هل ينجح برّي بنزع ورقة "علي الطاهر" من يد نتنياهو؟
حتّى اللحظة لم تحدّد واشنطن موعد الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة التي ترعاها بين لبنان وإسرائيل وتستضيفها في سفارتها في روما. تشير الترجيحات إلى احتمال حصولها مطلع أيلول المقبل، ولو أنّ التقديرات السياسيّة تقلّل من إمكانيّة تحقيق تقدّم كبير في المسار الدبلوماسيّ ما دامت إسرائيل لم تقفل صناديق الاقتراع التشريعيّة لمعرفة هويّة وطبيعة الحكومة الجديدة التي ستخلف حكومة بنيامين نتنياهو.
بالانتظار، تسود خشية في الأوساط اللبنانيّة من استخدام بنيامين نتنياهو الضغط العسكريّ في لبنان ليكون آخِرة أوراقه الانتخابيّة قبل الخضوع لاختبار صناديق الاقتراع، خصوصاً أنّ عودته إلى رئاسة الحكومة ليست مضمونة، وهو يحتاج إلى نصر كبير يدفع الإسرائيليّين إلى التمسّك به على رأس السلطة التنفيذيّة. وفي ظلّ المنافسة السياسيّة الحادّة داخل إسرائيل، قد تصبح الجبهة اللبنانيّة إحدى الساحات التي يحاول نتنياهو من خلالها إعادة تثبيت صورته كـ”رجل الأمن” القادر على فرض معادلات جديدة على خصوم إسرائيل.
هذا لا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب موسّعة، لاعتبارات لا تتّصل فقط بالداخل الإسرائيليّ، وإنّما بحسابات إقليميّة معقّدة تلعب فيها واشنطن الدور الحاسم. وقد يكون التصعيد المحسوب أكثر فائدة انتخابيّاً بالنسبة لنتنياهو: عمليّات عسكريّة محدّدة، غارات نوعيّة، استهدافات محدّدة، أو رفع مستوى التهديدات بما يسمح له بتقديم أيّ مكسب ميدانيّ باعتباره إنجازاً أمنيّاً جديداً.
لا تبدو معركة عليّ الطاهر منفصلة عن الحسابات الأوسع لنتنياهو، الذي قد يجد في الجنوب اللبنانيّ ساحة إضافيّة لإظهار قدرته
لكنّ الرهان يحمل مخاطر على نتنياهو نفسه، إذ إنّ أيّ تصعيد لا يحقّق نتيجة واضحة قد ينقلب عليه انتخابيّاً، وتوسّع العمليّات إلى حرب مفتوحة يصعب التحكّم بمسارها سيدفع الإسرائيليّين إلى الاقتصاص منه في صناديق الاقتراع. من هنا، يتركّز الاهتمام على منطقة عليّ الطاهر، ليس فقط باعتبارها نقطة جغرافيّة على تماسّ مع المعادلات الأمنيّة في الجنوب، بل باعتبارها، وفق أوساط دبلوماسيّة، هدفاً يمكن أن يوظّفه نتنياهو في الاستحقاق الانتخابيّ. فالمعركة حول المنطقة قد تتجاوز الحسابات العسكريّة المباشرة لتتحوّل إلى اختبار لقدرة رئيس حكومة إسرائيل على فرض واقع أمنيّ جديد في لبنان وتقديمه إلى الناخب الإسرائيليّ باعتباره إنجازاً إضافيّاً في سجلّ حكومته.
بحسب هذه الأوساط، طُرحت عروض أميركيّة تقوم على معادلة محدّدة: انتشار الجيش اللبنانيّ في عليّ الطاهر بعد انسحاب مقاتلي “الحزب” منها، مقابل انسحاب القوّات الإسرائيليّة من محيط المنطقة، بما يسمح بإيجاد صيغة أمنيّة تحفظ ماء وجه الأطراف وتمنع تثبيت وجود إسرائيليّ دائم. إلّا أنّ نتنياهو، وفق المصادر نفسها، لا يزال يرفض هذه المقاربة، مفضّلاً إبقاء الخيار العسكريّ مطروحاً.
