سلام يبحث مع رئيس بلدية رميش أوضاع الاهالي الصامدين في القرى الحدودية
حزب الله و"الصبر الاستراتيجي": هل هو قرار قوة أم اعتراف بالعجز؟
في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس القوة بما تقوله عن نفسك، بل بما تستطيع فعله عندما تُختبر. ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على حزب الله ليس ما إذا كان يمارس «صبرًا استراتيجيًا»، بل: هل ما زال هذا الصبر خيارًا محسوبًا، أم أنه أصبح الاسم السياسي لعجز عسكري عن الرد؟
من الردع إلى الاختبار
منذ سنوات، بنى حزب الله جزءًا أساسيًا من صورته على معادلة تقول إن لديه قدرة ردع استثنائية، وإن إسرائيل تعرف أن أي اعتداء كبير سيقابله رد مؤلم. وكان السلاح، في خطاب الحزب، ليس مجرد وسيلة دفاع، بل عنصر قوة إقليمية وورقة تفاوض و«ضمانة» للبنان.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفًا بصورة يصعب تجاهلها.
إسرائيل تصعّد في الجنوب، وتنفذ غارات وعمليات تستهدف مواقع وشخصيات مرتبطة بالحزب، فيما تبدو قدرة الحزب على الرد أكثر محدودية بكثير مما كان يقدمه لجمهوره وللرأي العام اللبناني والعربي. وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا إسرائيليًا، فيما طالبت واشنطن بنزع سلاح الجماعات المسلحة خارج الدولة.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان السلاح موجودًا لكي يمنع إسرائيل من الاعتداء، وإذا كانت الاعتداءات مستمرة، فما الذي تبقى من وظيفة هذا السلاح؟
بين الصبر والاستنزاف
قد يكون لدى حزب الله حسابات لا نعرفها. وقد يكون بالفعل اختار عدم الانجرار إلى مواجهة واسعة، لأن الظروف الإقليمية والدولية لم تعد كما كانت.
وهذا، من حيث المبدأ، يمكن أن يسمى «صبرًا استراتيجيًا».
لكن الصبر الاستراتيجي لا يكون استراتيجية إلا إذا كان وراءه هدف واضح، وأدوات لتحقيقه، وتوقيت محدد للانتقال من الانتظار إلى الفعل.
أما أن يتعرض طرف لضربات متكررة، ثم يكتفي بالقول إن «الرد سيأتي في الوقت المناسب»، من دون أن يأتي الرد، فمع مرور الوقت يتحول الصبر من عنصر قوة إلى سؤال عن القدرة.
ماذا بقي من «المعادلة»
المشكلة أن حزب الله لم يقدم لجمهوره طوال السنوات الماضية صورة تنظيم يملك السلاح فقط، بل صورة قوة قادرة على فرض قواعد اشتباك. ولذلك فإن عدم الرد اليوم لا يُقرأ فقط باعتباره قرارًا سياسيًا؛ بل يمكن أن يُقرأ أيضًا باعتباره دليلًا على أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد موجودة.
وهذا هو التحدي الحقيقي للحزب.
لطالما كان خطاب الحزب قائمًا على ثلاثية: المقاومة، الردع، وحماية لبنان.
لكن التطورات الأخيرة وضعت هذه الثلاثية أمام امتحان قاسٍ.
فإذا كان السلاح لا يمنع إسرائيل من تنفيذ عملياتها، وإذا كان الحزب لا يستطيع استخدامه للرد عليها، وإذا كانت الدولة اللبنانية هي التي تفاوض وتبحث عن ترتيبات أمنية جديدة، فهل ما زال السلاح يؤدي الوظيفة التي يبرر الحزب وجوده على أساسها؟
المفاوضات التي أصبحت واقعًا
الأكثر دلالة أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي رفضها الحزب بشدة أصبحت واقعًا سياسيًا قائمًا. وقد عقد الطرفان في روما جولة جديدة من المحادثات، هي السابعة ضمن المسار الذي ترعاه واشنطن، فيما كان موضوع نزع سلاح حزب الله حاضرًا في صلب البحث.
بل إن النقاش انتقل إلى آليات محتملة للتحقق من عملية نزع السلاح، مع استمرار الخلاف حول تفاصيل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.
وهنا المفارقة الكبرى.
الحزب الذي كان يقول إن التفاوض مع إسرائيل تحت النار يعني «الاستسلام»، يجد نفسه أمام مسار تفاوضي يتقدم، بينما لا يستطيع وقف هذا المسار بالقوة التي طالما تحدث عنها.
هل أصبح التهكم من المفاوضات وسيلة لحفظ ماء الوجه؟
من حق حزب الله أن يعارض المفاوضات، وأن يختلف مع الحكومة اللبنانية في تقييمها. المعارضة السياسية مشروعة.
لكن هناك فرقًا بين المعارضة السياسية وبين محاولة إلغاء الواقع.
فالقول إن المفاوضات «مهانة» أو «خيانة» لا يلغي أنها تجري، ولا يلغي أن الدولة اللبنانية دخلت في مسار تفاوضي تدعمه الولايات المتحدة، ولا يلغي أن مستقبل السلاح أصبح جزءًا أساسيًا من هذا المسار.
وقد وصف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم المفاوضات بأنها تجلب «العار والمهانة»، في وقت كانت فيه المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية مستمرة.
السؤال هنا ليس: هل يحق للحزب انتقاد المفاوضات؟
بل: هل يستطيع الحزب تقديم بديل واقعي عنها؟
إذا كان البديل هو الحرب، فلماذا لا يخوضها؟
وإذا كان البديل هو المقاومة، فأين هي؟
وإذا كان البديل هو الانتظار، فما هي شروط هذا الانتظار، ومتى ينتهي؟
أما الاكتفاء بإنتاج روايات عن انتصارات غير موجودة، أو بتفسير كل تراجع بأنه «خطة استراتيجية»، فهذا لا يصنع قوة. بل قد يتحول إلى عبء على صورة الحزب نفسه.
الاعتراف بالواقع ليس هزيمة
قد يكون أصعب قرار يمكن أن يتخذه حزب الله اليوم هو الاعتراف بأن المرحلة السابقة انتهت.
وهذا لا يعني أن الحزب انتهى سياسيًا، ولا يعني أن بيئته انتهت، ولا يعني أن جمهوره فقد ثقته به.
على العكس، يستطيع حزب الله أن يتحول من قوة مسلحة إلى قوة سياسية كبيرة، وأن يحتفظ بوزنه الشعبي والنيابي والتنظيمي، إذا أعاد تعريف دوره داخل الدولة اللبنانية. مع العلم أنه ينتهي فور تخليه عن السلاح. فهو حزب أمني وعسكري بامتياز، لا يمكنه العمل بالسياسة.
لكن عليه أن يملك شجاعة الاعتراف بأن السلاح الذي كان يُقدَّم باعتباره مصدر القوة قد أصبح اليوم أحد أهم أسباب العزلة والضغط والخطر على لبنان وعلى الحزب نفسه.
والأشرف، في هذه الحالة، ليس اختراع انتصار إعلامي جديد.
الأشرف هو أن يقول الحزب بوضوح: لقد تغيرت الظروف.
وأن يقول لجمهوره إن لبنان لم يعد يستطيع تحمل حرب جديدة، وإن حماية البيئة التي يمثلها الحزب تتطلب الانتقال من منطق «المقاومة المسلحة» إلى منطق الدولة والمؤسسات.
تسليم السلاح: هزيمة أم خروج مشرّف؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.
هل تسليم السلاح يعني هزيمة حزب الله؟
ربما إذا نظرنا إليه بمنطق الحرب والانتصار والهزيمة.
لكن إذا نظرنا إليه بمنطق الدولة، فقد يكون العكس تمامًا.
يمكن لحزب الله أن يقول إنه لم يتخلَّ عن لبنان، بل اختار الدولة؛ وإنه لم يسلّم نفسه، بل سلّم سلاحه إلى مؤسسة وطنية؛ وإنه لم يتخلَّ عن جمهوره، بل قرر أن يحميه من حرب جديدة لا يستطيع لبنان تحملها.
هذه الصيغة قد تكون أكثر شرفًا وواقعية من البقاء في منطقة رمادية: لا حرب شاملة، ولا تسليم للسلاح، ولا قدرة واضحة على الرد، ولا قبول بالمفاوضات، ولا بديل عنها.
الدولة اللبنانية تقول إن حصرية السلاح هي الطريق إلى استعادة سيادتها. والمجتمع الدولي يربط جزءًا أساسيًا من التسوية بملف السلاح. وحتى النقاش التفاوضي الحالي يتناول آليات تنفيذية للتحقق من نزع سلاح حزب الله.
فهل يستطيع الحزب أن يقلب المعادلة؟
بدل أن يكون نزع السلاح نتيجة هزيمة، يجعله قرارًا سياسيًا منه.
الحزب أمام خيارين
يبدو أن أمام حزب الله خيارين لا ثالث لهما على المدى المتوسط.
