الخولي: منع وزير الدفاع من إبداء رأي الجيش في العفو العام تجاوز للدستور
من هرمز إلى الملف النووي... خامنئي يختار رجال المرحلة الأصعب
بدأ المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بإعادة رسم هرم القيادة العسكرية والأمنية في إيران، عبر سلسلة تعيينات واسعة دفعت بشخصيات ذات خلفيات متشددة وخبرة طويلة في الحرس الثوري إلى مواقع شديدة الحساسية، في خطوة تقرأها أوساط سياسية على أنها رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن طهران لا تتجه، في المرحلة الحالية، إلى تقديم تنازلات سهلة في ملفاتها الأساسية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن أكبر عملية إعادة تشكيل للقيادة الأمنية والعسكرية منذ تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد تعكس محاولته وضع بصمته الخاصة على سياسة الأمن القومي الإيراني، في وقت لا تزال فيه المواجهة مع الولايات المتحدة مفتوحة على ملفات البرنامج النووي والعقوبات ومضيق هرمز.
وجاءت أبرز التغييرات مع عودة محسن رضائي إلى مركز صناعة القرار الأمني، بعدما عُيّن أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، كما عيّنه مجتبى خامنئي ممثلاً شخصياً له داخل المجلس، ما يمنحه ثقلاً إضافياً في الهيئة التي تنسق ملفات الأمن والسياسة الخارجية وتضم أبرز المسؤولين العسكريين والأمنيين والحكوميين.
وتكتسب عودة رضائي أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخه الطويل داخل المؤسسة العسكرية، إذ قاد الحرس الثوري من عام 1981 حتى عام 1997، بما يشمل معظم سنوات الحرب الإيرانية–العراقية، قبل انتقاله إلى مواقع سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، بينها أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام ومنصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية.
ويأتي صعوده في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المفاوضات مع واشنطن حول مضيق هرمز، بعدما تبنى خلال الفترة الأخيرة موقفاً متشدداً تجاه ترتيبات الملاحة، وسط إصرار إيراني على الاحتفاظ بدور مباشر في إدارة أي آلية جديدة للمرور عبر المضيق. وترى "وول ستريت جورنال" أن اختيار رضائي يبعث بإشارة واضحة إلى إدارة ترامب بأن القيادة الإيرانية تستعد لمفاوضات صعبة، وليس لمسار تنازلات سريع.
ولا يقتصر التغيير على مجلس الأمن القومي، إذ أصدر مجتبى خامنئي في 10 آب مراسيم شملت 6 مناصب عسكرية عليا داخل هيئة الأركان والقوات المسلحة والحرس الثوري والباسيج. وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن التغييرات طالت عملياً أبرز مراكز القيادة العسكرية في البلاد.
وعُيّن علي عبداللهي رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، فيما تولى كيومرث حيدري منصب نائب رئيس هيئة الأركان. كما عُيّن مصطفى إيزدي نائباً لقائد الحرس الثوري، فيما أسندت قيادة القوة البحرية في الحرس إلى علي عظمايي.
أما التعيين الأكثر دلالة فكان وضع أحمد وحيدي على رأس الحرس الثوري وترقيته إلى رتبة لواء، بعدما كلفه خامنئي، وفق المرسوم الرسمي، بتعزيز القدرات العسكرية والردعية والاستعداد لتنفيذ عمليات هجومية في مواجهة ما تصفه طهران بالتهديدات الخارجية.
ويُعد وحيدي من الشخصيات العسكرية المعروفة داخل النظام الإيراني، وقد تولى خلال مسيرته مواقع عسكرية وحكومية بارزة، بينها وزارتا الدفاع والداخلية، قبل عودته الآن إلى رأس الحرس الثوري في مرحلة تشهد فيها المؤسسة العسكرية الإيرانية إعادة بناء واسعة لقيادتها بعد الخسائر التي تعرضت لها خلال الحرب.
كما أعاد مجتبى خامنئي حسين طائب إلى موقع تنفيذي شديد الحساسية، بتعيينه رئيساً لمنظمة الباسيج، وهي القوة المرتبطة بالحرس الثوري والتي تؤدي دوراً أساسياً في الأمن الداخلي والتعبئة الشعبية. وكان طائب قد شغل سابقاً قيادة الباسيج، كما تولى رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري، ويُعد منذ سنوات من الشخصيات المقربة من دائرة خامنئي.
وتعكس تركيبة التعيينات الجديدة توجهاً نحو الاعتماد على شخصيات تمتلك خبرة عسكرية وأمنية طويلة وعلاقات عميقة بالحرس الثوري، بما يعزز حضور المؤسسة العسكرية في دائرة القرار خلال مرحلة تواجه فيها إيران تحديات متزامنة في الداخل والخارج.
لكن التغيير الأكثر إثارة للانتباه يبقى مرتبطاً بشخص المرشد نفسه.
فمنذ اختيار مجتبى خامنئي مرشداً في 8 آذار 2026، بقي بعيداً عن الظهور العلني، ولم تُنشر له صور أو تسجيلات حديثة، فيما أفادت مصادر تحدثت إلى "رويترز" بأنه أصيب بجروح في الوجه والساقين خلال الضربة التي أودت بوالده علي خامنئي في 28 شباط، وأن اعتبارات صحية وأمنية تقف خلف استمرار غيابه عن المشهد العام.
وكان هذا الغياب قد أثار تساؤلات متزايدة داخل إيران وخارجها بشأن طبيعة إدارته للدولة ومدى قدرته على ممارسة سلطاته بصورة مباشرة، خصوصاً أن منصب المرشد يمنحه الكلمة النهائية في القضايا العسكرية والأمنية والاستراتيجية. وأشارت "رويترز" في تموز إلى أن الحرس الثوري بقي لاعباً مركزياً في إدارة الدولة خلال فترة غياب خامنئي عن الجمهور.
إلا أن الرواية الرسمية الإيرانية تؤكد أن المرشد يمارس مهامه. فقد أعلن الرئيس مسعود بزشكيان في 10 آب أنه التقى خامنئي أخيراً في اجتماع استمر قرابة 7 ساعات، تناول الملفات الداخلية والخارجية والأوضاع الاقتصادية والعقوبات، وقال إن المرشد كان بصحة جيدة وقدم توجيهاته بشأن الملفات المطروحة.
وهذا التطور يميّز بين غياب خامنئي عن الظهور العلني وبين غيابه عن ممارسة القرار، إذ لا تزال المؤسسات الإيرانية تنسب إليه المراسيم والتعيينات الاستراتيجية، بينما تؤكد الرئاسة أنه يعقد اجتماعات مباشرة بعيداً عن الكاميرات.
وتأتي إعادة ترتيب هرم القيادة في الوقت الذي تجري فيه إيران اتصالات ومفاوضات مع الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة حول مضيق هرمز، وسط خلافات عميقة بشأن العقوبات والتعويضات والوجود العسكري الأميركي وشروط ضمان الملاحة.
وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد أعلن أن إيران وسلطنة عُمان اقتربتا من تفاهم بشأن ترتيبات الملاحة، لكنه ربط إعادة فتح المضيق بشروط إضافية تشمل مطالب تجاه واشنطن، فيما أصبح ملف التعويضات واحداً من أبرز نقاط الاشتباك بين الطرفين.
وفي المقابل، أكد ترامب أنه لا يزال في مرحلة تفاوض مع الإيرانيين، واصفاً إياهم بأنهم مفاوضون يتمتعون بقدر كبير من "المكر والدهاء"، في تعبير يكشف مستوى انعدام الثقة الذي يحيط بالمحادثات.
ويزيد تعيين رضائي تحديداً من حساسية هذه المفاوضات، لأن المجلس الأعلى للأمن القومي الذي بات أميناً له يشكل مركز التنسيق الرئيسي بين المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية في الملفات الكبرى، فيما يحتفظ المرشد بالكلمة النهائية في قرارات الدولة.
ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي إيراني يقول إن التعيينات الجديدة تعني تغييراً جذرياً في سياسة البلاد تجاه واشنطن، كما أن تعيين رضائي نفسه لم يترافق مع تفسير رسمي لأسباب إبعاد محمد باقر ذو القدر بعد أشهر قليلة فقط من توليه المنصب. ولذلك يبقى الحديث عن انتقال طهران إلى سياسة أكثر تشدداً قراءة سياسية تستند إلى هوية الشخصيات المختارة ومواقفها السابقة وتوقيت تعيينها.
لكن دلالة التوقيت يصعب تجاهلها. فإيران تعيد بناء قيادتها العسكرية في مرحلة تفاوض مع ترامب، وتضع على رأس الحرس الثوري شخصية مثل أحمد وحيدي، وعلى رأس الباسيج حسين طائب، وتمنح محسن رضائي موقعاً مزدوجاً داخل مجلس الأمن القومي بصفته أميناً للمجلس وممثلاً للمرشد.
وبهذا المعنى، يبدو أن مجتبى خامنئي، رغم بقائه بعيداً عن الكاميرات، بدأ يرسل أولى إشارات عهده من خلال الأشخاص الذين يختارهم لإدارة المؤسسات الأكثر حساسية في النظام، لتصبح التعيينات نفسها وسيلة لقراءة الاتجاه الذي يريد أن تسلكه إيران في المرحلة المقبلة.
وإذا كانت إدارة ترامب تراهن على الضغوط الاقتصادية والعسكرية لدفع طهران إلى تنازلات في الملف النووي ومضيق هرمز، فإن تشكيلة القيادة الجديدة توحي، وفق قراءة "وول ستريت جورنال"، بأن إيران تستعد في المقابل لمواجهة طويلة ومفاوضات قاسية، في اختبار سيكشف ما إذا كانت هذه التعيينات مقدمة لتشدد أكبر أم محاولة لتوحيد القرار الإيراني قبل الدخول في تسوية أوسع.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|