يعكس هذا الموقف، بحسب القراءة الدبلوماسيّة، رغبة إسرائيليّة في الاحتفاظ بورقة ميدانيّة يمكن استخدامها في اللحظة الانتخابيّة المناسبة، خصوصاً إذا أمكن تقديم السيطرة على المنطقة أو فرض ترتيبات أمنيّة جديدة فيها دليلاً على نجاح سياسة الضغط العسكريّ. لذلك لا تبدو معركة عليّ الطاهر منفصلة عن الحسابات الأوسع لنتنياهو، الذي قد يجد في الجنوب اللبنانيّ ساحة إضافيّة لإظهار قدرته على تحقيق “إنجاز أمنيّ” قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
تسود خشية في الأوساط اللبنانيّة من استخدام بنيامين نتنياهو الضغط العسكريّ في لبنان ليكون آخِرة أوراقه الانتخابيّة
تكشف مواقف رئيس “مجموعة العمل الأميركيّة من أجل لبنان” إدوارد غابريل، عقب لقائه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، أنّ معالجة عقدة عليّ الطاهر باتت مرتبطة بمحاولة إيجاد مخرج سياسيّ يحول دون تحوّل المنطقة إلى ذريعة لعمليّة عسكريّة إسرائيليّة واسعة. فحديث غابريل عن ضرورة أن تكون إسرائيل واضحة في قبولها تولّي الجيش اللبنانيّ السيطرة على التلّة، مقابل وضوح موقفها من رغبتها في أن يتولّى الجيش هذه المهمّة، يعكس محاولة بناء صيغة تتيح استبدال الخيار العسكريّ بترتيب أمنيّ لبنانيّ.
تكتسب تصريحات غابريل أهمّيّة خاصّة لأنّه استأذن الرئيس برّي قبل مغادرته عين التينة للتحدّث إلى الإعلام ونقل مواقف عنه. وهذا يعني أنّ الكلام لم يكن توصيفاً أميركيّاً منفصلاً، بل جاء في سياق ما يبدو أنّه تفاهم على إبراز طرح محدّد: انسحاب القوّات الإسرائيليّة من محيط عليّ الطاهر، وانسحاب مقاتلي “الحزب” من المنطقة، مقابل انتشار الجيش اللبنانيّ وتولّيه المسؤوليّة الأمنيّة فيها.
تُبرز الزيارة في الشكل مكانة الرئيس برّي لدى المسؤولين الأميركيّين انطلاقاً من مهمّتين: صلة وصل جدّيّة مع “الحزب”، ومكوّن فاعل في البيئة الشيعيّة وسط رهان قويّ على إمكان أن يلعب رئيس المجلس دوراً مؤثّراً على “الحزب”.
هل حمل الوفد الأميركيّ مبادرة متكاملة؟
وفق المعلومات، لا تتمثّل مهمّة الوفد في طرح مبادرة أميركيّة جاهزة، بل في الاستماع إلى الأفكار التي يحملها الأطراف المعنيّون، ومناقشتها واختبار قابليّتها للتطبيق، ثمّ نقل خلاصاتها إلى الإدارة الأميركيّة. من هنا، تبدو مهمّة غابريل أقرب إلى بناء “أرضيّة مشتركة” منها إلى مبادرة. فنجاح هذا المسار يتوقّف أوّلاً على موقف إسرائيل: هل تقبل فعلاً بأن يحلّ الجيش اللبنانيّ محلّها ومحلّ “الحزب” في المنطقة أم لا تزال ترى في السيطرة العسكريّة المباشرة الخيار الأكثر ضماناً لمصالحها الأمنيّة؟ في الإجابة عن هذا السؤال يتحدّد أن يكون عليّ الطاهر نموذجاً لتسوية جنوبيّة أو نقطة انطلاق لمواجهة جديدة.
كلير شكر- اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|