محليات

عاملة تنظيفات تهزّ عدلية بعبدا… مفاتيح مكاتب القضاة وشبكة سمسرة لإخلاء الموقوفين

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

“ليبانون ديبايت”

 

لم تبدأ واحدة من أخطر قضايا السمسرة القضائية داخل قصر عدل بعبدا بشكوى تقدم بها مواطن تعرض للاحتيال، بل من هاتف موقوف بجرم مخدرات. محادثات عُثر عليها داخل الهاتف قادت المحققين إلى شبكة من العلاقات والتحويلات المالية والوثائق القضائية، كانت تدور داخل العدلية وفي محيطها، تحت عناوين “المساعدة” و”تقديم الطلبات” و”متابعة الملفات”، وصولاً إلى الإيحاء بالقدرة على تأمين إخلاءات سبيل لموقوفين.

 

وفي قرار ظني صدر بتاريخ 21 تموز 2026، ظنت قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر بعاملة التنظيفات في قصر عدل بعبدا غ. م. وعدد من الأشخاص، بجرائم صرف النفوذ والاحتيال وانتحال الصفات وممارسة أعمال تدخل ضمن المهن المنظمة قانوناً والسمسرة غير المشروعة ونشر وثائق قضائية سرية. في المقابل، قررت منع المحاكمة عن جميع المدعى عليهم بجرم تبييض الأموال، لعدم توافر عناصره القانونية، وأحالت من تقرر الظن بهم إلى القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا لمحاكمتهم.

 

وبحسب وقائع القرار، بدأت خيوط الملف خلال تحقيق مكتب مكافحة المخدرات المركزي مع خ. م.، بعدما أظهر الكشف على هاتفه وجود محادثات مع غ. م. تتعلق بملف والده الموقوف بجرم مخدرات، وطلبات للحصول على معلومات ومستندات قضائية. وأظهرت التحقيقات أن غ. م.، التي تعمل منذ سنوات طويلة داخل قصر العدل، استغلت وجودها في المكان ومعرفتها بالموظفين والمراجعين للإيحاء بقدرتها على متابعة الملفات وتأمين الوثائق والمعلومات وتقديم الطلبات والحصول على أذونات لمواجهة الموقوفين.

 

ووفق القرار، كانت غ. م. تتقاضى مبالغ مالية مقابل تقديم شكاوى فقدان مستندات، ومتابعة طلبات إخلاء السبيل، والحصول على أذونات لمقابلة السجناء، وتصوير قرارات ظنية ووثائق قضائية وتسليمها إلى أصحاب العلاقة. كما أظهرت التحقيقات أنها كانت تنزع الطوابع المالية عن بعض المستندات المقدمة إلى المحاكم لإعادة استخدامها على معاملات أخرى.

 

وكشف التدقيق في هاتفها عن رسائل صوتية ومحادثات تتناول دعاوى وملفات عالقة أمام المحاكم، إضافة إلى صور أحكام وقرارات قضائية وإيصالات رسوم وطلبات إخلاء سبيل ومستندات مرتبطة بتحقيقات جزائية. واعتبر القرار أن هذه الوقائع تجاوزت حدود “المساعدة الإنسانية” أو تقاضي “الإكراميات”، كما حاولت غ. م. تصويرها في إفادتها، وشكلت نشاطاً متكرراً قائماً على طلب الأموال والإيحاء بالقدرة على التأثير في مسار القضاء وإنجاز المعاملات.

 

ومن أبرز الوقائع التي أوردها القرار، إفادة س. ا. بأن شقيقه الموقوف في سجن رومية طلب منه التواصل مع غ. م. للسعي إلى إخلاء سبيله، وأنها أبلغته بقدرتها على تأمين ذلك مقابل 150 دولاراً أميركياً. كما أفاد ح. ق. بأنه استفسر منها عن إمكان تأمين إخلاء سبيل الموقوف م. ن. فأجابته بأن الأمر ممكن، فيما قال ع. د. إنها تمكنت من الحصول له على إذن لمواجهة السجين ع. ش.

 

وورد في التحقيق أن م. ع. حصلت على رقم غ. م. من شقيقها الموقوف لدى الشرطة العسكرية، بعدما شاع بين السجناء أنها قادرة على تأمين الموافقة على طلبات إخلاء السبيل. وبحسب إفادتها، تقاضت منها غ. م. مبلغ 50 دولاراً مقابل تقديم طلب إخلاء سبيل لشقيقها. كما أفادت ر. ص. بأن شقيقها الموقوف في سجن رومية طلب منها إرسال مبلغ مالي إلى غ. م. لتتولى تقديم طلب لإخلاء سبيله، بعدما علم من سجناء آخرين أنها تنجز معاملات داخل عدلية بعبدا.

 

بدورها، قالت ر. ا. إنها حولت إلى غ. م. مبلغ 50 دولاراً عبر تطبيق “ويش موني”، بعدما أبلغتها بقدرتها على متابعة طلب إخلاء سبيل للموقوف م. ز.

 

لكن أخطر ما ورد في الملف ظهر بعد توقيف غ. م.، إذ تبين، وفق القرار، أنها نظمت رسالة بواسطة إحدى السجينات وأرسلتها إلى ابنها ح. س.، طالبة منه إخفاء المستندات الموجودة في منزلها. وبناءً على إشارة القضاء، جرى تفتيش المنزل، حيث ضُبطت 3 دفاتر لأذونات المواجهة، ونموذج طلب كف بحث عن لوحة سيارة، ودفتر مدونة فيه أرقام دعاوى قضائية.

 

ولم تقف المفاجآت عند هذا الحد. فقد أفادت ز. ه.، التي تعمل لدى مركز نقابة المحامين داخل قصر عدل بعبدا، بأن غ. م. كانت تحتفظ بمفاتيح عدد من مكاتب القضاة داخل القصر. وقالت إنها تسلمت هذه المفاتيح بعد توقيف غ. م. قبل أن تسلمها بدورها إلى قلم النيابة العامة.

 

وخلص القرار إلى الظن بز. ه. بجرمي التدخل في صرف النفوذ والاحتيال، بعدما اعتبر أنها قدمت المساعدة لغ. م. لتسهيل تنفيذ بعض الأفعال وإخفاء معالمها.

 

ولم تقتصر القضية على العاملتين، بل امتدت إلى عدد من الأشخاص الذين كانوا يترددون إلى قصر العدل أو يعملون في محيطه في تخليص المعاملات وكتابة الشكاوى وطباعة المستندات.

 

فقد أفاد ا. ا. بأنه كان يتواجد أمام قصر العدل ويساعد المواطنين في بعض الأمور الإجرائية مقابل ما وصفه بـ”الإكرامية”. كما قال ط. ا. إنه يعمل مخلص معاملات لدى الدوائر العقارية، وينظم شكاوى فقدان مستندات مقابل بدل مالي، وإن غ. م. كانت تساعده في تقديمها مقابل مبالغ تراوحت بين 200 ألف و300 ألف ليرة عن كل شكوى.

 

أما ح. ط.، الذي يعمل في مرآب مقابل قصر العدل، فأفاد بأن بعض المحامين كانوا يطلبون منه تأمين صور عن مستندات من مديرية الأمن العام مقابل إكرامية، وأنه كان يرشد المواطنين إلى كشك قريب لتنظيم طلبات فقدان المستندات.

 

وقال ه. ك. إنه كان ينظم شكاوى فقدان المستندات، وإن غ. م. كانت تتولى التواصل مع أصحاب العلاقة والاتفاق معهم على الأتعاب، وتحضر إليه بصورة شبه يومية شخصين أو 3 أشخاص لتنظيم شكاوى لهم.

 

واعتبر القرار أن ا. ا. وط. ا. وح. ط. وه. ك. وج. ق. تدخلوا في أفعال ترمي إلى تقاضي الأموال من المواطنين، والإيحاء بالقدرة على التأثير في القضاء، وممارسة السمسرة وانتحال صفات كاذبة والاستيلاء على الأموال بواسطة المناورات الاحتيالية. وقررت القاضية الأسمر الظن بهم بجرائم صرف النفوذ وانتحال الصفات والاحتيال، معطوفة على مادة التدخل، فيما منعت المحاكمة عنهم بجرم نشر الوثائق القضائية لعدم كفاية الدليل على مساهمتهم فيه.

 

وشمل القرار مجموعة أخرى من الأشخاص الذين دفعوا مبالغ إلى غ. م. أو استعانوا بها لتقديم الطلبات ومتابعة ملفات الموقوفين. واعتبر أن ل. ك. وم. ع. ور. ص. وج. ا. ون. ا. ور. ا. وع. ا. وح. ب. قدموا إليها مساعدة سهّلت ارتكاب جرمي صرف النفوذ والاحتيال، مع علمهم بطبيعة الأعمال التي كانت تقوم بها، فقرر الظن بهم بالتدخل في هذين الجرمين.

 

أما خ. م.، فخلص القرار إلى الظن به بالتدخل في جرم صرف النفوذ من خلال استعانته بغ. م. لإنجاز معاملات قضائية مقابل بدل مالي، فيما مُنعت المحاكمة عنه في جرائم نشر الوثائق وانتحال الصفات والاحتيال لعدم كفاية الدليل.

 

وعلى الرغم من وجود تحويلات مالية جرت بواسطة حسابات وتطبيقات إلكترونية، خالف القرار مطالعة النيابة العامة لناحية جرم تبييض الأموال. واعتبر أن مجرد تلقي الأموال أو تحويلها إلكترونياً لا يكفي لإثبات هذا الجرم، ما لم يثبت وجود عمليات تهدف إلى إخفاء المصدر غير المشروع للأموال أو تمويه حقيقتها أو منحها مظهراً مشروعاً.

 

وأشار القرار إلى ضآلة المبالغ وعدم وجود عمليات مالية معقدة أو أساليب تهدف إلى قطع الصلة بين المال ومصدره، ليقرر منع المحاكمة عن جميع المدعى عليهم بجرم تبييض الأموال لعدم توافر أركانه القانونية.

 

وبذلك، أُحيلت غ. م. وسائر المدعى عليهم الذين تقرر الظن بهم إلى القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا لمحاكمتهم بالجنح المسندة إليهم، مع تضمينهم الرسوم والنفقات، في ملف فتح الباب أمام أسئلة خطيرة حول مستوى الرقابة داخل قصر عدل بعبدا، وكيف أمكن لعاملة تنظيفات أن تحتفظ بمفاتيح مكاتب قضاة، وتصل إلى وثائق وقرارات وطلبات قضائية، وتبني حولها شبكة كاملة عاشت على بيع الوهم للموقوفين وذويهم من داخل العدلية نفسها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا