هل تَحَوُّل حزب الله "الحلقة الأضعف" يقوّي احتمالات بقائه خارج أي حرب جديدة؟
المناطق التجريبية تحت نيران الاعتراض.. لماذا يرفضها الحزب ولا يقتنع بها الجميّل؟
لم يكن ينقص الاعتراض على المناطق التجريبية في جنوب لبنان واعتبار «اتفاق الإطار» بأنه وُلد ميتاً سوى التفجير الضخم في محيط قلعة الشقيف الذي استهدف بحسب مزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس «بنية تحتية شكّلت عنصراً أساسياً في خطة حزب الله لاقتحام الجليل».
فمنذ الإعلان عن تجربة «المناطق النموذجية» وانسحاب الجيش الإسرائيلي من بلدة زوطر الغربية وانتشار الجيش اللبناني فيها، بقيت اعتراضات «حزب الله» على حالها، وواصل نواب «الحزب» انتقاد زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مسارعين إلى إعلان فشلها قبل أن تظهر نتائجها، وإلى وصف الزيارة بأنها انتهت «خالية الوفاض»، متجاهلين الواقع على الأرض بحيث يعتقد مسؤولو «الحزب» أنهم يتحدثون من موقع المنتصر ويمنحون أنفسهم حق محاسبة رئيس الجمهورية والدولة على حرب لم يتخذوا هُم قرارها، فيما يحاول «حزب الله» إعفاء نفسه من أي مسؤولية عن الأسباب التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه، وعما هو مطلوب منه في عملية حصرية السلاح والتعاون مع الجيش اللبناني لإنجاح المناطق التجريبية وتسريع الانسحاب الإسرائيلي. وإذا كانت لدى «حزب الله» مشكلة مع المناطق التجريبية، فهذه المشكلة تسري أيضاً على الفريق السيادي. ويقول رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل في لقاء بحضور «القدس العربي»: «إن مشكلتنا مختلفة عن فريق الممانعة، مشكلتنا أن المناطق التجريبية غير كافية»، سائلاً «هل المناطق التي لا يوجد فيها احتلال إسرائيلي لا يدخل إليها الجيش اللبناني؟ وإذا دخل الجيش إلى المنطقة الصفراء وبقي حزب الله في باقي المناطق ماذا نكون حققنا؟»، ومع دعم حزب الكتائب «اتفاق الإطار» والوفد اللبناني المفاوض في اجتماعات روما، ورئيسي الجمهورية والحكومة في مواجهة محاولات «حزب الله» تطويق السلطة التنفيذية، إلا أن الجميل يعتبر «أن اتفاق الإطار لا آلية تنفيذية له في ما يتعلق ببقية المناطق التي تم فيها حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله».
من هنا يشدد رئيس الكتائب على «ضرورة تطبيق قرارات الحكومة الصادرة في 5 و 7 آب/أغسطس، وهذه القرارات تتعلق بنزع السلاح ولا علاقة لها بأي ملف آخر»، مؤكداً أن «لا ملف يعلو على ملف حصر السلاح، فهذه هي المعركة الأولى وبعدها ننصرف إلى معركة إدارة البلد، ونحن في غنى عن أي شيء يقسّم الجبهة السيادية من كل الطوائف في وجه وضع اليد الإيرانية على لبنان ومصيره».
ويضيف «لا طموح لدينا ولدى أحد بأن يبقى لبنان في حالة حرب دائمة، لدينا جبهة مفتوحة مع إسرائيل استغلتها إيران وعندما تُقفَل هذه الجبهة سيُسمَح لنا ببناء دولة قوية، ولا علاج اقتصادياً في لبنان بوجود ميليشيات، والاستقرار المصطنع لا يبني اقتصاداً»، مبدياً اعتقاده «أن لا قرار مستقلاً لحزب الله ولا هامش لديه لمناقشة مصير سلاحه بمعزل عن إيران، فهو خُلِق ليكون ذراعاً أمنياً على حدود إسرائيل، وإيران لن تتخلى عن مواقعها ما يعني أن حزب الله سيقاتل عن سلاحه حتى الرمق الأخير».
إنطلاقاً من كلام النائب سامي الجميل، يدافع البعض عن التحركات مع الإدارة الأمريكية ويتساءل كيف يمكن تحميل الدولة مسؤولية أن الولايات المتحدة لم تقدم شيئًا بعد للرئيس عون، من دون أي إشارة إلى الوقائع التي أدت إلى دخول إسرائيل إلى لبنان؟ فاللقاء بين الرئيسين عون وترامب أكد استمرار الانخراط الأمريكي في دعم لبنان والجيش اللبناني، ومن غير الجائز محاكمة المبادرات قبل اختبارها والتشويش على أي لقاء أو إنجاز لأنه لا ينسجم مع المشاريع السياسية والعسكرية لفريق ما كونه يعزز فرصة حضور الدولة.
ويرى هذا البعض أن فكرة المناطق التجريبية ليست تنازلاً كما يحاول البعض تصويرها، بل هي مقاربة عملية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية، عبر جيشها ومؤسساتها الشرعية على بسط سلطتها تدريجياً على الأرض، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي واستعادة المواطنين لحياتهم الطبيعية خصوصاً بعد التجربة غير العملية في جنوب نهر الليطاني. وإذا نجحت هذه التجربة، فإنها قد تشكل نموذجاً قابلاً للتوسع في المفاوضات المرتقبة في روما بعد يومين بدلاً من البقاء في دوامة الجمود. مع التنبيه بأن «حزب الله» يرفض التجربة من حيث المبدأ، لا لأنه يملك بديلاً واقعياً، بل لأن نجاحها سيكرس حقيقة طالما أنكرها: أن اللبنانيين دفعوا أثماناً باهظة نتيجة رهاناته التي قامت على منطق قوة الردع من دون إعطاء الدولة فرصة لإثبات قدرتها كمرجعية في الأمن والدفاع. وإذا كانت خطوة المناطق التجريبية ستنجح في إعادة جزء من الجنوب إلى كنف الدولة، وإذا كانت الدبلوماسية الرئاسية تفتح أبواب الدعم للبنان ومؤسساته، فإن الواجب الوطني يقتضي تشجيع هذه المسارات وتقويمها بموضوعية، لا نسفها مسبقاً.
يأتي هذا السجال في لحظة أمنية شديدة الحساسية ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة ككل مع استهداف إيران وأذرعها أكثر من دولة عربية. وبعد العملية التي استهدفت آلية هندسية إسرائيلية في منطقة علي الطاهر، والتي نسبت إسرائيل مسؤوليتها إلى «حزب الله»، وقيام إسرائيل بتفجير ضخم في محيط قلعة الشقيف، تزيد المخاوف من احتمالات تصعيد جديد يعيد الجنوب إلى دائرة النار، ويقوّض كل الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة لتثبيت الاستقرار.
يبقى أن أحداً لا يقبل التسليم بالشروط الإسرائيلية، ولا التخلي عن الحقوق الوطنية، بل المطلوب حماية لبنان من الانزلاق مجدداً إلى حرب لا يريدها شعبه، ولا يحتملها اقتصاده، ولا يملك ترف خوضها. ومن هنا تبدو محاولات التقليل من أهمية أي انفتاح عربي أو دولي أو أي تجربة تعزز حضور الدولة وكأنها رهان على استمرار المأزق، لا على الخروج منه.
سعد الياس - القدس العربي
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|