صيف وشتاء تحت سقف واحد: حزب يشن الحروب ويأتي بالدمار مقابل ملاحقة الفرد
يبدو، لا سيما في السنتين الاخيرتين، ان الدولة اللبنانية بدأت تعاني من ازدواجية معقدة في سياساتها تجاه إسرائيل، حيث تتأرجح بين الردع العسكري الذي تقوده أطراف غير حكومية مثل حزب الله وبين المسارات الدبلوماسية والقانونية الرسمية للدولة، مما يخلق تفاوتاً حاداً في السيادة وتطبيق القانون.
وخير مثال على ذلك، وفق مصادر عليمة، انه حين ظهر المصرفي أنطون الصحناوي في صورة مع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، تحرّك القضاء اللبناني خلال أيام، وسطّر النائب العام التمييزي بلاغ بحث وتحرٍّ بحقه بجرم “التعامل مع العدو الإسرائيلي”، ووصفته منابر مقربة من حزب الله بأنه “مجاهرة بالصهيونية” تستوجب المساءلة. المنطق هنا واضح ومعلن: أي تواصل فردي مع إسرائيل، ولو بصورة عشاء، هو خرق لسيادة الدولة وقوانينها.
لكن، تتابع المصادر، المعيار نفسه لم يُطبَّق حين اتخذ حزب الله، في 2 آذار 2026، قرارًا بإطلاق صواريخ ومسيّرات على إسرائيل ، ليس دفاعًا عن حدود لبنانية تعرضت لاعتداء مباشر في تلك اللحظة، بل انتقامًا معلنًا لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وتفعيلًا لعقيدة "وحدة الساحات" التي تربط الجبهة اللبنانية بقرار طهران. وهذا القرار خالف بشكل مباشر ما كانت السلطة اللبنانية الرسمية قد أقرته في آب 2025 المتعلق بـ: "حصر السلاح بيد الدولة حصرًا".
وترى المصادر ان حزب الله لم يكتفِ برفض تسليم سلاحه، بل استخدمه في حرب جديدة لم تقررها الحكومة اللبنانية ولا وافقت عليها، بل تحمّلت البلاد كلفتها البشرية والمادية.
وبالتالي هذه هي المفارقة التي لا بدّ من التوقف عندها: إعلام وأوساط قريبة من حزب الله تحاسب مواطنًا لبنانيًا على قراره الفردي بالجلوس إلى طاولة عشاء، في الوقت الذي مارس فيه الحزب نفسه، مرارًا وعلى مدى عقود، ما هو أبعد من ذلك بكثير: قرار حرب وسلم مستقل عن الدولة اللبنانية، مرتبط عضويًا بحسابات طهران الإقليمية لا بحسابات بيروت.
وتشير المصادر الى ان حزب الله، من جانبه، يرفض هذا التوصيف، ويقدّم نفسه كحركة مقاومة تدافع عن لبنان ضد عدو لم يتوقف عن الاعتداء عليه، لا كأداة بيد إيران، ولكن هذا الخلاف في التوصيف هو جوهر الانقسام اللبناني الداخلي منذ عقود، ويستحق أن يُطرح دون مواربة: من يملك فعليًا قرار السيادة اللبنانية، ومن يُحاسَب حين يتنازل عنها؟
وهناك ايضا مفارقة ثانية، أدق قانونيًا من مسألة الصلاحيات الرئاسية، تتعلق بأن بتفويض رسميًا وفدًا للتفاوض والتوقيع على “اتفاق الإطار” مع إسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران 2026، وهو ما يشمل، بحسب تحليل قانوني نشره المحامي إميل عون، التزامات تمس صلب العلاقة مع “العدو” بالتعريف القانوني اللبناني نفسه. الفارق الذي أبقى الدولة خارج طائلة قانون مقاطعة إسرائيل هو الشكل لا الجوهر: التفاوض جرى بشكل غير مباشر، عبر وساطة أميركية، لا في لقاء ثنائي مباشر بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين على طاولة واحدة، وهو بالضبط الفارق الذي غاب عن الصحناوي حين ظهر وجهًا لوجه مع نتنياهو دون وسيط.
بعبارة أخرى: الدولة اللبنانية تتفاوض فعليًا مع إسرائيل حول مصير جنوبها وسلاح حزب الله ومستقبل علاقتها الإقليمية، لكنها تفعل ذلك عبر قناة تحفظ لها الحصانة القانونية الشكلية من تهمة “التعامل مع العدو” ، بينما يُلاحَق مواطن عادي جنائيًا لأنه فعل الشيء نفسه، من دون وسيط، وفي صورة.
وتختم المصادر بالسؤال: هل هذا الفارق فارق جوهري في السيادة والمبدأ، أم هو فارق شكلي فقط يخدم راحة الدولة السياسية أكثر مما يخدم اتساق القانون؟
ربما، يكون هذا السؤال هو الأكثر إلحاحًا في “المرحلة المقبلة” التي يتحدث عنها الجميع.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|