الصحافة

من أثينا إلى بيروت... هل يمكن أن تتحوّل هجرة الأدمغة إلى عودة للكفاءات؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تكن اليونان قبل عقد من الزمن نموذجاً للنجاح الاقتصادي. فقد عاشت واحدة من أسوأ الأزمات المالية في أوروبا، وانكمش اقتصادها بشكل غير مسبوق، وارتفعت البطالة إلى مستويات قياسية، فيما اضطر مئات آلاف الشباب، ومعظمهم من أصحاب الكفاءات، إلى مغادرة البلاد بحثاً عن مستقبل أفضل.

في تلك المرحلة، بدا أن اليونان تخسر أهم رأسمال تملكه: الإنسان. فقد غادر الأطباء والمهندسون والباحثون ورواد الأعمال، تاركين وراءهم اقتصاداً يعاني من الركود ودولة تبحث عن مخرج من أزمتها.

لكن بعد سنوات من الإصلاحات، بدأت الصورة تتغير. ففي تقرير نشرته صحيفة Le Figaro الفرنسية بعنوان "في اليونان، أدى إنشاء حلقة اقتصادية إيجابية إلى وقف هجرة الأدمغة"، تشير الصحيفة إلى أن البلاد نجحت في كسر الحلقة المفرغة التي كانت تدفع الشباب إلى المغادرة، واستبدلتها بحلقة اقتصادية إيجابية قوامها الاستثمار والنمو والثقة.

فكل استثمار جديد خلق فرص عمل، وكل فرصة عمل عززت الثقة بالاقتصاد، وكل زيادة في الثقة جذبت استثمارات إضافية. ومع تحسن سوق العمل وارتفاع الطلب على أصحاب الاختصاص، بدأت الكفاءات اليونانية التي بنت خبراتها في الخارج تنظر مجدداً إلى وطنها كخيار مهني وحياتي.

ولم يكن ذلك نتيجة حملة دعائية أو نداءات عاطفية للعودة، بل ثمرة سياسات اقتصادية واضحة: تحسين مناخ الاستثمار، تبسيط الإجراءات، استقطاب الشركات العالمية، تقديم حوافز ضريبية للعائدين، والاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

الدرس الذي يهم لبنان
قد تبدو التجربة اليونانية بعيدة عن الواقع اللبناني، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن وقف نزيف الكفاءات من دون معالجة الأسباب التي تدفعها إلى الرحيل؟

منذ عام 2019، يشهد لبنان واحدة من أكبر موجات هجرة الكفاءات في تاريخه الحديث. آلاف الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين والمبرمجين ورواد الأعمال غادروا البلاد، ليس لأنهم أرادوا العيش في الخارج، بل لأنهم فقدوا الثقة بإمكانية بناء مستقبل مستقر داخل وطنهم.

وفي كل مرة يُطرح ملف الهجرة، يتركز النقاش على أعداد المغادرين، فيما يغيب السؤال الأهم: كيف يمكن خلق الظروف التي تجعل العودة خياراً منطقياً؟

التجربة اليونانية تقدم جواباً عملياً. فالكفاءات لا تعود بسبب الحنين وحده، ولا لأن الدولة تطلب منها ذلك، بل عندما تجد اقتصاداً ينمو، ومؤسسات تعمل، واستثمارات تخلق وظائف، وقضاءً يوفر الحماية، وإدارة تمنح الثقة، ودولة تضمن الاستقرار وتكافؤ الفرص.

فالاستثمار لا يخلق فرص العمل فقط، بل يعيد بناء الثقة. والثقة بدورها تشجع المزيد من الاستثمار، فتتشكل دورة اقتصادية متكاملة تستفيد منها الدولة والمجتمع معاً. وعندها تصبح الهجرة خياراً فردياً، لا قدراً جماعياً.

الاستثمار في الإنسان قبل كل شيء
لطالما اعتُبر اللبنانيون ثروة بلادهم الأساسية. فقد نجحوا في تأسيس شركات وإدارة مستشفيات وجامعات ومراكز أبحاث في مختلف أنحاء العالم، مثبتين أن المشكلة لم تكن يوماً في الكفاءة، بل في البيئة التي تسمح لهذه الكفاءة بالإنتاج والإبداع.

من هنا، لا ينبغي النظر إلى ملف هجرة الأدمغة باعتباره قضية ديموغرافية أو اجتماعية فحسب، بل باعتباره مؤشراً على صحة الاقتصاد والدولة. فحين يشعر أصحاب الكفاءات بأن وطنهم يمنحهم فرصاً حقيقية للنمو والنجاح، يصبح قرار البقاء أو العودة قراراً طبيعياً.

ربما لا يمكن استنساخ التجربة اليونانية بحذافيرها، فلكل بلد ظروفه وتعقيداته. لكن الرسالة الأساسية تبقى واحدة: استعادة العقول تبدأ باستعادة الثقة، والثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالإصلاح، وسيادة القانون، والاستقرار، واقتصاد قادر على خلق الفرص.

مقتبس من "لو فيغارو" بمساعدة الذكاء الاصطناعي

المصدر: Le Figaro

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا