انتصار دمشق يُصرف في جبيل… متفلّت من القانون بعباءة شيخ!
ليس الشيخ أحمد اللقيس وصياً على الجامعة اللبنانية الأميركية، ولا شريكاً في إدارتها، ولا مرجعاً يملك حق تعديل أنظمتها من فوق منبر ديني. ومع ذلك، قرر مخاطبتها بلغة لا تشبه الحوار، قائلاً إنه إذا لم تُحل قضية صلاة نحو 300 طالب، فإن “الناس ستلجأ إلى حل آخر”.
هذه ليست مطالبة بريئة بحق ديني، بل تهديد مبطّن صادر عن رجل يستقوي بلقب “شيخ” وبجمهور المسجد لفرض إرادته على مؤسسة تعليمية مستقلة.
ما هو “الحل الآخر” الذي يلوّح به؟ اقتحام الجامعة؟ محاصرتها؟ تحريك الشارع ضدها؟ ومن فوّضه التحدث باسم الناس أو استخدامهم عصاً يرفعها في وجه مؤسسة لا تخضع لسلطته؟
اللقيس لم يتصرف كصاحب حق يلجأ إلى الإدارة أو القانون، بل كصاحب نفوذ يوجّه إنذاراً: إما تنفيذ ما أريد، وإما مواجهة الشارع. هذا هو منطق الميليشيا نفسه، ولو خرج هذه المرة من مسجد بدلاً من غرفة عسكرية.
الأخطر أن الرواية التي بُني عليها التصعيد غير صحيحة أصلاً. فالجامعة لم تمنع الطلاب من الصلاة، والقضية لا تتعلق بملاحقة مصلّين أو بحرمانهم من ممارسة شعائرهم، بل بطلب تخصيص أماكن ثابتة للصلاة داخل الحرم.
والجامعة اللبنانية الأميركية مؤسسة علمانية خاصة وغير ربحية، لا تخصص مساحات لممارسة الشعائر الدينية، وتطبّق هذه القاعدة بالتساوي على جميع طلابها وموظفيها، بصرف النظر عن انتماءاتهم. وبالتالي، لا يوجد استهداف للمسلمين ولا انتقاص من حقوقهم، بل نظام داخلي معلن يسري على الجميع.
كما أن الجامعة مؤسسة أكاديمية ذات جذور مسيحية تعود إلى القرن التاسع عشر، قبل أن تتطور إلى جامعة علمانية تعددية تستقبل طلاباً من مختلف الطوائف. وانفتاحها ليس إذناً بإلغاء هويتها أو فرض قواعد جديدة عليها بقوة المنبر والشارع.
وهنا تسقط الذريعة بالكامل. فالصلاة لم تُمنع، والطلاب لم يُلاحقوا بسبب معتقداتهم، والقرار لا يستهدف ديناً بعينه. كل ما في الأمر أن رجلاً يرتدي عباءة شيخ قرر تحويل طلب إداري إلى قضية مذهبية، ثم استخدم عبارة غامضة لترهيب الجامعة مع بداية العام الدراسي وقبيل الانتخابات الطلابية.
لقد أخذ اللقيس حقاً دينياً شخصياً، وصادره من أصحابه، وحوّله إلى استعراض قوة. وبدلاً من أن يسلك طريق الحوار مع الإدارة، اختار المنبر، وبدلاً من أن يحتكم إلى النظام والقانون، لوّح بـ”الناس” و”الحل الآخر”.
أما الصمت المسيحي، فمخجل. أحزاب ومرجعيات تستعرض دفاعها عن الحريات وخصوصية المؤسسات ابتلعت ألسنتها أمام أول تهديد جدي، باستثناء فارس سعيد الذي أيّد حق الطلاب، لكنه رفض التصعيد العلني ودعا إلى معالجة القضية بعيداً من لغة الشارع.
لكن الأخطر من اللقيس نفسه هو المناخ الذي سمح له برفع إصبعه في وجه الجامعة. فبعد سنوات من الخضوع لـ”وهج السلاح” الذي مثله حزب الله، يظهر من يريد استبداله بـ”وهج الشرع”، مستنداً إلى صعود أحمد الشرع في سوريا ليتصرف كأن موازين القوى الجديدة منحته سلطة داخل لبنان.
وما وهج الشرع وجماعته سوى الوجه الآخر لوهج سلاح حزب الله: انتصار خارجي يتحول إلى فائض قوة داخلي، وجمهور مذهبي يُستخدم لتخويف المؤسسات، ورجل يضع نفسه فوق القانون لأنه يعتقد أن الشارع يقف خلفه.
تتغير العمامة والطائفة والراعي، لكن البلطجة واحدة. حزب الله لوّح بالسلاح لفرض خياراته، واللقيس يلوّح بالناس لفرض شروطه. الأول استقوى بترسانته، والثاني يستقوي بصفته الدينية وبشارع يريد استدعاءه عند الطلب.
لا تمنح العمامة صاحبها سلطة على الجامعات، ولا تجعله فوق النظام والقانون، ولا تحوّل تهديده إلى رأي ديني محترم. ومن يستخدم المنبر لاستدعاء الشارع إلى “حل آخر” لا يؤدي دور رجل الدين، بل دور محرّض يحاول إخضاع مؤسسة مدنية بقوة الجماعة.
على أحمد اللقيس أن يوضح فوراً ما قصده، وعلى الجهات المختصة أن تتعامل مع عبارته بجدية، لا أن تنتظر تجمّع الناس أمام الجامعة لتكتشف معنى التهديد. وعلى إدارة الجامعة ألا تفاوض تحت الضغط، لأن الرضوخ اليوم سيحوّل كل منبر غداً إلى سلطة موازية.
لبنان لا يريد الخروج من قبضة حزب الله ليدخل في قبضة جماعة أحمد الشرع، ولا يريد استبدال سلاح يهدد الدولة بشيخ يهدد الجامعة. فمن لا يعرف حدود منبره، يجب أن تذكّره الدولة بها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|