محليات

هل تعود "الكماشة"؟ سوريا وإسرائيل أمام سيناريو تطويق حزب الله

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

عادت الدعوات الأميركية إلى تدخل سوري ضد "حزب الله" في لبنان طرح احتمال استعادة نموذج تاريخي اختبرته المنطقة في سبعينات القرن الماضي، عندما وجدت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها بين ضغط عسكري سوري من الشمال والشرق وتقدم إسرائيلي من الجنوب.

وبحسب قراءة نشرتها مجلة "المجلة" السعودية، فإن الحديث لا يدور عن استنساخ حرفي لتجربة الماضي، بل عن توظيف بعض آلياتها ضمن واقع إقليمي جديد، يقوم هذه المرة على التناقض بين الحكم السوري الجديد و"حزب الله"، بالتوازي مع العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة ضد الحزب في لبنان.

وتنظر واشنطن، وفق المجلة، إلى "حزب الله" بوصفه أبرز تعبير عن النفوذ الإيراني في المشرق، فيما تتعامل مع سوريا الجديدة كساحة قابلة لإعادة التموضع داخل المعادلة الإقليمية الناشئة. ومن هنا تبرز فرضية تطويق الحزب عبر مسارين متوازيين: إسرائيلي من الجنوب وسوري من الشرق.

ويستند هذا التصور إلى تجربة بدأت ملامحها عام 1976، عندما دخل الجيش السوري إلى لبنان بضوء أخضر إقليمي ودولي، قبل أن تنفذ إسرائيل "عملية الليطاني" عام 1978 بهدف دفع المقاتلين الفلسطينيين شمالاً وإقامة حزام أمني على الحدود. وقد وضعت هذه المعادلة منظمة التحرير بين قوتين تتحركان من اتجاهين مختلفين، وأسهمت في إعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية للبنان لعقود.

لكن المجلة تشير إلى أن العلاقة السورية - الفلسطينية آنذاك لم تكن قائمة على تحالف أو عداء ثابتين، بل اتسمت بالبراغماتية والصراع على النفوذ. فقد اصطدمت القوات السورية بالحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية، وشاركت في إدارة العمليات التي انتهت بسقوط مخيم تل الزعتر، قبل أن يؤدي اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 إلى إضعاف البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالوجود الفلسطيني وتعزيز قدرة دمشق على إدارة التوازنات اللبنانية.

ومع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تقاطعت مصالح سوريا والفلسطينيين في مواجهة إسرائيل، لكن ضمن حسابات سورية مرتبطة بمخاوف حافظ الأسد من أن يؤدي احتلال بيروت إلى فتح الطريق نحو دمشق. وبعد خروج المقاتلين الفلسطينيين إلى تونس، تبدلت الموازين مجدداً لمصلحة سوريا، قبل أن ينفجر الخلاف في طرابلس عام 1983 وينتهي بإخراج ياسر عرفات من المدينة.

ورغم التشابه الذي قد يوحي بعودة "استراتيجية الكماشة"، تبرز فروق جوهرية بين المرحلتين. فالجيش السوري الحالي لا يمتلك البنية التنظيمية والقدرة على الانتشار والسيطرة اللتين كان يتمتع بهما الجيش السوري السابق، كما أن أي تحرك داخل لبنان قد يحتاج إلى دعم قوى لبنانية محلية، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية واحتمالات فوضى واختراقات قد تهدد خطوط الإمداد والمناطق الخلفية للقوات السورية.

ويُعد العامل التركي أحد أبرز عناصر الاختلاف. فأنقرة هي الداعم الرئيس للجيش السوري الجديد وتشارك في تدريبه وإعادة تأهيله، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استعدادها لمنحه غطاءً سياسياً وعسكرياً للتدخل في لبنان. فتركيا تحاول تجنب الانخراط في حرب بالوكالة مع إيران، بالتزامن مع حرصها على منع التمدد الإسرائيلي في سوريا والحفاظ على علاقتها بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وفي هذا السياق، اكتسب القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور في إدلب أهمية استثنائية. وترى "المجلة" أن موقع المطار القريب نسبياً من الحدود التركية منح الضربة بعداً يتجاوز الهدف العسكري المباشر، وحوّلها إلى رسالة موجهة إلى الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والسوري أحمد الشرع.

