الصحافة

عندما يصبح السلاح تحدياً لسيادة الدولة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب المحامي ميشال فلاّح:

لم يعد السؤال في لبنان اليوم ما إذا كان السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، بل لماذا يُسمح لحزب الله بالاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة فيما لا يُسمح لأي حزب أو تنظيم آخر بذلك؟ فالقضية تجاوزت منذ زمن النقاش السياسي حول مفهوم المقاومة أو توازنات الإقليم، وأصبحت مسألة دستورية وقانونية تتعلق بجوهر الدولة نفسها: هل يحتكر لبنان قرار القوة العسكرية، أم أنه يعيش واقعاً تتقاسم فيه الدولة وتنظيم مسلح سلطة الحرب والسلم؟
كلما اقتربت الدولة من ممارسة سلطتها على كامل أراضيها، عاد الخطاب الذي يصور أي محاولة لضبط السلاح وكأنها استهداف للمقاومة. إلا أن الإشكالية الحقيقية ليست في توسع سلطة الدولة، بل في استمرار وجود قوة عسكرية تعمل خارج الإطار الدستوري، بما يجعل أجزاء من القرار الأمني والعسكري خارج سلطة المؤسسات الشرعية.

لا شرعية دستورية لجيش موازٍ
لا يمنح الدستور اللبناني أي حزب سياسي حق امتلاك قوة عسكرية مستقلة، كما أن وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) جاءت واضحة عندما نصت على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، وإعادة تنظيم القوات المسلحة لتكون القوة الشرعية الوحيدة في البلاد.
ومن ثم، فإن مشاركة حزب الله في البرلمان والحكومة لا تمنحه حق الاحتفاظ بجيش موازٍ، لأن التمثيل السياسي لا يجيز امتلاك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. كما أن مرور الزمن لا يحول مخالفة دستورية إلى حق مكتسب، ولا يمنح الأمر الواقع شرعية قانونية.

القرارات الدولية حسمت الجدل
لم يعد موضوع السلاح شأناً داخلياً صرفاً. فالقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن عام 2004 دعا بوضوح إلى حل ونزع سلاح جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ثم جاء القرار 1701 ليؤكد عدم وجود أي سلاح أو سلطة في لبنان خارج مؤسسات الدولة، وحصر الوجود المسلح جنوب الليطاني بالجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة ضمن نطاق تفويضها.
وهذه النصوص لا تتضمن أي استثناء لأي تنظيم، ولا تمنح أي جهة حق تفسيرها وفق مصالحها السياسية. فالمقاومة، حتى عندما تكون مشروعة في ظروف معينة، لا تعني إنشاء مؤسسة عسكرية دائمة موازية للدولة، لأن الدفاع عن الوطن لا يبرر قيام سلطة أمنية مستقلة عن السلطة الدستورية.

السلاح والسيادة
يرتكز الخطاب التقليدي لحزب الله على معادلة مفادها أن امتلاك السلاح هو الذي يوفر الحماية للبنان. غير أن هذه المقاربة تقلب العلاقة الطبيعية بين الدولة والقوة. ففي الدولة الحديثة، الجيش يحمي البلاد لأنه يخضع للسلطة الدستورية، لا لأنه يملك قراراً مستقلاً عنها.
إن وجود قوة مسلحة قادرة على تقرير متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، أو على فرض معادلات أمنية وسياسية خارج قرار الدولة، يؤدي عملياً إلى سيادة منقوصة. فالدولة تتحمل مسؤولية نتائج النزاعات أمام المجتمع الدولي، فيما لا تحتكر القرار العسكري الذي يقود إليها، وهو تناقض يضعف مفهوم السيادة ذاته.

حرمة المنازل لا تحمي السلاح
من أكثر الحجج تداولاً في مواجهة تطبيق حصرية السلاح اعتبار عمليات التفتيش أو المداهمة اعتداءً على الحريات العامة. إلا أن المادة 14 من الدستور اللبناني تحمي حرمة المسكن، لكنها تجيز دخوله في الأحوال والإجراءات التي يحددها القانون، كما يشترط العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن يكون أي تدخل قانونياً وضرورياً ومتناسباً.
وبالتالي، لا يوجد أي تعارض بين احترام حرمة المنازل وبين قيام الجيش والأجهزة المختصة بضبط الأسلحة غير المشروعة وفق الأصول القانونية. فالضمانات الدستورية وُجدت لحماية المواطنين من التعسف، لا لتحويل المنازل والمنشآت المدنية إلى أماكن محصنة لتخزين السلاح خارج سلطة الدولة.

مرحلة سياسية جديدة
ازدادت هذه المعادلة وضوحاً مع الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026، الذي ربط بين استعادة الجيش اللبناني سلطته الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وبين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي.
وبصرف النظر عن الموقف السياسي من هذا الاتفاق، فإن دلالته الأساسية تتمثل في أن المجتمعين الدولي والإقليمي باتا ينظران إلى السلاح غير الخاضع للدولة باعتباره عنصراً رئيسياً في معادلة السيادة والاستقرار، لا مجرد قضية لبنانية داخلية.

خيار لا يقبل المواربة
أمام هذه المعطيات، تبدو الخيارات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فإما أن يتحول حزب الله إلى حزب سياسي كامل يمارس دوره عبر المؤسسات الدستورية ويتخلى عن بنيته العسكرية المستقلة، وإما أن يتمسك بجيش موازٍ، بما يبقي التناقض قائماً بين وجود دولة ذات سيادة وتنظيم يمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً عنها.
ولا يمكن، على المدى البعيد، الجمع بين شرعيتين متوازيتين: شرعية المؤسسات الدستورية وشرعية السلاح. فإما أن يكون الجيش المؤسسة العسكرية الوحيدة، وإما أن تتحول الدولة إلى واحدة من عدة مراكز تتقاسم السلطة والنفوذ.

السؤال الاخير
نجح حزب الله، طوال سنوات، في تحويل النقاش حول سلاحه إلى سجال سياسي يتناول نيات خصومه أكثر مما يناقش جوهر المشكلة. لكن المعيار القانوني يبقى بسيطاً وواضحاً: لا يجوز لأي حزب أن يستفيد من الدستور في المشاركة بالسلطة، ثم يستثني نفسه من القواعد التي يقوم عليها هذا الدستور، وفي مقدمتها احتكار الدولة لاستخدام القوة.
إن حصرية السلاح ليست استهدافاً لفئة أو طائفة، ولا نفياً لتضحيات أحد، بل هي التطبيق الطبيعي لمبدأ سيادة الدولة والمساواة أمام القانون. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى سيادتها منقوصة، مهما امتلكت من مؤسسات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كان لبنان دولة واحدة، فما المبرر القانوني أو الدستوري لاستمرار وجود جيشين على أرضه؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا