عشيّة سقوط علي الطاهر: هل يوافق حزب الله على استعادته عبر الجيش و«المنطقة التجريبية»؟!
دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، وارتفاع منسوب المواجهة السياسية بين حزب الله والسلطة، بالتزامن مع اقتراب استحقاق مفاوضات روما المرتقبة في النصف الثاني من أيلول. وبينما تسعى الدولة إلى تثبيت مسار تفاوضي يمكن أن يفضي إلى وقف النار ومعالجة ملف الاحتلال، يرفع الحزب سقف اعتراضه، معتبرًا أن المسار التفاوضي لم يحمِ لبنان، بل منح إسرائيل مزيدًا من الوقت والغطاء لمواصلة عملياتها العسكرية.
المشهد، في المقابل، لا يقتصر على خلاف سياسي حول جدوى التفاوض، بل يعكس صراعًا أوسع على الخيارات التي يفترض أن تحكم المرحلة المقبلة: هل يكون وقف الحرب والاحتلال عبر التفاوض والدولة، أم عبر استمرار معادلة المقاومة والسلاح؟
حزب الله يرفع سقف المواجهة مع السلطة
في بيان شديد اللهجة، حمّل حزب الله السلطة اللبنانية مسؤولية استمرار العدوان، واتهمها باتباع «نهج تنازلي واستسلامي»، معتبرًا أن مفاوضاتها المباشرة واتفاق الإطار لم يحققا حماية للبنان، بل كرّسا الاحتلال، بحسب تعبيره.
وربط الحزب بين استمرار الغارات والمسار التفاوضي، معتبرًا أن إسرائيل تستخدم التصعيد للضغط على السلطة وابتزازها، ودعا إلى إعادة النظر في هذا المسار والعودة إلى ما وصفها بـ«الثوابت الوطنية الجامعة».
هذا التصعيد يعكس بوضوح أن الحزب لا ينظر إلى المفاوضات باعتبارها مجرد أداة دبلوماسية لإنهاء الحرب، بل باعتبارها مسارًا قد يعيد رسم التوازن الداخلي حول السلاح والسيادة ودور الدولة. ولذلك، فإن اعتراضه يتجاوز تفاصيل التفاوض إلى جوهر المرحلة السياسية المقبلة.
روما تقترب… وعلي الطاهر يؤخر الموعد
في المقابل، يبدو أن المفاوضات لا تزال قائمة، وإن كانت تواجه عقدًا ميدانية وسياسية. فقد كشف النائب مروان حمادة أن موعد اجتماع روما سيحدد مطلع الأسبوع المقبل، على أن يعقد في النصف الثاني من أيلول، مشيرًا إلى أن ملف تلة علي الطاهر كان أحد أسباب تأخير تثبيت الموعد.
وتبرز هنا فكرة تحويل علي الطاهر إلى «منطقة تجريبية»، بما يسمح باختبار ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، وخصوصًا أن التلة تمثل نقطة حساسة في أي تصور أمني يتعلق بالجنوب والنبطية وصولًا إلى الزهراني. ولكن المراقبين يخشون ان يتشبّث الحزب بموقفه المعارض للمناطق التجريبية، خصوصا انه رفض الوساطة الدولية التي طرحت تسليمها للجيش اللبناني قبل اسبوعين، مفضلا سقوط هذا الموقع الاستراتيجي عسكريا بيد العدوّ الاسرائيلي وابادة مقاتليه المحاصرين على تسليمه للسلطة اللبنانية، وهو ما تمّ فعلا بشكل دموي قبل يومين، عندما اعلن الجيش الاسرائيلي عن احتلال “علي الطاهر” وقتل 15 عنصرا كانوا لا يزالون محاصرين داخل انفاقه.
وبالتوازي، يطرح لبنان محاولة انتزاع اعتراف بخطوط الهدنة لعام 1949، في خطوة يمكن أن تشكل، إذا نجحت، مدخلًا لمعالجة ملف الحدود والاحتلال ووقف الغارات ضمن إطار أكثر ثباتًا.
بين الدولة والمقاومة… الخلاف على الطريق لا على الهدف
في الداخل، تتعدد المقاربات. فالنائب جبران باسيل أعلن تأييد التفاوض الذي يؤدي إلى وقف الحرب وإنهاء الاحتلال، مع رفض أي صيغة تكرّس الاحتلال أو تشرّعه، مؤكدًا أن حصر السلاح بيد الدولة والجيش لا يستهدف طائفة بعينها.
في المقابل، يؤكد حزب الله، عبر مواقف نوابه، تمسكه بخيار المقاومة وتحالفه مع إيران، معتبرًا أن الحرب لم تنجح في القضاء عليه.
وهكذا يبدو الخلاف اللبناني قائمًا على طريق الوصول إلى الأمن والسيادة: الدولة ترى في التفاوض فرصة لتثبيت حقوق لبنان وإنهاء الاحتلال، فيما يخشى الحزب أن يتحول المسار التفاوضي إلى مدخل لإعادة صياغة موازين القوى الداخلية وإضعاف معادلة المقاومة.
الجنوب يدفع الثمن
وسط هذا السجال، يبقى الجنوب تحت النار. فقد شهدت مناطق عدة تصعيدًا إسرائيليًا شمل التفجيرات والغارات والقصف المدفعي، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف مواقع وبنى تحتية لحزب الله ردًا على إطلاق مسيّرة باتجاه قواته.
وأعلنت وزارة الصحة سقوط أربعة شهداء و32 جريحًا جراء الغارات الأخيرة، بينهم أطفال ونساء، في عدد من مناطق الجنوب والبقاع الغربي.
هذا الواقع الميداني يضع الدولة أمام ضغط مزدوج: التقدم في التفاوض من جهة، ومنع تحول التصعيد العسكري إلى حرب أوسع من جهة أخرى.
بكركي تحذر… ولبنان أمام اختبار جديد
وفي ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير، جدّدت بكركي دعوتها إلى حماية لبنان من أن يتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين، مؤكدة دعم مؤسسات الدولة والحياد والوحدة الوطنية.
وبين التصعيد العسكري، والتباعد السياسي، وعقدة علي الطاهر، تبدو مفاوضات روما أمام اختبار حقيقي. فإذا نجحت الدولة في تحويل التفاوض إلى مسار قابل لإنتاج ترتيبات أمنية ثابتة، فقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة. أما إذا بقيت المفاوضات معلقة بين الشروط المتبادلة، فقد يستمر الجنوب في دفع ثمن غياب التسوية.
وفي هذا المشهد، تبقى علي الطاهر أكثر من مجرد تلة؛ فهي قد تكون الاختبار الأول لترتيبات أمنية أوسع، ولقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء مسار فعلي لوقفها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|