وأظهرت التسريبات الإسرائيلية أن الغارات الثماني استهدفت محاولات إعادة تأهيل سلاح الجو السوري بمساعدة تركية، فيما أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تسمح بوجود عسكري تركي يهددها داخل سوريا. كما أقر مسؤول إسرائيلي بأن تل أبيب أطلعت واشنطن مسبقاً على معلومات تتعلق بالضربة.

ولا تستبعد المجلة أن تكون الغارات قد حملت أيضاً ضغطاً على دمشق لدفعها نحو موقف أكثر تقدماً من "حزب الله"، خصوصاً في ظل معلومات عن تصورات عرضها الشرع على ترمب، تقوم على تعزيز الانتشار العسكري عند الحدود السورية مع لبنان والعراق، لمنع انتقال الأسلحة إلى الحزب عبر الأراضي السورية.

غير أن السؤال يبقى حول ما إذا كانت واشنطن تكتفي بتشديد الرقابة على الحدود وقطع خطوط الإمداد، أم أنها تسعى إلى دور سوري يتجاوز ذلك إلى الانخراط المباشر في مواجهة الحزب داخل الأراضي اللبنانية.

ويتزامن هذا المشهد مع انتقال إيران، وفق المجلة، من استراتيجية دفاعية إلى أخرى هجومية، ظهرت ملامحها في تحركات حلفائها في اليمن والعراق، في محاولة لخلط الأوراق وكسر الحصار الاقتصادي الأميركي المفروض عليها.

وتشير تسريبات أوردتها المجلة إلى أن طهران أبلغت عواصم إقليمية، بينها أنقرة والرياض، بأنها قد تستهدف مواقع استراتيجية داخل سوريا إذا قررت دمشق التدخل ضد "حزب الله" أو ضد الفصائل العراقية الحليفة لإيران. كما تتحدث معطيات عن تحشيد إيراني داخل العراق ونقل مقاتلين أفغان إليه تحسباً لتطورات عسكرية مرتبطة بالساحة السورية.

أما "حزب الله"، الذي تعرض خلال الأشهر الماضية لضربات إسرائيلية استهدفت بنيته العسكرية وقياداته، فتظل قدرته على فتح جبهة جديدة ضد الجيش السوري موضع شك. ورغم الحديث عن إرسال تعزيزات إلى البقاع والحدود اللبنانية - السورية، فإن الانتقال من الانتشار الدفاعي إلى هجوم استباقي يحتاج إلى قدرات عسكرية وظروف ميدانية مختلفة.

ومن شأن اندلاع مواجهة بين الحزب والجيش السوري أن يضع إسرائيل أمام خيارات جديدة، بين الاكتفاء بتوسيع عملياتها داخل لبنان أو توفير غطاء سياسي وعسكري للقوات السورية. أما إذا نفذت إيران تهديداتها وضربت مواقع داخل سوريا، فسيتحول الصراع من مواجهة على خطوط إمداد "حزب الله" إلى معركة على سوريا نفسها.

وعندها ستخضع المظلة الأميركية المحيطة بالحكم السوري الجديد لاختبار غير مسبوق، فيما قد تدفع أي محاولة إيرانية لإرباك دمشق عدداً من العواصم الإقليمية إلى تقديم دعم سياسي وعسكري أكبر لها. وقد تجد إسرائيل نفسها أيضاً مضطرة إلى مراجعة حساباتها والقبول بتنسيق غير مباشر مع نظام الشرع برعاية أميركية، رغم استمرار حذرها من الجيش السوري.

وتخلص "المجلة" السعودية إلى أن الحدود اللبنانية - السورية قد تتحول إلى خط تماس بين مشروع إقليمي ودولي يسعى إلى تثبيت التوازنات الجديدة في المشرق، ومشروع إيراني يحاول منع انهيار شبكة نفوذ طهران.

وعليه، لا يعود السؤال مقتصراً على احتمال عودة الجيش السوري إلى لبنان أو انخراطه في مواجهة مع "حزب الله"، بل يتسع ليشمل احتمال عودة الصراع على سوريا وتحولها مجدداً إلى ساحة اشتباك إقليمي ودولي مفتوحة، في قلب المعركة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا