النبطية تعود على رؤوس الأصابع: أجساد هنا... وأرواح تحت الركام
في مدن الجنوب التي بدأت تستعيد شيئاً من حياتها بعد الحرب، تبدو العودة مشهداً مألوفاً. سيارات تدخل، عائلات تعود، محال تفتح أبوابها تدريجياً، وأحاديث عن الصمود والانتصار وإعادة الإعمار. لكن في النبطية، المشهد مختلف تماماً.
هنا، على بعد كيلومترات قليلة من الزوطرين وقلعة الشقيف وعليّ الطاهر، لا تزال الحرب حاضرة أكثر من أي مكان آخر. ليست مجرد آثار على الجدران أو أبنية مهدمة، بل شعور ثقيل يرافق الناس في خطواتهم، ويجلس إلى جانبهم في المقاهي القليلة التي عادت إلى العمل، ويتسلل إلى أحاديثهم اليومية.
في جولة داخل المدينة، يصعب العثور على تلك العبارات التي اعتاد الجنوب تردادها. لا أحد يقول "فدا الشباب". لا أحد يتحدث بحماسة أو بلغة الانتصارات الكبرى. الكلمة الأكثر تداولاً هنا هي "النبطية منكوبة"، والكثير من القهر، والتعب، والخذلان، وعدم اليقين.
يكفي الدخول إلى المدينة لفهم حجم الكارثة. الدمار ليس تفصيلاً معمارياً يمكن تجاوزه. إنه المشهد العام. أكوام الركام ما زالت تتكدس بين الأبنية. أسلاك الكهرباء تتدلى من الجدران. أبواب حديدية ملتوية بفعل الانفجارات. وحتى الأشجار التي نجت من القصف، تبدو كأنها خرجت بدورها من المعركة.
في حي السرايا، قلب النبطية النابض تاريخياً، يصعب العثور على زاوية لم تمسها الحرب. أبنية كاملة تحولت إلى هياكل إسمنتية مفتوحة. واجهات متساقطة. محال تجارية لم يبق منها سوى اللافتات. وأرصفة تغطيها طبقات من الغبار والركام.
في الشارع الرئيسي، تتجاور المحال المقفلة مع أخرى فتحت أبوابها على استحياء. يحاول أصحابها ترميم ما يمكن ترميمه، وترتيب ما تبقّى من بضائعهم، لا لأن الظروف باتت مؤاتية، بل لأنهم لا يملكون خياراً آخر. فالحرب الطويلة عطلت أعمالهم، وقطعت أرزاقهم، وتركتهم في مواجهة خسائر تتراكم يوماً بعد يوم، فيما تبدو العودة إلى الحياة الاقتصادية شاقة وبطيئة.
يقف رجل واضعاً يده على رأسه، يراقب ما تبقى من المدينة. وفي زاوية أخرى، ينشغل صاحب محل بتنظيف الزجاج المحطم من أمام الباب. وعلى الرصيف المقابل، تمر امرأة تنظر إلى الأبنية بصمت طويل، كأنها تحاول أن تتذكر شكل الحي قبل أن تأكله الغارات.
المدينة كلها تبدو كأنها تعيش بين صورتين: صورة ما كانت عليه، وصورة ما أصبحت عليه.
يتحدث الناس في النبطية عن بيوتهم المهدمة، وعن أعمار ضاعت، وعن ديون تتراكم، وعن تعويضات لا تأتي. يتحدثون بصوت منخفض عندما يقترب الحديث من السياسة. بعضهم ينتقد حزب الله، وبعضهم يعبّر عن امتعاضه من الواقع الذي أوصل المدينة إلى ما هي عليه. لكن الجميع تقريباً يشتركون في شعور واحد: أنهم تُركوا وحدهم أمام الخسارات.
أحد التجار المتضررين يختصر سنوات كاملة من الإحباط في جملة واحدة: "في حرب الـ 2006 لم يعوض عليّ أحد. بعد حرب 2024 لم يعوضوا أيضاً، واليوم لن يعوضوا"، لا يقولها بغضب. بل بشيء يشبه الاستسلام.
الجملة تتكرر بأشكال مختلفة على ألسنة كثيرين. شكوى من غياب التعويضات، من تراكم الأزمات، ومن شعور بأن الناس تُترك وحدها في مواجهة الخراب بعد انتهاء المعارك. الحرب أما فاتورتها فتبقى سنوات طويلة.
محمد جعارة، صاحب محل لبيع الخضار والفاكهة، أعاد فتح متجره رغم الأضرار التي لحقت به. يقول: "محلي متضرر، لكنني عدت وفتحت لأعيد الحياة إلى البلد. الحركة خفيفة، والنبطية ما زالت محدودة بسبب وضع الزوطرين والمناطق المحيطة".
المسافة الفاصلة بين النبطية والزوطرين وقلعة الشقيف وعليّ الطاهر ليست سوى بضعة كيلومترات، إلا أن هذا القرب الجغرافي تحول إلى عبء. فالناس الذين عادوا إلى قرى كثيرة في الجنوب ما زالوا ينظرون إلى النبطية بحذر. والذين عادوا إليها، عاد قسم كبير منهم على رؤوس أصابعهم.
كثيرون يأتون إلى النبطية نهاراً ثم يغادرونها مع حلول المساء. حسن حمود يشرح الأمر: "الناس ليس لديهم شعور بالأمان الكامل، لذلك العودة مؤقتة".
أما علي، فيكتفي بجملة تختصر مزاج المدينة كلها: "وجع قلب على بلدنا ومدينتنا. ماشي الحال حتى الآن، لكن لا شيء يطمئن".
الخوف هنا حاضر، يظهر في السلوك اليومي. في البيوت التي بقيت مغلقة. في الشوارع التي تخلو بسرعة مع اقتراب المساء. وفي الأسئلة التي يطرحها الناس على بعضهم: هل انتهت الحرب فعلاً؟
يعمل متطوعون ضمن حملة تحمل عنوان "التطوع مقاومة" على تنظيف الشارع الرئيسي. شباب وشابات يحملون المكانس وأكياس النفايات، ينظفون الأرصفة ويزيلون ما خلفته الأشهر الماضية من إهمال ودمار.
وفي الوقت نفسه، تنفذ جمعية "النصير" بالتعاون مع بلدية النبطية حملة واسعة لإزالة الركام وتنظيف الأحياء المتضررة. يقول رئيس الجمعية حيدر ونسة إن الحملة انطلقت قبل أيام، وتم إنجاز تنظيف وإزالة الردم من حي المسلخ وسوق البلدية، فيما تستكمل الأعمال في حي السرايا ومناطق أخرى. الهدف، بحسب ونسة، أن "تعود النبطية بأفضل حلة ممكنة".
كانت النبطية، لعقود طويلة، عاصمة الجنوب غير المعلنة. مركزه التجاري. قلبه الإداري. وجهته اليومية. تجد نفسها الآن تحاول النهوض فوق طبقات متراكمة من الخسارات. خسارة البيوت، وخسارة المحال، وخسارة الشعور بالأمان، وخسارة اليقين بالمستقبل.
لهذا تبدو النبطية مختلفة عن كثير من البلدات الجنوبية الأخرى. ليست أقل صموداً، ولا أقل تمسكاً بالأرض، لكنها أكثر تعباً. تسير في شوارعها فتشعر بأن المدينة عادت بالفعل، لكنها لم تعد بالكامل. عادت أجساد الناس، أما أرواحهم فما زال جزء منها عالقاً تحت الركام. وفي انتظار التعويضات، والإعمار، وعودة الطمأنينة، تواصل النبطية السير ببطء.
نغم ربيع - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|