إقتصاد

بعد انهيار المصارف… هل تنقذ بورصة بيروت الاقتصاد اللبناني؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في ظل الحديث المستمر عن إعادة هيكلة وتطوير بورصة بيروت وخصخصتها، وتحديث بنيتها ضمن إطار إصلاح أسواق رأس المال، يبرز السؤال التالي: هل تستطيع الأسواق المالية في لبنان أن تحلّ مكان المصارف التي انهارت في 2019؟ وهل يمكنها أن تصبح قناة تمويل بديلة جزئياً عن القروض المصرفية؟

بحسب الخبراء، هذا الأمر غير ممكن، لأن هذه الأسواق تحتاج إلى ثقة ومؤسسات ومستثمرين ومصارف سليمة، لذلك لا يمكن أن تحلّ محل المصارف الآن، بل يجب إصلاح النظام المالي أولاً، ثم تصبح الأسواق المالية مكمّلاً مهماً للمصارف.

إذاً، المشكلة ليست في طموح لبنان إلى بناء سوق مالية قوية، بل في ترتيب الأولويات، لذلك على المسؤولين الذين يطرحون فكرة تنشيط الأسواق المالية أن يعمدوا إلى حل أزمة المصارف والودائع واستعادة الثقة والاستقرار، ثم بناء سوق مالية تستطيع أن تحمل جزءاً من تمويل الاقتصاد.

وللتذكير، منذ أزمة 2019، لم تعد المصارف اللبنانية تقوم بوظيفتها الطبيعية: لا قروض للشركات والأفراد بشكل طبيعي، والودائع عالقة أو مقيدة، والثقة بالمصارف تضررت بشكل كبير، والاقتصاد أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الكاش والدولار النقدي، وبالتالي انقطعت أهم قناة لتمويل الشركات والاستثمار. فإذا كانت المصارف نفسها مفلسة، والودائع لم تُحلّ، والقواعد غير واضحة، فمن الصعب جداً أن نقول للمستثمر: “ضع أموالك في سوق مالية لبنانية”.

قانصو: مسألة تسلسل لا طموح

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور واجب قانصو أن “الأساس النظري لفكرة إعادة تنشيط بورصة بيروت سليم. ففي أي اقتصاد سليم، تتكامل المصارف والأسواق المالية، وتتولّى المصارف السيولة والمدفوعات والإقراض القائم على العلاقة، فيما تتولّى الأسواق تسعير المخاطر وتخصيص رأس المال طويل الأجل، وتمنح المدّخرين بديلاً عن الودائع”، لافتاً إلى أنه “حين تتعطّل القناة المصرفية، يمكن لسوق أعمق أن يمتصّ جزءاً من الطلب على التمويل — أسهماً للشركات العاجزة عن الاقتراض، وسندات للجهات المُصدِرة التي تحتاج إلى تمويل لأجل، وأدوات تمنح المغتربين والمدّخرين المحليين مكاناً منظماً لتوظيف أموالهم بدلاً من اكتنازها أو إبقائها في حسابات “الدولار الطازج””.

في المقابل، يشرح قانصو لـ”ليبانون ديبايت” أن “تعزيز الأسواق ليس مسألة حضّ وتشجيع، بل يتطلّب مجموعة محدّدة ومتسلسلة من الإصلاحات، نوقش معظمها منذ أكثر من عقد وتعثّر تنفيذها. لذلك، فاستكمال خصخصة بورصة بيروت وتحويلها إلى شركة مساهمة أمر نصّ عليه القانون منذ سنوات، وصدر مرسوم بهذا الشأن عام 2017، ومع ذلك لا تزال البورصة خاضعة لسيطرة الدولة وناقصة الرسملة”، جازماً بأن “إنشاء بورصة مخصخصة تُدار باحترافية وتُجهَّز بمنصّة تداول إلكترونية حديثة — وهو التزام تأجّل مراراً — هو الشرط المسبق لكل ما عداه. فمن دون بنية تحتية كفؤة للتداول والمقاصّة والتسوية، لن يتحوّل أي قدر من طلب المستثمرين إلى سيولة”.

يضيف: “يكمن الضعف الجوهري لبورصة بيروت في بنيتها: نحو اثنتي عشرة شركة مدرجة، تستحوذ “سوليدير” وحفنة من المصارف على القسم الأكبر من رسملة سوقية ناهزت 20 مليار دولار مطلع عام 2024، مع غياب شبه تام للمشاركة المؤسسية والأجنبية، وضآلة في أحجام التداول. والسيولة الضعيفة تُغذّي نفسها: فالأحجام الهزيلة تُنفّر المستثمرين، وغياب المستثمرين يُبعد الجهات المُصدِرة. وكسر هذه الحلقة يستلزم توسيع تشكيلة المنتجات (سندات الشركات، والصكوك، وأدوات العقارات والبنى التحتية، والصناديق المدرجة، ثم أدوات السلع لاحقاً)، واستحداث آلية صناعة السوق، وإيجاد حوافز للإدراجات الجديدة”، معتبراً أن “الفجوة الأكبر هي غياب صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديري الأصول الذين تُلزمهم تفويضاتهم الاستثمارية بالاحتفاظ بأوراق مالية لبنانية. إن إصلاح أنظمة التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، وقيام صناعة منظَّمة للاستثمار الجماعي، من شأنهما توليد “رأس المال الصبور” الذي يمنح السوق عمقاً مستقلاً عن المزاج الأجنبي. إنه عمل بنيوي بطيء، لكنه الفارق بين سوق تتفاعل مع كل عنوان إخباري وسوق قادرة على امتصاص الصدمات”.

يوضح قانصو أنه “بعد الأزمة اتّسعت فجوة المصداقية اتّساعاً هائلاً، ولا يردمها إلا أربعة عناصر مجتمعة: أولها تقارير مالية متوافقة مع المعايير الدولية للتقارير المالية (IFRS)، ثانيها شفافية فعلية في تحديد المستفيد الحقيقي، وثالثها مدوّنات متينة لحوكمة الشركات المدرجة، ورابعها إنفاذ رقابي ملموس من جانب هيئة الأسواق المالية. هذه العناصر وحدها ما يحوّل الأصول اللبنانية “الرخيصة” إلى أصول قابلة للاستثمار؛ فالثمن المتدنّي من دون ثقة فخّ قيمة لا فرصة”، شارحاً أن “الاقتصاد الحقيقي في لبنان يقوم على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي فقدت الائتمان المصرفي بالكامل. إن إنشاء سوق نمو خفيفة التنظيم، إلى جانب أطر منظَّمة للطرح الخاص والتمويل الجماعي، يمنح الشركات السليمة قناة رسمية للحصول على تمويل بحقوق الملكية وشبه الملكية — وهي تحديداً الفجوة التي أخلاها القطاع المصرفي”.

ويلفت إلى أن “تحويلات المغتربين هي من أكبر التدفّقات الواردة إلى لبنان، وهي اليوم تصل بوصفها دعماً للاستهلاك ونقداً متداولاً. وبإمكان سوق ذات مصداقية أن تلتقط جزءاً منها كاستثمار — سندات المغتربين، والصناديق المدرجة، والقنوات المالية الرقمية — لكن شرط أن تجعل البيئة التنظيمية والسمعة المستعادة المغترب مستعداً لإعادة توجيه أمواله عبر المؤسسات اللبنانية”.

والسؤال الذي يُطرح هنا: ما هي القيود التي تكبّل انطلاق بورصة بيروت بالزخم الذي نطمح إليه؟

يجيب قانصو: “أدرجت مجموعة العمل المالي (فاتف/FATF) لبنان على لائحة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة — “القائمة الرمادية” — في تشرين الأول 2024، وأُبقي عليها طوال عام 2025. والأشد أثراً على النفاذ إلى الأسواق أن المفوضية الأوروبية نقلت لبنان إلى فئتها الخاصة بـ”الدول الثالثة العالية المخاطر” في مجال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في حزيران 2025. وقد أقرّ لبنان منذ ذلك الحين التشريعات الجوهرية التي تنتظرها فاتف — تعديل نيسان 2025 الذي رفع السرية المصرفية بأثر رجعي لعشر سنوات، وتدابير مصرف لبنان الجديدة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وقانون إصلاح أوضاع المصارف (الذي أنهت لجنة المال والموازنة دراسته) — ويعمل على تحقيق خروج مستهدف من القائمة بحلول نهاية عام 2026. والأهم أن متابعة فاتف باتت ترتكز على الفعالية — أي على نتائج إنفاذ ملموسة وقابلة للقياس — لا على مجرّد وجود القوانين الصحيحة في النصوص”، مشدداً على أنه “بالنسبة إلى أسواق رأس المال تحديداً، يعضّ الإدراج على القائمتين الرمادية والعالية المخاطر في مواضع عدّة، على سبيل المثال لا الحصر: المصارف المراسلة والتسوية، وشهية المستثمرين الأجانب للمخاطر، وكلفة الامتثال على المُصدِرين والوسطاء، وغيرها… والحقيقة غير المريحة هي أن القائمة الرمادية تضرب أهم متّجهات نمو السوق — رأس المال الأجنبي ورأسمال المغتربين — في اللحظة نفسها التي تحتاج فيها السوق إليه أكثر ما يكون. فسوق رأس مال يُراد له أن يعوّض قطاعاً مصرفياً منهاراً لا يمكنه أن يفعل ذلك بسهولة ما دامت إخفاقات السمعة نفسها التي حطّمت القطاع المصرفي تُبقي رأس المال الخارجي بعيداً”.

إذاً، هل تستطيع الأسواق المالية اللبنانية فعلاً أداء هذا الدور؟ يرى قانصو أن “الجواب الصادق متعدّد الطبقات، ويستعصي على النسختين المتفائلة والرافضة معاً. لا، ليس بديلاً، ولا في وقت قريب. فأسواق رأس المال لا تعمل في فراغ؛ فهي تستقر فوق نظام مالي يعمل. فالتسوية والحفظ والمدفوعات، بل الثقة ذاتها التي تدفع المدّخرين إلى التخلّي عن أموالهم، كلها تعتمد على مؤسسات لا يملكها لبنان اليوم في حالة عمل. ولا يمكن بناء سوق أسهم وسندات عميقة فوق نظام مصرفي معسر، وأزمة ودائع غير محلولة، وغياب برنامج مع صندوق النقد الدولي، واقتصاد نقدي. وفكرة أن الأسواق تستطيع ببساطة أن تحلّ محل المصارف في المدى القريب فكرة غير واقعية، ومن الجدير قولها بصراحة”.

يضيف: “نعم، بوصفها مكمّلاً ومحفّزاً — بشروط. ما تستطيع أسواق رأس المال فعله، حتى الآن، هو أن تبدأ بإعادة بناء “سباكة” التمويل الرسمي، وأن تقدّم قنوات ضيّقة عالية النزاهة: بورصة مخصخصة ومرقمنة على النحو السليم، وصناعة صناديق وطرح خاص منظَّمة، وسوق نمو للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأدوات موجَّهة إلى المغتربين. كل عنصر متواضع بمفرده، لكنها مجتمعة تبدأ بإعادة تشييد المؤسسات وثقافة الإفصاح وقاعدة المستثمرين التي سيتطلّبها التعافي في نهاية المطاف. فبإمكان الأسواق أن تكون الحد الطليعي لإصلاح القطاع المالي لا بديلاً عنه”.

ويعتبر أن “المتغيّر الحاسم هو التسلسل، وهو يمر عبر أربعة شروط مسبقة ليست في جوهرها سياسة أسواق رأس مال بالأساس، هي: معالجة فجوة الودائع وإعادة هيكلة المصارف، وإبرام برنامج مع صندوق النقد الدولي يتماشى مع الوضع اللبناني وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلّي، والخروج من القائمة الرمادية عبر تحقيق الفعالية لا مجرّد التشريعات، وإعادة بناء سيادة القانون واستقلالية المؤسسات”.

إذا كان بإمكان الأسواق أداء دور مكمّل — كما تقدّم — فالسؤال الطبيعي هو عن المدى الزمني للعب هذا الدور. وهنا يقول قانصو: “السجل المقارن يقدّم معايرة مفيدة، تبدأ بنقطة منهجية واحدة: الساعة تبدأ عند أول إجراء ذي مصداقية لمعالجة الأزمة، لا عند الأزمة نفسها. فقبرص تعافت بسرعة لأنها حسمت في أسابيع عام 2013 — اقتطاع من الودائع، وبرنامج، ومعالجة مصرفية فورية. أما لبنان فأمضى ست سنوات دون بلوغ تلك النقطة، فلم ينطلق عدّاد تعافيه بعد. والشروط المسبقة الأربعة المبيَّنة أعلاه هي، عملياً، “النقطة الصفر” للبلد؛ ولا يبدأ أي مما يلي قبل تحقّقها”.

يضيف: “ضمن هذا التحفّظ، تتوزّع التجربة الدولية على ثلاثة مستويات، أولها الخروج من القائمة الرمادية. فالدول الملتزمة ذات القدرة المؤسسية العالية تخرج خلال سنتين تقريباً حين تُعالَج الأزمة بحزم، وتعود إلى السوق السيادية بسرعة لافتة. عادت قبرص إلى سوق السندات في حزيران 2014 ورفعت ضوابط رأس المال بالكامل في نيسان 2015، أي خلال سنة إلى سنتين من حسم 2013. وأيرلندا خرجت من برنامج الإنقاذ في نحو خمس سنوات، أما بناء سوق عميقة مدعومة بتدفّقات أجنبية، فهذا مشروع يمتد من سبع إلى خمس عشرة سنة حتى في الاقتصادات المستقرة”.

يرى قانصو أنه “بإسقاط ذلك على لبنان، فإذا بلغ النقطة الصفر خلال سنة إلى سنتين — برنامج مع صندوق النقد، وقانون لتوزيع الخسائر، وخروج من القائمة الرمادية نحو 2027–2028 — فإن سوق رأس مال مكمّلة بحق قابلة للتحقّق خلال ثلاث إلى خمس سنوات من تلك اللحظة، أي عند مطلع العقد المقبل، ودور جوهري على مدى عقد كامل. وإذا استمر تأجيل الشروط المسبقة، انطبق مسار اليونان–أيسلندا: عشر إلى خمس عشرة سنة من لحظة الحسم الفعلي. وما يحرّك الساعة ليس تقنية السوق ولا جاهزية الهيئة، بل الإرادة السياسية لتوزيع الخسائر — وهو تحديداً ما ظل لبنان يؤجّله”.

ويجزم بأن “الأسواق المالية اللبنانية لا تستطيع إنقاذ الاقتصاد، وتصويرها بديلاً عن القطاع المصرفي مبالغة في ما تستطيع أي سوق أوراق مالية أن تفعله. لكنها ليست متفرّجاً كذلك. فإذا أُصلحت على النحو السليم، يمكنها أن تكون الركن الأول العامل في نظام مالي معاد بناؤه — مساحة منظَّمة يستطيع فيها رأس المال المحلي ورأسمال المغتربين العودة إلى التمويل الرسمي، وتستطيع فيها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي هجرها القطاع المصرفي أن تجمع تمويلاً بحقوق الملكية، وتُعاد فيها معايير الإفصاح والحوكمة لسوق حديثة من الأساس”.

ويختم: “القائمة الرمادية هي القيد المُلزِم على أثمن قنوات السوق، ولذلك ينبغي التعامل مع حلّها لا بوصفه واجب امتثال روتينياً، بل بوصفه سياسة لتطوير أسواق رأس المال بحد ذاتها. فمتى صحّ التسلسل، أمكن لأسواق لبنان أن ترتقي من بنية فارغة إلى محرّك حقيقي للتمويل، وإن يكن مكمّلاً؛ ومتى طُلب منها أداء دور المصارف قبل توافر الشروط المسبقة، لم يؤدِّ الجهد إلا إلى إعادة إنتاج إخفاق المصداقية الذي تسبّب بالأزمة أصلاً. إن ترتيب الأولويات، لا حجم الطموح، هو ما سيحسم الأمر”.

باسمة عطوي -ليبانون ديبايت

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا