محليات

الحبتور... حين يخاصم المستثمر الدولة ولا يخاصم الوطن

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

"ليبانون ديبايت " - بقلم د. رياض أسعد هلال

 

في عالم الأعمال، لا تُقاس الرسائل بعدد كلماتها، بل بما تحمله من معانٍ تتجاوز ظاهرها. ومن هذا المنطلق، اكتسبت الكلمات التي كتبها رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور بعد قرار دولة الإمارات العربية المتحدة رفع حظر سفر مواطنيها إلى لبنان أهمية خاصة، عندما قال: "أحب لبنان من القلب... والإمارات كانت دائمًا إلى جانبه في أوقات الشدة." ولم تمضِ ساعات حتى كتب حفيده سلطان راشد الحبتور: "قادمون يا سويسرا الشرق... قادمون يا شعب الأرز... قادمون يا لبنان."

 

قد تبدو هذه العبارات للوهلة الأولى تعبيرًا عن محبة بلد تربط العائلة به علاقة قديمة، لكنها في الواقع تحمل رسالة أعمق بكثير، لأنها صدرت عن رجل أعمال يقود في الوقت نفسه واحدة من أبرز قضايا التحكيم الدولي ضد الدولة اللبنانية. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل؛ فالرجل الذي يطالب الدولة اللبنانية بحقوقه أمام القضاء الدولي، لا يزال يعلن محبته للبنان ويدعو إلى العودة إليه، وكأنما يريد أن يميز بوضوح بين الدولة كوحدة قانونية، وبين الوطن كقيمة إنسانية وتاريخية.

 

هذه ليست مجرد مفارقة، بل درس اقتصادي بالغ الأهمية. فالمستثمر لا يدخل في نزاع مع شعب، ولا مع ثقافة، ولا مع تاريخ بلد، وإنما مع منظومة مؤسساتية عندما يشعر بأنها لم تعد قادرة على حماية حقوقه أو توفير البيئة القانونية التي قام على أساسها استثماره. ولهذا، فإن اللجوء إلى التحكيم الدولي لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة مع البلد، بل قد يكون محاولة لاستعادة الثقة عبر القانون، لا عبر القطيعة.

 

ومن هنا، تبدو رسالة الحبتور مختلفة عن كثير من الرسائل التي اعتاد اللبنانيون سماعها خلال السنوات الأخيرة. فهي لا تتحدث عن الخصومة، بل عن الأمل، ولا عن القطيعة، بل عن إمكانية العودة إذا توفرت الشروط التي يحتاج إليها أي مستثمر في العالم.

 

وقد ربط البعض بين قرار رفع القيود الإماراتية عن السفر إلى لبنان وبين المناخ السياسي الذي أعقب اتفاق الإطار الأخير، معتبرين أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة قد تنعكس اقتصاديًا على لبنان. وفي المقابل، رأى آخرون أن هذه الخطوات تأتي في سياق محاولة إقناع اللبنانيين بأن التهدئة السياسية وحدها كفيلة بإعادة الازدهار والاستثمارات.

 

غير أن الاقتصاد، بطبيعته، أقل انفعالًا وأكثر واقعية من السياسة. فهو لا يبني أحكامه على النوايا، بل على المؤشرات. وقد يساعد أي اتفاق سياسي على تخفيف مستوى المخاطر وفتح نافذة أمل، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد الثقة المفقودة أو أن يدفع المستثمر إلى اتخاذ قرار بضخ أمواله.

 

فالمستثمر لا يسأل أولًا عن هوية الوسيط أو الراعي السياسي، بل يسأل عن استقرار القوانين، واستقلال القضاء، واحترام العقود، وكفاءة الإدارة، وصدقية النظام المالي، وقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها. وهذه هي المعايير التي تتحكم بحركة رأس المال في كل دول العالم، سواء جاءت في أعقاب اتفاق سياسي أو في ظروف طبيعية.

 

ولذلك، فإن عودة السائح الإماراتي إلى لبنان تمثل خبرًا إيجابيًا يستحق الترحيب، لكنها ليست المؤشر الذي ينتظره الاقتصاد اللبناني. فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقرر المستثمر الخليجي العودة لاستثمار أمواله في لبنان، لأن الاستثمار طويل الأجل هو الذي يخلق فرص العمل، ويعيد تنشيط الأسواق، ويحرك عجلة النمو، ويبعث برسالة ثقة إلى بقية المستثمرين.

 

وفي هذا السياق، تكتسب تجربة خلف الحبتور دلالة خاصة. فهي تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا مع لبنان كبلد، وإنما مع البيئة التي فقد فيها المستثمر شعوره بالأمان القانوني والمالي. وهذا الفارق أساسي، لأنه يعني أن باب العودة لا يزال مفتوحًا، لكنه يحتاج إلى إصلاحات حقيقية تعيد بناء الثقة التي تآكلت خلال سنوات الانهيار.

 

كما ان التجارب الدولية تثبت أن المستثمر لا ينتقل إلى دولة بسبب نوع الإقامة التي يحصل عليها سواء كانت ذهبية او فضية او برونزية، بل بسبب نوع المؤسسات التي تحكم تلك الدولة. فالإقامة قد تمنحه حق السكن، لكنها لا تمنحه الثقة، ولا تعوض غياب الإصلاحات، ولا تحل محل قضاء مستقل أو قطاع مالي يتمتع بالمصداقية.

 

ولطالما شكّلت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للبنان، سواء عبر الاستثمارات أو السياحة أو التحويلات المالية. ومن هنا، فإن أي انفتاح جديد بين الجانبين يجب أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لإعادة بناء هذه الشراكة التاريخية، لا مجرد حدث سياسي عابر. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع ما لم ينجح لبنان في معالجة الأسباب التي دفعت كثيرًا من المستثمرين إلى تجميد استثماراتهم أو نقلها إلى أسواق أخرى أكثر استقرارًا.

 

وربما لهذا السبب تكتسب كلمات خلف الحبتور أهمية استثنائية. فهي لا تعكس موقف رجل أعمال فقد اهتمامه بلبنان، بل موقف مستثمر لا يزال يرى في هذا البلد إمكانات كبيرة، لكنه ينتظر قيام دولة تستطيع أن توفر الحد الأدنى من الضمانات التي يحتاج إليها أي استثمار طويل الأجل.

 

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في لبنان اليوم ليس لماذا عاد السائح الإماراتي، ولا لماذا كتب الحبتور هذه الكلمات، بل كيف يمكن تحويل هذه الرسائل الإيجابية إلى استثمارات حقيقية تعيد الحياة إلى الاقتصاد اللبناني.

 

فالاستثمار لا يُبنى على العواطف وحدها، ولا على الاتفاقات السياسية وحدها، بل على الثقة. والثقة لا تُصنع بالتصريحات، وإنما بمؤسسات قوية، وقضاء عادل، وقوانين مستقرة، ودولة تحترم التزاماتها.

عندها فقط، لن تكون عودة رأس المال العربي إلى لبنان أمنية أو شعارًا، بل نتيجة طبيعية لعودة الثقة، وهي الثروة الحقيقية التي فقدها لبنان قبل أن يفقد أمواله.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا