مليارات دولار من القروض والتسهيلات ومشاريع التنمية، لكن التعطيل السياسي الذي واجهه رفيق الحريري في الداخل حال دون تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ولم يتسلّم لبنان في النهاية سوى نحو 2.6 مليار دولار فقط، استُخدم جزء منها لإعادة هيكلة الدين العام عبر استبدال ديون مرتفعة الفائدة بأخرى أقل كلفة.


مؤتمر باريس 3 (كانون الثاني 2007)
جاء في أعقاب حرب تموز/يوليو 2006 لإعادة إعمار ما دمرته الحرب ودعم استقرار الاقتصاد.
 التعهد والتنفيذ: التزمت الدول المانحة بنحو 7.6 مليارات دولار على شكل قروض وهبات، غير أن الصرف الفعلي ارتبط أيضاً بجدول الإصلاحات، وشهد تعثراً وتأخيراً ملحوظين نتيجة الانقسام السياسي الداخلي في تلك الحقبة.


مؤتمر روما - باريس لدعم الجيش (شباط - آذار 2018)
على الرغم من أن الشق الأساسي عُقد في روما في 15 شباط/فبراير 2018، قادت باريس مع شركاء دوليين جهوداً متكاملة لتسليح ودعم المؤسسة العسكرية اللبنانية والقوى الأمنية، كحلقة أولى ضمن سلسلة مؤتمرات ذلك العام شملت لاحقاً مؤتمر بروكسل حول اللاجئين ثم مؤتمر سيدر في باريس.


مؤتمر "سيدر" أو باريس 4 (نيسان 2018)
خُصص لدعم البنى التحتية والاستثمار في لبنان عبر برنامج الإنفاق الاستثماري (CIP)، بمشاركة نحو 40 إلى 50 دولة.

التعهد والتنفيذ: يمثّل هذا المؤتمر الحالة الأبرز للفجوة بين الوعد والتنفيذ في تاريخ هذه المؤتمرات، إذ بلغت التعهدات الإجمالية نحو 11.8 مليار دولار (بينها نحو 500 مليون دولار هبات مشروطة والباقي قروض ميسّرة)، لكن هذه الأموال بقيت شبه مجمّدة بالكامل تقريباً، ولم يُصرف منها سوى مبالغ محدودة جداً، بسبب فشل الحكومات المتعاقبة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، خصوصاً في قطاع الكهرباء ومكافحة الفساد وضبط عجز الموازنة، قبل أن ينهار الاقتصاد اللبناني كلياً عام 2019.


مؤتمرات الدعم الإنساني الافتراضية (2020 - 2021)
نظمتها باريس بالتعاون مع الأمم المتحدة عقب كارثة انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، لحشد المساعدات الطبية والغذائية الطارئة مباشرة للشعب اللبناني والمنظمات غير الحكومية دون المرور بالقنوات الرسمية، تفادياً لتكرار سيناريو تجميد الأموال الذي شهدته المؤتمرات السابقة.


مؤتمر باريس لدعم الجيش والقوى الأمنية (24 تشرين الأول/أكتوبر 2024)
عُقد برعاية الرئيس إيمانويل ماكرون وحضور رئيس حكومة تصريف الأعمال آنذاك نجيب ميقاتي، في خضم الحرب الإسرائيلية على لبنان، بمشاركة نحو 70 دولة و15 منظمة دولية.
التعهد والتنفيذ: بلغت التعهدات الإجمالية نحو مليار دولار أميركي، توزعت بين 775 مليون دولار لتمويل الاحتياجات الإنسانية و204 ملايين دولار لدعم الجيش والقوى الأمنية. وقد عقدت الحكومة اللبنانية لاحقاً اجتماعات متابعة رسمية برئاسة منسق لجنة الطوارئ الحكومية لمراجعة وتيرة الصرف بالتنسيق مع الأمم المتحدة، لكن لا تتوفر حتى الآن أرقام نهائية علنية توضح النسبة الكاملة المصروفة فعلياً من أصل المبلغ الموعود.


الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني (17 أيلول 2026)
يُعِدّه الأردن وفرنسا بدعوة من الرئيس ماكرون، تمهيداً لمؤتمر دولي أوسع، بعد تأجيلات متكررة امتدت من خريف 2024 إلى أيار 2025 ثم مطلع 2026. يُتوقع حضور رؤساء أركان من الأردن وفرنسا والولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى.

نمط متكرر بين الوعد والصرف
وبحسب مصادر ديبلوماسية مطلعة، يظهر تتبع هذه المؤتمرات عبر ربع قرن نمطاً شبه ثابت: فجوة متكررة بين حجم التعهدات المُعلنة إعلامياً ونسبة ما يتحول فعلياً إلى مساعدات أو قروض مصروفة، بسبب اشتراط الدول المانحة تنفيذ إصلاحات بنيوية لم يفِ بها لبنان في معظم الأحيان، وأبرز مثال على ذلك مؤتمر "سيدر" الذي بقيت غالبية تعهداته البالغة 11.8 مليار دولار حبراً على ورق.
في المقابل، يقول المصدر عينه، عبر وكالة "أخبار اليوم"، يُظهر تسلسل هذه المؤتمرات أن فرنسا حافظت، رغم تبدّل الظروف الإقليمية والدولية، على دورها كـ"وسيط تقليدي" ومظلة ديبلوماسية دائمة للعودة إلى لبنان في أوقات الأزمات. ويضيف: اليوم، يحمل الاجتماع التحضيري المقبل في 17 أيلول رمزية مضاعفة: فهو من جهة استمرار طبيعي لهذا الدور الفرنسي التاريخي، ومن جهة أخرى اختبار حقيقي لمدى قدرة باريس على استعادة موقع مؤثر في الملف اللبناني، في ظل منافسة أميركية – سعودية - أردنية متزايدة على قيادة مسار الدعم العسكري والأمني للبنان.
وردا على سؤال، يلفت المصدر الى ان الرهان الحقيقي هذه المرة هو تعهد لبنان الرسمي بتنفيذ اشتراطات نزع سلاح "حزب الله" وضبط آليات صرف الأموال، وهو ما تصر عليه باريس والدول المانحة صراحة، تفادياً لتكرار سيناريو "سيدر" الذي بقيت معظم تعهداته دون تنفيذ.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا