الصحافة

فاتورة حروب "محور الممانعة" تصل إلى "عدّاد" اللبنانيين

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تنتهي بعض الحروب حين تصمت المدافع، وحروب تبقى فواتيرها مفتوحة بعد أن يطوي أصحاب القرار خرائطهم العسكرية. وفي لبنان، يبدو أن لـ"محور الممانعة" عدّادًا آخر لا يظهر في غرف العمليات ولا على شاشات الصواريخ... عدّاد الكهرباء في منزل اللبناني.

فحين قرر "حزب الله" أن يلحق الجبهة اللبنانية بالحرب الإقليمية من دون العودة إلى دولة اخترق عمقها، دخل أيضًا في سلسلة من الكلف الااقتصادية والمالية يدفع ثمنها اليوم بلد بالكاد كان قد بدأ يلتقط أنفاسه من انهياره. ستة صواريخ كانت كافية لفتح فصل لبناني جديد من حرب قيل إنها نصرة لإيران، إلا أن فاتورتها وصلت إلى جيب اللبناني.

الحرب الأوسع هزّت أسواق الطاقة وخنقت الملاحة عبر مضيق هرمز، والحرب على الأرض اللبنانية ضربت الجباية والمنشآت، فيما تُركت مؤسسات الدولة لتجمع شظايا القرارات السياسية والعسكرية في دفاتر حساباتها. والنتيجة اليوم وثيقة رسمية من "مؤسسة كهرباء لبنان" تضع أمام الدولة رقمًا يصعب التعامل معه بوصفه مجرد خسارة محاسبية... أكثر من 410 ملايين دولار من الخسائر.

وفي كتاب رسمي رفعته المؤسسة إلى السلطات المختصة بشأن قدرتها على الاستمرار في تأمين الكهرباء حتى نهاية عام 2026، رسمت "كهرباء لبنان" صورة مالية شديدة القسوة... ارتفاع غير مسبوق في كلفة المحروقات، تراجع في الجباية، أضرار مرتبطة بالحرب، واستنزاف كامل للسيولة التي كانت قد راكمتها المؤسسة.

من ستة صواريخ إلى صدمة الطاقة

تقول وثيقة "كهرباء لبنان" إن موازنة المؤسسة وخطة استرداد الكلفة لعام 2026 وُضعتا على أساس سعر للغاز أويل يتراوح بين 680 و690 دولارًا للطن المتري. بعد اندلاع الأزمة، قفز السعر إلى نحو 1500 دولار قبل أن يتراجع إلى نحو 1300 دولار، أي بزيادة تراوح بين 88 و91 في المائة عن السعر المرجعي.

الكهرباء تُباع بأقل من كلفة توليدها

بحسب المؤسسة، يحقق بيع الكيلوواط ساعة إيرادًا بحدود 19 إلى 20 سنتًا أميركيًا، فيما ارتفعت كلفة التوليد وحدها إلى نحو 26 سنتًا، قبل احتساب التشغيل والصيانة وشبكات النقل والتوزيع والهدر الفني. أي أن المؤسسة تسجل عجزًا تشغيليًا تقديريًا بين 6 و7 سنتات في كل كيلوواط ساعة تبيعه.

ومع استمرار هذه المعادلة، استُنزفت بالكامل السيولة والاحتياطات المتراكمة التي كانت تبلغ 140.64 مليون دولار في أوائل شباط 2026. وتكشف أرقام الشحنات حجم التحول بصورة أوضح.

فإحدى عشرة شحنة من الغاز أويل، ست شحنات تم توريدها وخمس مرتقبة بين آب وتشرين الأول، كانت ستكلّف وفق أسعار ما قبل الأزمة نحو 246.23 مليون دولار.

لكن كلفتها الفعلية والمقدّرة بالأسعار الجديدة ارتفعت إلى نحو 460.69 مليون دولار. والفارق وحده يصل إلى 214.46 مليون دولار.

وباحتساب متوسط الوتيرة والكلفة السابقة للشحنات، فإن هذا الفارق وحده كان يكفي تقريبًا لتمويل نحو سبعة أشهر إضافية من الشحنات بالمستويات السعرية التي بُنيت عليها الخطة الأصلية للمؤسسة.

ولحربي "أولي البأس" و"العصف المأكول"، فاتورتها أيضًا، ولا تتوقف الخسارة عند المحروقات إذ أن تجدد العمليات العسكرية داخل لبنان خفّض الجباية والتحصيل، ولا سيما في المناطق المتضررة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

وتسجّل المؤسسة 50.66 مليون دولار خسائر في الجباية مرتبطة بالحربين الأخيرتين وغير مشمولة بقانون الإعفاء، إضافة إلى 114.98 مليون دولار أضرارًا ناجمة عن حربَي 2024 و2025. أي أن الجباية الضائعة والأضرار المرتبطة بالحربين تبلغ وحدها نحو 165.64 مليون دولار.

كما تسجل المؤسسة 30.33 مليون دولار أخرى من خسائر الجباية بسبب "قانون إعفاءات 2024" كما يُشار إليه أحيانًا، أو القانون رقم 22 الصادر في 11 تموز 2025 والمنشور في الجريدة الرسمية في 17 تموز، والمتعلق بمنح المتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية إعفاءات من ضرائب ورسوم.

وهنا تجدر الإشارة إلى طريقة تمويل الإعفاء. فمؤسسة كهرباء، مؤسسة عامة وطنية ذات طابع صناعي وتجاري وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري. وحين تقرر الدولة إعفاء فئة من المشتركين لأسباب اجتماعية أو نتيجة الحرب، فإن تحويل هذا القرار إلى خسارة داخل ميزانية المؤسسة يعني عمليًا أن الدولة قدّمت المساعدة من أموال مؤسسة تحاول أصلا استرداد كلفة إنتاجها. وكان من المفترض أن تعوّض مؤسسة كهرباء لبنان عن قيمة هذه الإعفاءات، من الخزينة.

فإذا كانت الدولة تريد تحمّل كلفة إعفاء المتضررين، يمكنها رصد اعتماد صريح في الموازنة، أو تخصيص مساهمة من اعتمادات إعادة الإعمار والإغاثة، أو استخدام مجلس الجنوب أو الهيئة العليا للإغاثة كقناة تنفيذ إذا تقرر ذلك قانوناً. أما إبقاء الكلفة داخل ميزانيات مؤسسات عامة مستقلة ماليًا، فيخفي ثمن السياسة الاجتماعية بدلا من تمويلها.

30 مليون دولار

وتضع وثيقة كهرباء لبنان خسائر الجباية الناتجة عن قانون الإعفاء عند 30.33 مليون دولار، إضافة إلى 50.66 مليونًا خسائر جباية مرتبطة بالحربين، ليصبح مجموع نقص الواردات 80.99 مليون دولار.

ويضاف إلى ذلك 329.44 مليون دولار تحت خانة خسائر النفقات، وهي عمليًا تجمع العبء الإضافي للمحروقات البالغ 214.46 مليون دولار والأضرار البالغة 114.98 مليونًا.

خطر العودة للتقنين

تحتاج مؤسسة كهرباء لبنان إلى نحو 50 مليون دولار بصورة عاجلة من متأخرات القطاع العام، إضافة إلى نحو 12 مليون دولار شهريًا لتغطية المستحقات الجارية. وتشير إلى أن مستحقاتها على القطاع العام تجاوزت 250 مليون دولار. كما تطلب المؤسسة البحث عن هبات من الغاز أويل من دول صديقة وشقيقة.

وفي حال عدم تأمين الأموال، سيكون الخيار هو خفض الإنتاج والتغذية بما يتناسب مع السيولة المتوافرة، بما قد يخفض ساعات الكهرباء خلال الأشهر المتبقية من 2026.

هكذا، تتحول شعارات "وحدة الساحات" وضرورات "الإسناد" ومقتضيات الصراع الأزلي، حين تعبر من المنابر إلى خزائن الدولة، إلى لغة أبسط بكثير... وقود أغلى، احتياطات مستنزفة، جباية متراجعة، وساعات تغذية مهددة بالانخفاض.

مريم مجدولين اللحام - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا