قتيلان و8 إصابات في هجوم أوكراني بمسيرات على إقليم كراسنودار الروسي
ملف ضباط الأسد يعود إلى الواجهة: علي مملوك في مرمى بيروت؟
لم يكن توقيف اللواء السوري السابق عادل عيسى في بيروت حادثاً أمنياً عابراً. فالرجل، الذي سبق أن قاد الفرقة 17 في جيش النظام السوري السابق، دخل السفارة السورية لإنجاز معاملة إدارية، لكنه خرج منها إلى قبضة السلطات اللبنانية، بعدما أُبلغ القضاء اللبناني بأنه مطلوب في سوريا على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم ارتُكبت خلال سنوات الحرب.
بهذه الواقعة، عاد واحد من أكثر ملفات ما بعد سقوط نظام بشار الأسد تعقيداً إلى الواجهة: ماذا ستفعل بيروت بمئات الضباط والمسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين الذين عبروا إلى الأراضي اللبنانية بعد الثامن من كانون الأول 2024؟ وهل بات لبنان، الذي شكّل طوال الأشهر الماضية منطقة عبور أو إقامة لبعضهم، جزءاً من مسار المحاسبة؟
توقيف عيسى في 8 آب الجاري يكتسب أهمية تتجاوز اسمه. فالسلطات اللبنانية باتت تدرس إمكان تسليمه إلى دمشق، وفي حال إتمام ذلك، قد يشكّل الأمر أول سابقة من نوعها لتسليم مسؤول بارز من عهد الأسد إلى السلطات السورية الجديدة. عيسى، من جهته، ينفي الاتهامات الموجهة إليه، فيما تنتظر بيروت استكمال الملف القضائي السوري لتحديد الخطوة التالية.
ليلة السقوط... الطريق إلى لبنان
خلال الساعات والأيام التي أعقبت انهيار النظام السابق، تحوّلت الحدود السورية ـ اللبنانية إلى واحدة من أبرز طرق الهروب.
دخل آلاف السوريين إلى لبنان، في وقت توافرت فيه معلومات عن تمكن ضباط ومسؤولين أمنيين من عبور الحدود بطرق غير نظامية، أو باستخدام وثائق وأسماء مختلفة. وفي الأيام الأولى بعد سقوط دمشق، ظهرت معلومات عن وصول عدد من الضباط الكبار إلى لبنان بوثائق تحمل أسماء مزيفة، فيما أكدت السلطات اللبنانية حينها أن أياً من كبار مسؤولي النظام السوري السابق لم يدخل البلاد عبر المعابر الرسمية.
وسط الفوضى، انتشرت على مواقع التواصل صورة قيل إنها لعلي مملوك، أحد أقوى رجال المنظومة الأمنية السورية طوال عقود، أثناء فراره بحراً من ميناء طرابلس. سرعان ما تبين أن الصورة لا تشكّل دليلاً على وجوده أو على مسار هروبه، لكن السؤال عن مكانه لم يختفِ.
وتوزع عدد من الضباط الأقل رتبة، بحسب مصادر محلية ومعلومات متقاطعة، بين مناطق في شمال لبنان والبقاع ومناطق قريبة من الحدود، إضافة إلى مناطق تقع ضمن دوائر نفوذ سياسي وأمني مختلفة، في حين انتقل عدد من كبار مسؤولي النظام السابق إلى روسيا.
لكنّ الشعور بأن لبنان يمكن أن يشكّل محطة آمنة نسبياً بدأ يتغير تدريجياً.
قائمة تضم أكثر من 200 اسم
في 18 كانون الأول 2025، وصل إلى بيروت العميد عبد الرحمن الدباغ، المسؤول الأمني السوري، وعقد لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، بينهم مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير ومسؤولون في مديرية المخابرات. ولم تكن الزيارة بروتوكولية.
فقد طلب الجانب السوري من السلطات اللبنانية، التعاون في ملف يضم أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان بعد سقوط الأسد، بالتوازي مع تبادل أسماء ومعلومات عن أماكن وجود بعضهم وتحركاتهم.
وأكد مسؤولون لبنانيون حينها تلقي معلومات وأسماء من الجانب السوري، لكنّ دمشق لم تكن قد استكملت في تلك المرحلة طلبات تسليم قضائية رسمية عبر القنوات المتخصّصة، وهي النقطة التي ظلت تفصل طوال أشهر بين التنسيق الأمني من جهة، وإجراءات التوقيف والتسليم القانونية من جهة أخرى.
وخلال الفترة نفسها، نفذ الجيش اللبناني عمليات أمنية أسفرت عن توقيف عشرات السوريين، من دون الإعلان آنذاك عن توقيف أي من كبار الضباط الواردة أسماؤهم في الملف. أما توقيف عادل عيسى، فيبدو أنه نقل المسألة إلى مرحلة مختلفة.
وفق معلومات حصلت عليها "المدن" من مصادر سورية في لبنان، أثارت قضية عيسى حالة من القلق بين عدد من الضباط السابقين المقيمين بصورة شبه سرية في البلاد.
ويقول ضابط سابق من رتبة صغيرة لـِ "المدن" إن بعض أصحاب العقارات التي يقيم فيها ضباط سوريون بدأوا خلال الفترة الأخيرة مطالبتهم بإخلائها، وسط تشدد أمني متزايد وتخوف من ملاحقات أو مداهمات محتملة.
وتتحدث المصادر عن انتقال بعض المطلوبين من شقق سكنية معروفة إلى أماكن أقل ظهوراً، بينها مزارع ومساكن بعيدة وفنادق متواضعة، في محاولة لتقليص إمكانية تعقبهم.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع هذه التحركات، لكنها تأتي في وقت يبدو فيه أن العلاقة الأمنية بين دمشق وبيروت دخلت مرحلة مختلفة عما كانت عليه خلال الأشهر الأولى التالية لسقوط النظام.
وفي شباط/ فبراير 2026، وقعت الحكومتان السورية واللبنانية اتفاقية لتنظيم نقل المحكومين السوريين الموجودين في السجون اللبنانية إلى بلادهم، في مؤشر إضافي إلى إعادة بناء قنوات التعاون القضائي بين البلدين بعد سنوات من العلاقات المعقدة.
وبالتوازي مع اتساع دائرة القلق، بدأت تظهر مؤشرات إلى البحث عن طرق للخروج من لبنان قبل أن تتحول الملاحقات الأمنية إلى مسار أكثر انتظاماً. ووفق معلومات حصلت عليها "المدن"، شهدت الفترة الأخيرة نشاطاً متزايداً في سوق جوازات السفر ووثائق السفر المزورة، مع ارتفاع الطلب عليها من سوريين يخشون الملاحقة أو التوقيف.
وتشير المعلومات إلى أن بعض الضباط والمسؤولين السابقين باتوا يبحثون عن مسارات بديلة لمغادرة لبنان بعيداً من المعابر الرسمية، بينها اللجوء إلى شبكات تهريب البشر بحراً باتجاه قبرص، على أن تكون الجزيرة محطة عبور أولى قبل محاولة الانتقال إلى دول أبعد، ولا سيما في أميركا اللاتينية.
ولا تتعلق المسألة، وفق المصادر، بطريق هروب واحد أو شبكة موحدة، بل بسوق موازية أخذت تتسع كلما تقلص هامش الحركة داخل لبنان. فمع ازدياد التدقيق في الإقامات والهويات وأماكن السكن، باتت الوثيقة المزورة وطريق البحر بالنسبة إلى بعض المطلوبين محاولة لشراء فرصة جديدة للاختفاء خارج المجال السوري ـ اللبناني.
ويعكس هذا النشاط تحوّلاً في مزاج الضباط الموجودين في لبنان: فبعد أشهر كان الرهان خلالها على الاختباء وانتظار استقرار المشهد، بدأ بعضهم يتعامل مع البقاء في البلاد باعتباره مخاطرة متزايدة، خصوصاً مع انتقال التنسيق بين دمشق وبيروت من تبادل المعلومات والأسماء إلى توقيف مطلوبين فعلياً.
أين علي مملوك؟
في قلب هذا الملف يبرز اسمُ اللواء علي مملوك. فالرجل ليس مجرد مسؤول أمني سابق، بل كان لسنوات طويلة أحد أعمدة المنظومة الأمنية في دمشق، وشغل رئاسة مكتب الأمن الوطني، وهذا ما جعله ضمن الحلقة الضيقة المحيطة ببشار الأسد. ويواجه مملوك اليوم ملاحقات قضائية خارج سوريا، بعدما أدانته من محكمة فرنسية غيابياً في أيار 2024، إلى جانب جميل حسن وعبد السلام محمود، بتهم التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتعلق باختفاء وتعذيب وقتل السوريين الفرنسيين مازن وباتريك الدباغ، وحكمت عليه بالسجن المؤبد. أما مكان وجوده منذ سقوط النظام، فظل موضع روايات متضاربة.
ظهرت بعد أيام من سقوط الأسد معلومات تشير إلى وصوله إلى لبنان، من دون أن يتوافر ما يثبت بقاءه فيه لاحقاً. وفي مراحل أخرى، تداولت مصادر روايات عن انتقاله إلى روسيا. لذلك لا يمكن التعامل مع وجوده الحالي في لبنان باعتباره حقيقة مثبتة علناً.
لكنّ الملف عاد إلى الاشتعال بعد تصريحات وليد جنبلاط، الذي تحدّث أخيراً عن وجود مسؤولين كبار من النظام السابق داخل لبنان، وذكر بينهم علي مملوك وبسام الحسن وأسماء مرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية.
ووفق معلومات حصلت عليها "المدن" من مصادر مطلعة، فإن مملوك موجود بالفعل داخل الأراضي اللبنانية ويتنقّل بين أكثر من مكان، لكنَّ هذه المعلومات تبقى بحاجة إلى إثبات رسمي من السلطات اللبنانية.
أما بسام الحسن، أحد المسؤولين الأمنيين السابقين المقربين من دائرة الأسد، فقد ظهر بالفعل في لبنان في سياق تحقيقات صحفية مرتبطة بملف الصحفي الأميركي أوستن تايس، وهذا ما جعل وجوده أقل غموضاً من حالة مملوك.
ملف الكيميائي يثقل القائمة
تزداد حساسيةُ هذا الملف مع بروز أسماء مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري. فالسلطات السورية الجديدة بدأت خلال الأشهر الماضية تنفيذ سلسلة توقيفات طالت مسؤولين سابقين في هذا البرنامج. ففي 29 نيسان، أُعلن توقيف اللواء عدنان عبود حلوة، الذي تتهمه دمشق بالضلوع في الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013.
وفي 15 تموز/ يوليو، أعلنت وزارة الداخلية توقيف العقيد أحمد حبيب علي، الذي قالت إنه كان مسؤولاً عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي في الوحدة 417، وإن التحقيقات الأولية تشير إلى إشرافه على تصنيع قنابل محمّلة بالسارين استُخدمت خلال سنوات الحرب.
وتُضفي هذه التوقيفات مزيداً من الحساسية على أي معلومات تتعلق بوجود مسؤولين آخرين مرتبطين بالبرنامج الكيميائي داخل لبنان، إذ تضع الملف في إطار يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية ليصل إلى نطاق جرائم حرب محتملة وتحقيقات ذات امتدادات دولية.
هل تتكرر حالة عادل عيسى؟
حتى الآن، لا توجد أي إشارة رسمية إلى قرار لبناني باعتقال جميع الأسماء التي تطالب بها دمشق، كما أن تسليم أي مطلوب يبقى مرتبطاً بمسار قضائي لا يمكن تجاوزه بمجرد طلب أمني أو سياسي.
لكن واقعةُ عادل عيسى أسقطت، على الأقل، فكرة أن الحدود اللبنانية تشكّل ضمانةً دائمة لمن عبرها بعد سقوط الأسد.
قبل أشهر، كان السؤال المطروح: أين اختفى ضباط النظام السابق؟
اليوم تغيّر السؤال: من منهم تستطيع بيروت توقيفه؟ ومن تملك دمشق ملفات قضائية كافية للمطالبة بتسليمه؟ وماذا سيحدث إذا ثبت أن أسماء بحجم علي مملوك لا تزال داخل الأراضي اللبنانية؟
وإذا تحوّل توقيفُ عادل عيسى من حالةٍ استثنائية إلى سابقة، فإن قائمة المئتي اسم التي بقيت أشهراً بين أجهزة الأمن والدوائر القضائية قد تصبح واحداً من أكثر ملفات العلاقة السورية ـ اللبنانية سخونة.
وعندها لن يكون السؤال أين يعيش ضباط الأسد في لبنان، بل: من سيكون التالي؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|