هل يشكّل اقتراح بري "اعتماد القضاء" بداية دخول الاتفاق التنفيذ التدريجي؟
أعاد اقتراح رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من قضاء كامل، بدلاً من مجموعة بلدات أو ما يعرف بـ"المناطق التجريبية"، فتح النقاش حول مسار الاتفاق الإطاري الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل. إلا أن السؤال الحقيقي لم يعد عن شكل المنطقة التي يبدأ منها التنفيذ، بل عما إذا كانت المفاوضات دخلت فعلاً مرحلة تطبيق الاتفاق، أو أنها لا تزال تدور في الحلقة نفسها التي أعقبت تفاهم وقف النار في تشرين الثاني 2024
للوهلة الأولى، قد يبدو أن استعداد "حزب الله" للتعاون في كل ما يتعلق بجنوب الليطاني يشكل تحولاً سياسياً لافتاً، لكن التدقيق في مسار المفاوضات يظهر أن الحزب لم يرفض، من حيث المبدأ، الترتيبات الخاصة بهذه المنطقة. ففي تفاهم تشرين 2024، وافق على تطبيق الآلية التي تقضي بتولي الجيش اللبناني بالتنسيق مع "اليونيفيل"، مسؤولية الأمن جنوب الليطاني، بما ينسجم مع القرار 1701.
غير أن الأزمة لم تكن في النصوص، بل في التنفيذ. فإسرائيل والولايات المتحدة اعتبرتا خلال الأشهر التالية أن التطبيق لم يكتمل، وأن "حزب الله" احتفظ بجزء من بنيته العسكرية في المنطقة، وهو ما أبقى الثقة مفقودة، وأدى إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية. من هنا، فإن المشكلة بالنسبة إلى تل أبيب لم تعد تكمن في إعلان الحزب استعداده للتعاون جنوب الليطاني، بل في الضمانات التي تجعل هذا التعاون مختلفاً عما جرى بعد تفاهم تشرين 2024.
في هذا السياق يمكن فهم اقتراح بري. فهو يحاول اللعب على الاتفاق الإطاري، ولا يعترض على مبدأ البدء بمرحلة أولى، بل يحاول تعديل آلية التنفيذ. فبدلاً من الانطلاق من بلدات متفرقة قد تتحول إلى "جزر أمنية" تصعب إدارتها، ويبقى الاحتلال لفترة طويلة، يقترح أن يكون التنفيذ على مستوى قضاء كامل، بما يسمح بانتشار متماسك للجيش اللبناني، ويربط أي خطوة بانسحاب إسرائيلي واضح من مساحة جغرافية متكاملة.
إلا أن هذا الطرح قد لا يكون كافياً لإقناع إسرائيل. فمن وجهة نظرها، لا تكمن العقدة في حجم المنطقة التي سيبدأ منها التنفيذ، بل في مدى قدرة الدولة اللبنانية على ضمان إزالة أي وجود عسكري خارج إطارها داخل تلك المنطقة. ولذلك، قد ترى أن توسيع المرحلة الأولى إلى قضاء كامل يزيد حجم المخاطرة ما لم تقترن الخطوة بآليات رقابة وضمانات واضحة للتنفيذ.
لذا يمكن القول إن التطور الحقيقي، إذا صحت المعطيات، لا يتمثل في انتقال "حزب الله" من رفض الاتفاق إلى قبوله، لأن القبول النظري بالترتيبات الخاصة بجنوب الليطاني سبق أن ظهر في تفاهم تشرين 2024. أما الجديد، فهو أن المفاوضات تبدو كأنها انتقلت من رفض مبدأ المبادرة الأميركية إلى البحث في كيفية تنفيذها، وحجم المرحلة الأولى، وترتيب الانسحاب الإسرائيلي، والضمانات المطلوبة من جميع الأطراف.
وبذلك، لم يعد السؤال الأساسي: هل يقبل "حزب الله" بالاتفاق الإطاري؟ بل هل يستطيع لبنان هذه المرة أن يقدم نموذجاً تنفيذياً يقنع إسرائيل والولايات المتحدة بأن ما سيطبق على الأرض سيكون مختلفاً عن تجربة ما بعد تشرين 2024؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان اقتراح بري يشكل فعلاً بداية دخول الاتفاق مرحلة التنفيذ التدريجي، أو أنه مجرد محطة تفاوضية جديدة في مسار لا تزال الثقة المفقودة تشكل العقبة الأكبر أمامه.
اسكندر خشاشو- النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|