سوريا وفرنسا تتعهدان بمحاسبة المسؤولين عن الهجمات الكيميائية
"دخلت محترمًا وستخرج كاذبًا"... التيار يرد بعنف على الصدي
ردّت الهيئة الاستشارية للطاقة في «التيار الوطني الحر» بعنف على وزير الطاقة والمياه جو صدي، على خلفية مواقفه بشأن بواخر إنتاج الكهرباء وإطلاق التدقيق الجنائي في الملف، متهمة إياه بتقديم معلومات «كاذبة» عن طبيعة العقود وكلفة الطاقة المنتجة، في تصعيد جديد ينقل المواجهة بين الطرفين من ملف التغذية الكهربائية الحالية إلى إدارة قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية.
وقالت الهيئة، في بيان شديد اللهجة، إن صدي «دخل إلى الوزارة مستشارًا محترمًا وسيخرج منها كاذبًا غير محترم»، قبل أن توجه إليه انتقادات شخصية وسياسية قاسية، متهمة إياه بترداد معلومات غير صحيحة في ملف البواخر.
وركز رد التيار بصورة أساسية على نقطتين أثارهما صدي. ففي ملف طبيعة العقد، رفضت الهيئة توصيف البواخر بأنها كانت «مستأجرة»، معتبرة أن مؤسسة كهرباء لبنان كانت تشتري الكهرباء من الشركة المشغلة للبواخر باعتبارها معامل عائمة لإنتاج الطاقة، كما كانت تشتري أو تستجر الكهرباء من مصادر أخرى.
وقالت الهيئة إن صدي، بحسب تعبيرها، «يصرّ أن يكذب على الناس» عندما يقول إن كلفة استئجار البواخر خلال 3 سنوات تجاوزت كلفة شرائها، مؤكدة أن المقارنة يجب أن تُبنى على كلفة الكهرباء التي اشترتها مؤسسة كهرباء لبنان، وليس على ثمن البواخر نفسها.
إلا أن توصيف طبيعة العقد يشكل بحد ذاته نقطة خلاف في الروايتين. ففيما يقدم التيار الاتفاق على أنه شراء للطاقة المنتجة من معامل عائمة، وصفت وثائق رسمية لوزارة المالية العقد الموقع عام 2012 بأنه عقد لاستئجار بواخر لإنتاج الكهرباء، وأشارت إلى دفعة بقيمة 180 مليار ليرة سُددت في ذلك العام لحساب مؤسسة كهرباء لبنان ضمن العقد مع شركة «كارباورشيب».
وكانت مؤسسة كهرباء لبنان نفسها قد استخدمت في بيان صدر عام 2013 عبارة «عقد استئجار الطاقة الكهربائية» الموقع مع الشركة التركية، ما يعكس أن الخلاف الحالي يتصل أيضًا بالطريقة التي يُقرأ بها النموذج التعاقدي: هل هو استئجار لقدرة إنتاجية عائمة أم شراء كهرباء من شركة تمتلك وتشغل البواخر.
أما النقطة الثانية في رد الهيئة، فتتعلق بكلفة الكيلوواط/ساعة. واعتبرت أن صدي أخطأ حين قارن كلفة الكهرباء المشتراة من البواخر بأرخص معامل مؤسسة كهرباء لبنان، مشددة على أن المقارنة، في الظروف الطبيعية، يجب أن تكون مع متوسط كلفة الإنتاج، وفي حالات النقص الحاد بالطاقة مع المصادر البديلة الأعلى كلفة التي تحل البواخر مكانها.
وبحسب الهيئة، كانت الكهرباء المشتراة من البواخر أقل كلفة من إنتاج معامل الذوق والجية القديمة وصور وبعلبك، وكذلك من استجرار الكهرباء من سوريا، مشيرة إلى أن كلفة الطاقة المشتراة من البواخر كانت بحدود 12 و13 سنتًا للكيلوواط/ساعة في مراحل معينة، بينما كان متوسط مصادر أخرى يصل أحيانًا إلى 17 و18 سنتًا تبعًا لأسعار الفيول والمواسم.
وتتقاطع بعض هذه الأرقام مع تقديرات كانت منشورة خلال فترة تشغيل البواخر. ففي عام 2017، على سبيل المثال، أشارت تقارير إلى أن كلفة الكهرباء من البواخر بلغت نحو 12 سنتًا للكيلوواط/ساعة، مقابل نحو 17 سنتًا لاستجرار الكهرباء من سوريا وقرابة 14 سنتًا من بعض معامل الإنتاج اللبنانية في المقارنة المعتمدة آنذاك. غير أن هذه الكلفة كانت تتغير مع أسعار الوقود وشروط العقود والفترات الزمنية المختلفة.
في المقابل، استند صدي في موقفه، الجمعة، إلى أرقام قال إنها موثقة لدى مؤسسة كهرباء لبنان، فأشار إلى أن كلفة إنتاج البواخر بلغت في عام 2014 نحو 19.71 سنتًا للكيلوواط/ساعة، مقابل 17.51 سنتًا في دير عمار و17.02 سنتًا في الزهراني. وأضاف أنه في عام 2015 بلغت كلفة البواخر نحو 13 سنتًا، مقابل 10.51 سنتًا في دير عمار و11.10 سنتًا في الزهراني.
كما رفض صدي المقارنة التي أجراها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بين كلفة إنتاج الكهرباء من البواخر وتعرفة كهرباء لبنان الحالية البالغة 27 سنتًا للشطر الأعلى من الاستهلاك، معتبرًا أن التعرفة التي يدفعها المشترك تشمل عناصر إضافية تتعلق بالإنتاج والنقل والتوزيع والهدر، وليست كلفة إنتاج فقط.
وجاء انفجار السجال بالتزامن مع إعلان صدي، في 21 آب، إطلاق مسار المناقصة الخاصة بالتدقيق الجنائي في صفقات بواخر توليد الكهرباء بين عامي 2012 و2017 وصفقات الفيول المرتبطة بها، بعد نشر دفتر الشروط على منصة هيئة الشراء العام.
وكان صدي قد وضع الملف على طاولة مجلس الوزراء منذ أشهر، معلنًا في 23 نيسان أنه عرض دفتر شروط التدقيق الجنائي الذي أُعد بالتعاون مع هيئة الشراء العام، معتبرًا الخطوة تطبيقًا للبيان الوزاري ولتعهد الحكومة بإجراء تدقيقات جنائية ومحاسبية في الوزارات والمؤسسات العامة.
ومر مسار التدقيق بعدة مراحل، إذ أخذت هيئة الشراء العام علمًا بمضمون دفتر الشروط في 16 آذار، وطالبت بأن يشمل على الأقل صفقات البواخر للأعوام 2012-2017 وصفقات الفيول المتصلة بها، قبل أن يوافق مجلس الوزراء في 23 نيسان على تأمين الاعتماد، ثم يصدر في 27 تموز مرسوم نقل الاعتماد، وصولًا إلى موافقة مجلس الوزراء في 13 آب على بند التحكيم الدولي الوارد في دفتر الشروط وإطلاق المناقصة في 21 آب.
وأكد التيار، في رده، أنه لا يخشى التدقيق الجنائي، وهاجم استخدام صدي له في السجال السياسي، معتبرًا أن العملية لن تكشف مخالفات في الملفات التي أدارها وزراء التيار، ومتحديًا الوزير إلى عرض مزيد من التفاصيل والأرقام أمام الرأي العام.
وهذه ليست المواجهة الأولى بين الطرفين حول التدقيق، إذ سبق للنائب سيزار أبي خليل أن رد على طرح تدقيق جنائي في ملفات أخرى لوزارة الطاقة، بينها سد جنة، معتبرًا أن ملفات سابقة خضعت لتحقيقات ومراجعات من دون أن تثبت، بحسب موقفه، الاتهامات السياسية التي أثيرت حولها.
ويشكّل ملف البواخر أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام في تاريخ الكهرباء اللبنانية الحديث. ففي عام 2012 تعاقد لبنان مع شركة «كارباورشيب» التركية لإرسال باخرتين لإنتاج الكهرباء، وبدأ التشغيل عام 2013، قبل تمديد العقود لاحقًا واستمرار البواخر في لبنان نحو 9 سنوات. وتقول الشركة إنها أمّنت في بعض المراحل نحو 25% من الطلب اللبناني على الكهرباء.
ومنذ بداية المشروع، انقسمت الآراء بين من رأى في البواخر حلًا سريعًا لتعويض نقص الإنتاج وتأمين طاقة بكلفة أقل من بعض المعامل القديمة والمولدات الخاصة، وبين من اعتبر أن الأموال التي أنفقت عليها كان يمكن استثمارها في بناء معامل ثابتة تؤمن حلًا طويل الأمد بدل اعتماد خيار موقت لسنوات.
وقدرت تقارير لاحقة أن شراء الكهرباء من البواخر كلّف لبنان أكثر من 1.5 مليار دولار على مدى سنوات التشغيل، من دون احتساب كامل قيمة الوقود الذي وفّرته الدولة اللبنانية، وهي أرقام كانت من الأسباب التي دفعت إلى استمرار المطالب بالتدقيق في الجدوى المالية للمشروع وشروط تمديد العقود.
في المقابل، يتمسك التيار بأن تقييم الملف لا يمكن أن يتم عبر جمع الأموال المدفوعة ومقارنتها بثمن إنشاء معمل فقط، بل يجب احتساب كمية الكهرباء المنتجة وكلفة البدائل التي كانت متاحة في كل مرحلة، وساعات التغذية الإضافية التي أمّنتها البواخر، والكلفة التي كان سيتحملها المواطن عبر المولدات الخاصة في غيابها.
وكان باسيل قد عاد أخيرًا إلى الدفاع عن هذا الطرح، معتبرًا أن كلفة شراء الكهرباء من البواخر كانت بين 11 و15 سنتًا وفق أسعار الفيول، وأن إضافة ساعات تغذية من هذا المصدر كانت ستسمح لمؤسسة كهرباء لبنان بتحقيق إيرادات إضافية بدل ترك المواطنين أمام كلفة أعلى للمولدات.
وهكذا، تحولت حملة «رح يصدي» التي بدأها التيار بمهاجمة إدارة الوزير الحالية لقطاع الكهرباء إلى مواجهة مباشرة على إرث وزارة الطاقة نفسها، فيما بات التدقيق الجنائي المنتظر مرشحًا لأن يكون المرجع الذي يحتكم إليه الطرفان في واحد من أكثر الملفات المالية والسياسية حساسية.
وحتى ظهور نتائج التدقيق، تبقى الأرقام والتوصيفات موضع نزاع بين صدي والتيار: الوزير يقول إن البواخر كانت أعلى كلفة من أبرز معامل الإنتاج وإن التدقيق سيكشف كيف صُرفت الأموال، فيما يرد التيار بأن الطاقة المشتراة منها كانت أوفر من مصادر بديلة عدة وأن المقارنة التي يعتمدها الوزير غير سليمة اقتصاديًا.
وبذلك، لم تعد المواجهة تتعلق فقط بمستقبل الكهرباء في لبنان، بل انتقلت إلى معركة على رواية الماضي نفسها: من يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتُخذت؟ وهل وفرت البواخر على الدولة والمواطنين أم راكمت كلفة كان يمكن تجنبها؟ وهي أسئلة يُفترض أن تقدم المناقصة الجديدة للتدقيق الجنائي معطيات موثقة للإجابة عنها بعيدًا من السجال السياسي.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|