رياضة

ضحايا المونديال: المدربون أبطال مستعارون وكبش فداء

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في بطولة مكثّفة، خاطفة، وضاغطة مثل المونديال، لا توجد فرص ثانية؛ الخطأ الصغير يصبح خطيئة كبرى. وخلف بريق الكأس الذهبية وصخب الملايين في المدرجات، تختبئ حقيقة مريرة يدركها رجال الخطوط جيداً: كأس العالم لا تحترم التاريخ، بل هي "مفرمة" حقيقية لمهنة التدريب. في هذه البطولة تذوب الفوارق بين العبقرية والإفلاس في ظرف 90 دقيقة، ولا يشفع للمدرب تاريخ مرصّع بالألقاب ولا مجد بناه عبر سنوات؛ فالجمهور والإعلام، وحتى الاتحادات الوطنية، يملكون ذاكرة مثقوبة لا تتّسع إلا للّحظة الراهنة.

عندما تدقّ ساعة الخروج المخيّب، يتحوّل المدرب فجأة من "قائد ملهم" إلى "كبش فداء" يمرّر إرضاء للجماهير الغاضبة، فيقف وحيداً في الواجهة لامتصاص الصدمة الارتدادية. ويُساق إلى إعدام علنيّ إمّا بإقالة مهينة أو استقالة قسرية، لتبدأ فصول واحدة من أكثر التراجيديات الإنسانية والرياضية قسوة في عالم الساحرة المستديرة.

كرسي يحرق صاحبه

قد يفوّت البعض أنّ مقعد المدير الفني في المونديال هو الكرسي الأكثر سخونة في عالم الرياضة، فبينما يتقاسم الجميع مجد الفوز، يتحمّل المدرب وحده مرارة الهزيمة وفاتورتها الباهظة.

من المستحيل منطقياً وقانونياً إقالة تشكيلة مكونة من 26 لاعباً، كما أنّه من الصعب جداً دفع مجلس إدارة الاتحاد بالكامل للاستقالة، لذا يُمثّل المدرب حبل النجاة النموذجي لجميع الفاشلين؛ حيث تعني التضحية برأسه إغلاق ملف الفشل مؤقتاً، وضخّ مخدّر جديد في عروق الشارع الرياضي عبر الوعد بمنقذ جديد.

في هذه المرحلة، تعاد قراءة قرارات المدرّب كلّها بأثر رجعيّ جائر، وتتحوّل الخيارات التكتيكية التي وُصفت قبل المباراة بـ "الذكاء والدهاء" بعد الخسارة إلى "عناد وجهل تكتيكي"، وتصبح قناعاته الفنية دليلاً دامغاً على إدانته. هذا السيناريو تكرّر بحذافيره مع المدرب الألماني يوليان ناغلسمان، فبعد أن كان يُنظر إليه كعبقري، بات بعد خروج ألمانيا يُمثّل "الفلسفة الزائدة" التي أهلكت المانشافت. تحرّك الاتحاد الألماني حينها بسرعة البرق للتعاقد مع يورجن كلوب لا كخيار فني فقط، بل كقرار استراتيجيّ بامتياز لامتصاص الغضب العارم. اذ أن اسم يورجن كلوب في ألمانيا يشبه "المخلّص"، وبمجرد إعلان التعاقد معه، تحوّل النقاش في الإعلام الألماني من "فضيحة الخروج من دور الـ32" إلى تفاؤل بمستقبل يورو 2028. لقد استُخدم ناجلسمان ككبش فداء مثالي لإغلاق كتاب الفشل المونديالي، واستُدعي كلوب كـ "ترياق عاطفي" فوري لإعادة الشغف والكبرياء للكرة الألمانية المنهكة.

المؤتمر الصحفي الأخير

ما إن يطلق الحكم صافرة النهاية معلناً الإقصاء، حتى يبدأ العزل الفعلي للمدرب. وفي "المؤتمر الصحفي الأخير"، تكون الغرفة أشبه بقاعة محكمة عسكرية، حيث يواجه المدرب أسئلة حادة، مباشرة، ومحمّلة باتهامات مبطّنة بالتقصير أو الفشل الفني. في تلك اللحظات، يدرك أنه بات معزولاً تماماً؛ فلا الاتحاد الذي وظّفه سيحميه، ولا الجمهور سيرحم تاريخه. وغالباً ما ينتهي المشهد بكلمات مقتضبة يعلن فيها المدرب استقالته، متحمّلاً المسؤولية كاملة، ليرحل تاركاً خلفه الأضواء التي أحرقت مسيرته.

وقد شهدت بطولة كأس العالم 2026، نهاية مسيرة لعدد من المدربين مع منتخباتهم. وكان معظمهم قد قرر الاستقالة بنفسه عقب الإقصاء من دور المجموعات أو من دور الـ32. أبرز هؤلاء الضحايا كان رونالد كومان الذي عُوّل عليه ليصل بهولندا إلى أدوار متقدّمة. فتنحى عن منصبه عقب أقل من يوم واحد على الخسارة أمام منتخب المغرب بركلات الترجيح في دور الـ32.

في المقابل، تعرّض صبري لموشي لواحدة من أسرع الإقالات في تاريخ البطولة، وتحديداً بعد خسارة ثقيلة أمام السويد بنتيجة 1/5، في افتتاح مشوار منتخب تونس.

أنشيلوتي يكسر النمط

في بلد يتنفس كرة القدم مثل البرازيل، لا يُغتفر الخروج المبكر إطلاقاً. لذلك، فتحت النيران على كارلو انشيلوتي، "المخلص الأجنبي" وأحد أعظم مدربي اللعبة عبر التاريخ وصاحب الرقم القياسي في دوري أبطال أوروبا الذي استُقدِم لينتشل السامبا من كبوتها بعد مسلسل طويل من الإخفاقات. فجأة، بات الإعلام البرازيلي يعتبر أن المدرب الإيطالي لم يفهم الروح البرازيلية، واتهمته بالبرود التكتيكي وعدم القدرة على التعامل مع الضغط القاتل للجمهور الأصفر. 

لكنّ كارلو كسر القاعدة النمطية للمونديال، وصرّح بثبات أنّه مستمرّ في منصبه، وهو ما ترجم رسمياً بإعلان مدير كرة القدم في الاتحاد البرازيلي رودريغو كايتانو تجديد الثقة بأنشيلوتي ليستمر حتى نهاية دورة مونديال 2030، في رغبة واضحة لتكريس استقرار فني طويل الأمد. على غرار بعض المدارس الكروية التي تفضّل الرهان على المشاريع طويلة الأجل، وتملك إدارتها حصانة ضد ضغط الشارع، ولمدربيها رصيد طويل من السنوات مثل فرنسا وكرواتيا والارجنيتن وسويسرا.

هذا الصمود المؤسساتي، لم يكن متاحاً للمدرب البرازيلي السابق أدينور ليوناردو باكي (تيتي)، الذي أمضى ست سنوات في بناء منتخب برازيلي مرعب، أعاد له الهيبة والصلابة الدفاعية، ودخل مونديال قطر 2022 كمرشح أول وفوق العادة لنيل النجمة السادسة. غير أن الخروج الدراماتيكي من ربع النهائي بركلات الترجيح أمام كرواتيا، حوّل تيتي في بضع دقائق من "العراب الهادئ" إلى متهم رئيسي بـ "العجز التكتيكي" وسوء إدارة اللحظات الحرجة وركلات الترجيح. أعلن تيتي استقالته فوراً في المؤتمر الصحفي، وغادر وسط حصار من الانتقادات التي نسفت استقراراً دام لست سنوات واتهامات بأنه أضاع جيلاً بكامله.

سقوط عمالقة 

يثبت التاريخ الكروي أنّ المونديال لا يمنح حصانة لأحد ولا يشفع بأحد، وهو حافل بقصص مدربين دخلوا البطولة كأيقونات للتكتيك، وخرجوا منها من الباب الضيق، وسط صمت مطبق وعزلة تامة.

في عام 2010، تذوّق مارتشيلو ليبي مرارة هذا التحوّل؛ فالرجل الذي أهدى إيطاليا ذهب 2006، غادر جنوب أفريقيا "عجوزاً متصلباً" بعد تذيل المجموعات. وفي النسخة ذاتها، جرّدت الصحافة الإنكليزية فابيو كابيلو من رداء العبقرية لتصفه بـ "المرتزق" صاحب الرواتب الفلكية عقب عروض باهتة وخروج مهين لمنتخب إنكلترا، مبرهنة أن المونديال لا يعترف بالعقود بل بالنتائج الفورية.

أما الجنازة الكروية الأقسى فكانت من نصيب لويس فليبي سكولاري عام 2014؛ إذ تحوّل المتوّج بلقب 2002 إلى المسؤول الأول عن كابوس السباعية الألمانية السوداء على أرضه، ليُساق إلى الاستقالة الفورية. ولم يكن مهندس الماكينات يواخيم لوف بمنأى عن هذا المصير في 2018، حين واجه "مقصلة معنوية" حطّمت هيبته التكتيكية إثر الخروج التاريخي أمام كوريا الجنوبية، لتُصنف أساليبه بالمستهلكة والبائدة.

إنها المحكمة الكروية العليا التي لا تنظر إلى الوراء، وتثبت دائماً أن خطوة واحدة خاطئة على عشب المونديال كفيلة بتحويل البطل القومي إلى نكرة. لتظلّ الحقيقة الثابتة أن المدرب في عالم كرة القدم ليس إلّا "بطلاً مستعاراً"؛ يُنسب الفضل للاعبين وعبقريتهم عند الفوز، ويُترك هو وحيداً في مواجهة المقصلة عند الهزيمة.. تلك هي ضريبة المهنة الأكثر خطورة في الرياضة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا