قاسم والشرع... أيّ موازين كسرت جدار الدم بين الخصمين؟
لا تبدو دعوة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إلى فتح باب اللقاء مع القيادة السورية مؤشراً إلى مصالحة مع دمشق الجديدة. هي أقرب إلى واقعية سياسية فرضتها التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة، بعدما بات تجاهل كل طرف للآخر أكثر كلفة من التواصل معه.
الرئيس السوري أحمد الشرع لم يتراجع عن موقفه من دور حزب الله في الحرب السورية، وتحدث عن "جرح سوري عميق" تركته تلك المرحلة. لكنه أعلن في الوقت نفسه استعداده للجلوس مع الحزب إذا كان الحوار يخدم مصالح سوريا ولبنان، مؤكداً أنه لا يريد تحويل بلاده إلى طرف في حرب داخل لبنان.
من هنا تكتسب استجابة قاسم معناها السياسي. حزب الله يتعامل اليوم مع سوريا مختلفة بالكامل عن تلك التي عرفها خلال حكم بشار الأسد. النظام الذي كان حليفاً للحزب سقط، والطريق السورية التي شكلت لسنوات عمقاً استراتيجياً وممراً أساسياً بين إيران ولبنان لم تعد مضمونة وفق القواعد السابقة.
أما دمشق الجديدة، فتريد فرض سلطة الدولة على الحدود وضبط المعابر ومنع التهريب وإعادة بناء علاقتها مع لبنان من بوابة المؤسسات الرسمية. وهذا المسار يضعها أمام واقع لبناني لا يمكن فصل حزب الله عنه.
بذلك يصبح الحوار أقرب إلى تفاهم على إدارة الخلاف منه إلى تطبيع للعلاقة.
حزب الله لا يستطيع التعامل مع سوريا وكأن تغيير السلطة فيها ألغى أهمية الجغرافيا. ودمشق لا تستطيع ضبط حدودها الغربية وهي تتعامل مع الحزب حصراً باعتباره عدواً. لدى الطرفين ملفات أمنية وحدودية وسياسية تجعل وجود قناة اتصال بينهما شبه إلزامي مهما بقيت الخلافات عميقة.
المعادلة الجديدة تبدو أكثر صعوبة بالنسبة إلى حزب الله. سوريا انتقلت من موقع الحليف إلى موقع الدولة التي تملك حساباتها الخاصة، وقد تتقاطع بعض مصالحها الإقليمية مع جهات تختلف جذرياً مع الحزب. كما تعتمد دمشق سياسة خارجية براغماتية وتسعى إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل، في وقت يرفض فيه حزب الله مسار التفاوض اللبناني معها.
وهنا تظهر مفارقة سياسية يصعب تجاوزها. الحزب الذي يعارض التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل يجد نفسه أمام ضرورة فتح قناة مع قيادة سورية تفاوض إسرائيل انطلاقاً من حسابات الدولة السورية.
هذا لا يعني أن حزب الله بدّل عقيدته أو خياراته، لكنه يعني أن هامش حركته الإقليمي لم يعد كما كان. الحزب بات أمام واقع جديد يفرض عليه التمييز بين موقفه السياسي وحاجته إلى حماية مصالحه ومنع تحول سوريا إلى عنصر ضغط إضافي عليه.
في المقابل، لا تبدو دمشق مهتمة بفتح مواجهة مع حزب الله. الشرع يحتاج إلى تثبيت سلطته ومعالجة أزمات الداخل السوري، ولا مصلحة له في استيراد صراع لبناني جديد إلى بلاده. لذلك يصبح التواصل وسيلة لاحتواء الخلاف ومنعه من التحول إلى جبهة أمنية مفتوحة.
لهذا لا ينبغي قراءة التواصل المحتمل باعتباره مصافحة بين خصمين قررا نسيان الماضي. الصورة أعمق من ذلك. حزب الله الذي دخل سوريا قبل أكثر من عقد للدفاع عن نظام بشار الأسد يجد نفسه اليوم أمام ضرورة التفاهم مع السلطة التي قامت بعد سقوط ذلك النظام. وفي المقابل، تكتشف السلطة السورية الجديدة أن الانتقال من الثورة إلى الدولة يفرض التعامل مع خصوم الأمس عندما تصبح الحدود والأمن والمصالح جزءاً من الحسابات.
التواصل إذا حصل لن ينهي العداء، لكنه سيكرس واقعاً جديداً. حزب الله لم يعد يتعامل مع سوريا التي عرفها، ودمشق الجديدة لا تستطيع التعامل مع لبنان من دون احتساب وجود الحزب وتأثيره.
إنه حوار ضرورة أكثر منه حوار مصالحة. وحين تتبدل الموازين، لا يعود السؤال من انتصر في الماضي، بل كيف يحمي كل طرف موقعه في الحاضر.
وليد خوري-ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|