المونة تتلوى على نار الأسعار... هل تُصبح ترفًا في بيوت اللبنانيين؟
تتغير الظروف والسياسات، ويتغير الناس ومشاغلهم، لكن تبقى بعض العادات راسخة، تمد جذورها عميقًا في الأرض والوجدان، لتستقي أصالة وحبًا وتعلقًا بالوطن والهوية. المونة اللبنانية أكثر من مجرد أصناف تختزنها المطابخ، هي صك أمان أيام الأزمات، ومدعاة فخر أيام الخير والبحبوحة، وخوابي التراث والأصالة في كل الأزمنة. المونة ذاكرة الوطن الجماعية، وصلة الرحم التي لا تنقطع مع الماضي، مهما تطور الزمن وتبدلت أساليب العيش أو قست الظروف المادية والمعيشية.
موسم المونة هذا العام يأتي مثقلا بأعباء اقتصادية وظروف حياتية ضاغطة. قرى هُجّرت، وناس تركوا أرضهم وبيوتهم ومحاصيلهم، وغلاء استشرى ووصل إلى كل مكونات المونة. ربات البيوت، كما الجمعيات النسائية والتعاونيات الزراعية، كلها تشكو. ضغط الغلاء يفرض خيارات قاسية، ومعاناة القرى تبدّل الأولويات. مونة السنة، التي يُحضّر معظمها في الصيف، لا يبدو أنها ستتربع سعيدة على الرفوف وفي الخوابي، كما في خبايا الخزائن و"التتخيتات"... المربى والمكدوس والكشك وماء الزهر ورب البندورة تطلّ بخجل، مرفقة بصرخة تعكس حجم الأزمة التي تسللت إلى صلب العادات والتقاليد، وطالت المونة وصنّاعها.
ضِيَع تئنّ
في مثل هذه الأيام من كل صيف، تنهمك النساء في تحضير أصناف المونة اللبنانية على اختلافها. فاطمة اعتادت، في كل سنة، مع عائلتها، أن تعدّ أكثر من 200 كغ من دبس الرمان، تغليها على النار لساعات، وتصرف أكثر من 5 قوارير غاز، ليتحول عصير الرمان إلى دبس معقود. اليوم، كل شيء تبدل. موسم الرمان في القرى الجنوبية لم يجد من يقطفه، ومعظمه تساقط على الأرض أو احترقت أشجاره، والغاز شهد علوًا وهبوطًا وتذبذبًا في أسعاره. فاطمة وعائلتها، الذين تهجروا من قريتهم ولجؤوا إلى مدرسة في صيدا أولا، ثم في بيروت، ما عادوا يفكرون في دبس الرمان، بل يبحثون عن سقف يأويهم ويتحسرون على الضيعة وبساتينها. وتطرح فاطمة بعض الأرقام التي استوحتها من محيطها قائلة: 20% فقط ممن كانوا يعملون في تحضير المونة يقومون بذلك هذا العام، فيما الباقون يشعرون بأنهم غير قادرين، لا ماديًا ولا معنويًا، أو حتى عمليًا، على العودة إلى هذا التقليد. فالمونة تحتاج أولا إلى رأس مال، ومن ثم إلى صبر وتعب، والأهم أن تبقى القرى لنستطيع الوصول إليها وقطف محاصيلنا.
ما أصاب الرمان أصاب كذلك زهر الليمون والورد الجوري، المستخدمين لتقطير ماء الزهر وماء الورد. كميات كبيرة من زهر ليمون البوصفير تُركت على أمهاتها ولم تُقطف، أو هرّت على الأرض في صور والزهراني وبعض مناطق بنت جبيل ومرجعيون. وما تبقى منها كان من الصعب إيجاد العمال لقطفه. ومن تجرأ على القيام بعملية القطاف، وفق ما يقول أحد أصحاب البساتين في مرجعيون، رفع أجره اليومي من 10 إلى 15 أو 18 دولارًا. وفي قصرنبا البقاعية، لم يوفر القصف تلك الوردات الجورية الرقيقة، فجاء المحصول ضعيفًا وموسم ماء الورد قليلا. وما زاد الطين بلة ليس قلة المحصول فحسب في بعض المناطق، بل ارتفاع سعر القناني الزجاجية، الذي وصل إلى 30,000 ليرة لكل قنينة، بعد أن ارتفعت كلفة تصنيعها في المصانع المحلية التي تستخدم الأفران الحرارية، بسبب ارتفاع كلفة الكهرباء.
صمود في زمن الغلاء
ديانا شبل، صاحبة متجر صغير لبيع المونة في دير القمر، تؤكد أن كلفة التغليف ارتفعت بشكل كبير، بدءًا بالكرتون، مرورًا بالبلاستيك والزجاج، وصولا إلى الورق وأكياس النايلون والربطات. فهذه كلها ارتفعت أسعارها مع ارتفاع أسعار النفط، بحيث اضطر مصنعو المونة الصغار، كما الكبار، إلى رفع أسعار منتجاتهم، حتى قبل احتساب كلفة الأصناف بحد ذاتها. صحيح أن ذلك لم يشكل عبئًا ملموسًا على ربات البيوت، لكن لا يمكن أن ننسى، كما تقول إحداهن، سعر الصابون ومواد التنظيف وأكياس النفايات التي نحتاجها بعد تحضير المونة، وقد ارتفعت أسعارها كلها بشكل كبير. بعض المواد لا يزال سعرها على حاله، كما تقول شبل، مثل السكر أو الخل والسمسم، لكن مواد أخرى شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، ومنها لبن البقر الذي يستخدم لصناعة الكشك، أو لبن الماعز. فقد ارتفع سعر ليتر اللبن بحدود 30 إلى 50% بين العامين 2025 و2026، وذلك بسبب ارتفاع كلفة إنتاج الحليب نتيجة غلاء الأعلاف والمازوت والأدوية البيطرية والنقل. وقد حددت وزارة الزراعة سعرًا توجيهيًا لشراء حليب الأبقار بنحو 0.70 العام الماضي، فيما ارتفع هذا العام إلى 0.74، وقد انعكس ذلك على سعر كيلو الكشك الذي وصل إلى 35 أو 40 دولارًا. وكذلك ارتفع سعر كيلو اللبنة "المكعزلة"، إذ إن "غالون" لبن سعة 5 كيلو لا ينتج أكثر من مرطبان ونصف من اللبنة "المكعزلة"، ومع احتساب كلفة زيت الزيتون وسعر المرطبان الزجاجي، تصبح اللبنة المكعزلة، التي كانت أكلة القرويين الفقراء سابقًا، صنفًا "ديلوكس" قلّ من يستطيع أن يتموّن كميات منه، لا سيما أن سعرها يزداد متى غُلّفت بالزعتر أو السماق والأعشاب.
وكما اللبنة، كذلك المكدوس صار صنفًا فاخرًا، ومع ارتفاع سعر الجوز وزيت الزيتون، صار بعض مصنعي المونة، وعلى خلاف العادات المتبعة، يفضلون بيع المكدوس بلا زيت! يملأون المرطبان الزجاجي حتى التخمة، ويقفلونه جيدًا للحفاظ عليه، فيبيعونه بسعر أقل، تاركين للشاري أن يضع فيه ما يعجبه من أنواع الزيت. وتقول إحدى السيدات التي تصنع هذا النوع من المكدوس إنه أوفر وألذ، ويدوم لفترة أطول، ولا يتبدل طعمه مع الأيام. ومع احتساب ارتفاع سعر الجوز والثوم وحتى الباذنجان الأبيض، بات سعر مرطبان المكدوس، سعة نصف كيلو، يتراوح ما بين 15 و18 دولارًا كحد أقصى. أما بالنسبة إلى المربيات والمخللات والشراب، فلا شك في أنها تشهد بدورها ارتفاعًا في الأسعار، نظرًا إلى ارتفاع أسعار الفاكهة والخضار. وتشير بيانات وزارة الاقتصاد إلى أن أسعار الخضار الطازجة ارتفعت بنسبة تراوحت بين 17% و30% بين العام الماضي وهذا العام، فيما ارتفعت أسعار الفاكهة بين 27% و35%، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على كلفة إعداد المونة المنزلية. ويعود ارتفاع أسعار الخضار والفاكهة إلى ارتفاع كلفة إنتاجها، بسبب كلفة الري والمازوت والنقل والبذور والمبيدات وغيرها... وتقول نهاد، وهي سيدة زحلاوية، إنها تكتفي بإعداد مونة مما تنبته أرضها من أصناف، مثل الخوخ والكرز والمقتي، ولا تلجأ مطلقًا إلى شراء الخضار والفاكهة من السوق، لأن الكلفة حينها تصبح مرتفعة جدًا، ومن الأفضل عندها "شرايته ولا تربايته"...
من تقليد بيتي إلى حرفة مزدهرة
الزيت والزيتون، وإن لم يبدأ موسمهما بعد، إلا أن القادم من الأيام ينذر بارتفاع الأسعار. فموسم الزيتون في الجنوب تراجع محصوله بشكل كبير، ما جعل الطلب على زيتون المناطق الأخرى يرتفع. أما بالنسبة إلى الزيت، فغلاء التنكة يتوقف على أجرة المكبس واليد العاملة وسعر غالونات البلاستيك، رغم كون الموسم جيدًا هذا العام، كما يقول المزارعون، والأشجار ملأى بالثمار. ويُرجّح أن السعر، الذي كان العام الماضي يتراوح ما بين 180 و200، قد لا يتخطى ذلك بكثير، نتيجة غنى الموسم.
زعتر، زهورات، تين مجفف، كبيس، شراب، كومبوت، رب الحر، رب البندورة، بندورة مجففة، ورق عنب، جبنة بلدية، ملوخية يابسة، فريك، كشك... وأصناف كثيرة غيرها تشكل نواة المونة اللبنانية، التي تزداد أصنافها تنوعًا سنة بعد سنة، لتتحول من تقليد بيتي إلى صناعة محلية تلقى إقبالًا كبيرًا وتعكس تعلق اللبناني بأرضه ومنتجاتها. فبعد أن كانت كل سيدة تحضّر مؤونة بيتها بيدها من منتجات الضيعة والأرض، فرض نمط الحياة السريع على ربات البيوت العاملات الابتعاد عن هذا التقليد المتوارث جيلا بعد جيل، لكن ذلك لم يلغ علاقتهن بالمونة وأصنافها التي انتقلت من مطبخ البيت إلى المختصين، فأصبحت حرفة رائجة في زمن بدأت فيه الحرف القديمة تتلاشى. شابات وسيدات احترفن صناعة المونة، وارتقين بها من تراث قديم إلى حرفة يدوية راقية وصناعة تعتمد على العلم، وما مئات الأسماء التي تطالعنا على وسائل التواصل الاجتماعي إلا مثال على المستوى الذي بلغته صناعة المونة اللبنانية، لا سيما في الأرياف ومناطق الأطراف، وعلى تحولها من عمل بيتي إلى مصدر لتمكين النساء من كسب لقمة عيشهن.
شغل بيت؟
لكن، رغم الإقبال على شراء أصناف المونة من قبل اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، إلا أن ثمة شكوى محقة، وهي غلاء أسعار المنتجات، وكأن عبارة "شغل بيت" تتيح رفع الأسعار من دون حسيب أو رقيب، ومن دون وضع معايير واضحة للمونة البلدية أو المنتجات الـ"bio"، كما هي الحال في معظم الدول. وتبدو المعارض القروية ومعارض المونة خير دليل على هذا الغلاء أو الغش في بعض الأحيان، إذ يصل سعر مرطبان العسل إلى 40 دولارًا، ومرطبان مربى المشمش إلى 8 دولارات، فيما يجهل الشاري إن كان العسل أصليًا، أو إذا كان المربى مصنوعًا من أجود الفاكهة...
لكن، رغم قساوة الظروف، تبقى المونة رسالة وفاء للأرض التي أعطتنا الكثير، وتراثًا يستحق أن نحافظ عليه ونحميه.
نداء الوطن - زيزي إسطفان
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|