الأول: الاستمرار في خطاب القوة القديمة، مع انتظار تغير إقليمي يعيد له أوراقه، والاستمرار في وصف المفاوضات بالخيانة أو الإذلال، من دون امتلاك قدرة حقيقية على تعطيلها.
وهذا الخيار قد يطيل عمر الأزمة، لكنه لا يعيد إنتاج القوة «الوهمية» التي كانت موجودة قبل الحرب.
أما الخيار الثاني، فهو أكثر صعوبة لكنه أكثر عقلانية: الاعتراف بأن لبنان دخل مرحلة جديدة، وأن السلاح يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة، وأن الحزب يستطيع أن يتحول إلى حزب سياسي كامل الحقوق، يشارك في الانتخابات والحكومة والبرلمان ويعارض ويحاسب، من دون أن تكون لديه قوة عسكرية مستقلة عن الدولة.
هذا الخيار لا يعني الاستسلام لإسرائيل.
بل يعني، للمرة الأولى، إخراج الصراع مع إسرائيل من عهدة تنظيم واحد وإعادته إلى عهدة الدولة اللبنانية.
وهذا في حد ذاته قد يكون انتصارًا سياسيًا للبنان.
لا يمكن مقاومة إسرائيل بجيشين
المشكلة الأساسية في لبنان ليست فقط ماذا تريد إسرائيل، بل ماذا يريد لبنان أن يكون.
هل هو دولة لها جيش واحد وقرار أمني واحد وسياسة خارجية واحدة؟
أم دولة فيها جيش رسمي وقوة عسكرية موازية، لكل منهما حساباته وتقديراته؟
لقد أثبتت التجارب أن لبنان لا يستطيع أن يدفع ثمن القرارات الإقليمية نيابة عن الآخرين.
وإذا كانت إسرائيل تواصل عملياتها في الجنوب، فإن الرد الحقيقي لا يجب أن يكون بالضرورة إطلاق الصواريخ، بل بناء دولة تستطيع أن تقول للعالم: هذا اعتداء على لبنان، وهذه أرض لبنانية، وهذا جيش لبناني، وهذه حكومة لبنانية، وهذا قرار لبناني.
أما أن يبقى لبنان ساحة تتصارع فيها القوى الإقليمية، بينما يدفع اللبنانيون الثمن، فهذه ليست مقاومة ناجحة، ولا سياسة ناجحة، ولا دولة ناجحة.
لحظة الحقيقة
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح على حزب الله اليوم ليس: «متى سترد؟».
بل: إلى أين تريد أن تأخذ لبنان؟
إذا كان الحزب قادرًا على الرد ويختار عدم الرد، فعليه أن يشرح لجمهوره لماذا، وإلى متى، وما هي شروط هذا الصبر.
وإذا كان غير قادر على الرد، فالأفضل له أن يكون صريحًا مع جمهوره ومع اللبنانيين.
القوة الحقيقية ليست في الادعاء بأنك تستطيع فعل ما لا تستطيع فعله.
القوة الحقيقية هي أن تعرف متى تتراجع خطوة لتحمي شعبك، ومتى تحول الهزيمة العسكرية المحتملة إلى تسوية سياسية تحفظ ما يمكن حفظه.
لقد تغيرت المنطقة، وتغيرت موازين القوى، وتغيرت وظيفة السلاح، وأصبح ملفه جزءًا من مسار تفاوضي دولي وإقليمي لا يستطيع الحزب تجاهله. وفي المقابل، فإن استمرار التصعيد الإسرائيلي يجعل أي وهم بأن المشكلة حُلّت بنزع السلاح وحده وهمًا آخر؛ فلبنان يحتاج أيضًا إلى ضمانات فعلية للانسحاب ووقف الاعتداءات وحماية سيادته.
لذلك، ربما تكون اللحظة قد حانت لكي يتخلى الجميع عن الأوهام.
إسرائيل لا تستطيع أن تبني أمنها الدائم على ضرب لبنان.
وحزب الله لا يستطيع أن يبني قوته المستقبلية على سلاح لم يعد قادرًا على فرض المعادلة التي وُجد من أجلها.
والدولة اللبنانية لا تستطيع أن تبقى بين الطرفين.
أما «الصبر الاستراتيجي»، فإذا كان فعلًا صبرًا، فيجب أن يقود إلى استراتيجية.
وإذا لم يكن وراءه سوى انتظار اللحظة التي يمكن فيها اختراع رواية جديدة لتبرير عدم القدرة على الرد، فالأفضل أن نسمّيه باسمه الحقيقي.
إنها لحظة الحقيقة: إما أن تكون القوة فعلًا، أو يصبح الاعتراف بحدودها أكثر شرفًا من الاستمرار في ادعائها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|