الصحافة

ماذا لو لم يعد أحد يريد إنقاذ لبنان؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ماذا لو استيقظ لبنان ذات يوم واكتشف أنّ العالم لم يعد يملك الرغبة في إنقاذه؟

ليس في السؤال افتراض بأنّ الخارج سيتخلّى عن لبنان، ولا تجاهل للدور الذي لعبته دول عربيّة وغربيّة في محطّات لبنانيّة كثيرة. لكنّه سؤال يفرض نفسه في عالم يتغيّر بسرعة. حروب تعيد رسم موازين القوى، خرائط نفوذ تتبدّل، وتحالفات تعيد تعريف مصالحها وأولويّاتها.

وفي مثل هذا العالم، يصبح من غير الواقعيّ أن يبني لبنان مستقبله على افتراض أنّ الخارج سيكون دائمًا مستعدًّا للتدخّل حين يعجز الداخل عن إنتاج الحل.

لطالما عاش لبنان على فكرة الإنقاذ الخارجيّ. من مؤتمر إلى مبادرة، ومن وساطة إلى تسوية،
كان الخارج يتولّى، في كثير من الأحيان، الدفع نحو الحل عندما يصل الداخل إلى طريق مسدود.

ومع الوقت، لم يعد التدخل الخارجيّ عاملًا مساعدًا فحسب، بل أصبح جزءًا من المعادلة اللبنانيّة نفسها.

غير أن المتغيّر اليوم ليس فقط في لبنان، بل في العالم من حوله. دول كثيرة باتت أكثر انشغالًا بمصالحها، وأكثر حذرًا في إدارة أزمات الآخرين. وهذا لا يعني التخلّي عن لبنان، بقدر ما يعني أنّ مسؤوليّة إنقاذه لا يمكن أن تبقى خارجيّة في الأساس.

من هنا تبدأ الأولويّة الحقيقيّة، في أن يبني لبنان ما يستطيع بناءه، قبل أن يعرف إلى أين ستتّجه المنطقة.

صحيح أنّ لبنان الرسميّ، والطبقة السياسيّة بمختلف أطرافها، كما المواطنون جميعًا، مشغولون بما يجري في الإقليم، وفي الجنوب، وبمسار المفاوضات وما يمكن أن تؤول إليه. وهذا طبيعيّ، بل هو في صلب الأولويّات الراهنة. لكن ما الذي يمنع، في الوقت نفسه، من فتح الملفّات التي لا ينبغي أن تبقى رهينة مآلات كلّ ذلك، ومن البحث في نقاط التوافق حولها؟

هنا نصل إلى جوهر المشكلة. لبنان لا يعاني فقط من ضعف أجهزة الدولة أو سوء الإدارة، بل من انقسام أعمق حول تعريف الدولة نفسها. من يملك قرارها السياديّ؟ أين تتحدّد مصادر القوّة؟ وما حدود العلاقة مع الخارج؟

لذلك قد يكون من غير الواقعيّ انتظار اتّفاق اللبنانيين على كلّ هذه المسائل قبل البدء ببناء الدولة. ربّما المطلوب هو العكس تمامًا. أن نبني دولة تستطيع أن تعمل حتّى عندما لا يتّفق اللبنانيون. فالتباين ليس المشكلة. الديمقراطية تقوم عليه، والتعدّد جزء من طبيعة لبنان. المشكلة تبدأ عندما يتحوّل التباين من حق في الاختلاف إلى قدرة على التعطيل، وعندما يصبح الخلاف السياسيّ سببًا لشل المؤسّسات، أو لاستدعاء الخارج، أو لنقل الصراع من المؤسّسات إلى الشارع. المطلوب إذن ليس إلغاء الانقسام، بل وضعه ضمن قواعد دستوريّة ومؤسّساتيّة تمنعه من إسقاط الدولة.

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير النظام السياسيّ انطلاقًا من اتّفاق الطائف، لا باعتباره نصًّا جامدًا، بل إطارًا يمكن استكماله وتحديثه. فلبنان بقي عالقًا بين طائفيّة سياسيّة لم تُحسم، ودولة مدنيّة لم تكتمل، وإصلاحات لم تنفّذ بما يكفي لنقل الحياة السياسيّة من منطق المحاصصة إلى منطق المؤسّسات.

ويبدأ الإصلاح من إعادة تعريف التمثيل السياسيّ عبر قانون انتخاب يوسّع المشاركة، ويفتح المجال أمام قوى سياسيّة ومدنيّة متجدّدة وجديدة، ويجعل النائب ممثلًا للناس وبرنامجًا سياسيًا، لا مجرد امتداد لزعيم أو طائفة. ويستكمل ذلك بإنشاء مجلس شيوخ، كما نصّ عليه اتّفاق الطائف، يتولى صون الهواجس والخصوصيات الطائفيّة ضمن إطار دستوريّ، فيما يتفرّغ مجلس النوّاب للتمثيل السياسيّ على أساس وطنيّ، خارج القيد الطائفيّ. عندها لا تعود الطائفيّة وسيلة لتعطيل المؤسّسات، بل تتحوّل إلى ضمانة داخلها.

وتأتي اللامركزيّة الموسّعة لتخفيف الصراع على الإدارة المركزيّة، عبر نقل جزء واسع من الصلاحيات والقرارات إلى المناطق، من دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها. وفي المقابل، تبقى السيادة والدفاع والسياسة الخارجيّة والقضاء والسياسات الوطنيّة العامة والأساسّية من مسؤوليّة الدولة ومؤسّساتها المركزيّة.

لكن كلّ إصلاح يبقى ناقصًا إذا لم يُحسم السؤال السياديّ. فلا يمكن لدولة أن تكون مكتملة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعًا بينها وبين قوى أخرى. الدولة القابلة للحياة تحتاج إلى مرجعيّة شرعيّة واحدة في الأمن والسيادة.

ولا يكتمل بناء الدولة من دون اقتصاد قادر على حملها، الأمر الذي يفرض إصلاح الماليّة العامة، وإقرار قانون الفجوة وتحديد المسؤوليات ومن ثم إعادة بناء القطاع المصرفيّ، وتشجيع الاستثمار، وتحديث البنية التحتيّة، والاستفادة من الطاقات اللبنانيّة والاغترابيّة. فالاستقلال السياسيّ يحتاج إلى قدرة اقتصاديّة تحميه، والدولة التي لا تستطيع تمويل نفسها تبقى أكثر عرضة للحاجة إلى الخارج.

أمّا الخارج، فدوره لا ينبغي أن ينتهي، بل أن يتغيّر. من صانع للتسويات اللبنانيّة إلى شريك في تثبيتها، ومن مدير للأزمة إلى داعم لبناء الدولة ومؤسّساتها.

قد لا يستطيع لبنان أن يغيّر ما يجري حوله، لكنّه يستطيع أن يقرّر كيف يدخل إلى المرحلة المقبلة. وهو يستطيع، في الوقت نفسه، أن يفعل في الكثير من العناوين التي طُرحت، من دون انتظار جلاء الصورة في الخارج.

لذلك، فالسؤال لم يعد هل سينقذ الخارج لبنان؟ بل هل سيكون لبنان قد بدأ إنقاذ نفسه قبل أن تتغيّر قواعد المنطقة، وقبل أن يضطر إلى مواجهة عالم جديد من دون مظلّة إنقاذ؟ المطلوب ليس أن يتوقّف اللبنانيون عن الاختلاف، فهذا مستحيل. المطلوب أن يتوقف اختلافهم عن منع لبنان من أن يكون دولة.

بقلم أنطوان العويط

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا