بري يحارب اتفاق الإطار نهاراً ويهندسه ليلاً
في التفاصيل السياسية اللبنانية، قلّما تتطابق المواقف المعلنة مع حسابات الكواليس. هذا ما تكرّسه اليوم الوقائع المحيطة بما سُمّي "اتفاق الإطار" الذي جرى في الخارجية الأميركية. فالرئيس نبيه بري، الذي يوجّه سهام النقد للمفاوضات، ليس بعيداً عن تفاصيلها. العكس هو الصحيح: التواصل شبه اليومي قائم عبر مستشاره علي حمدان مع مستشار رئيس الجمهورية العميد دده رحال. أي أن عين التينة في قلب الصورة، حتى لو اختارت لغة التصعيد في الإعلام.
لماذا الانتقاد إذن؟.. الجواب يكمن في فهم معادلة الحكم اللبناني. الرئيس بري يدرك أن بعبدا لا تستطيع اتخاذ قرار بهذا الحجم الاستراتيجي من دون المرور الإلزامي بعين التينة والسراي الحكومي. لا قرارات كبرى تُمرّر بالقطعة في لبنان. لذلك، الانتقاد العلني هو جزء من إدارة التوازنات الداخلية، وتسجيل موقف أمام جمهور لا يزال يرى في أي تفاوض مع إسرائيل مساساً بالثوابت.
النائب السابق وليد جنبلاط يلتقي مع بري في هذا المنطق. كلاهما يعلم أن لبنان لم يدخل إلى طاولة التفاوض من موقع المنتصر الذي يفرض شروطه. الوقائع على الأرض تفرض نفسها: حرب هجّرت عشرات الآلاف من أبناء الجنوب، ودمّرت مئات القرى، واستنزفت الاقتصاد المنهك أصلاً. الدولة اللبنانية تدخل مفاوضاتها اليوم من موقع "المستدرج" الذي يسعى إلى لجم الطموحات الإسرائيلية وكبح المطامع التاريخية بالأرض والمياه والسيادة.
ما حصل في واشنطن ليس اتفاقاً بالمعنى القانوني ولا معاهدة تُحال إلى مجلس النواب للتصويت. هو إعلان نوايا، ارتأى المفاوضون الأميركيون تسميته "اتفاق إطار" ليكون مقدمة لمسار تفاوضي لاحق. وبالتالي، الحديث عن إلزامية عرضه على مجلس النواب اليوم سابق لأوانه دستورياً وسياسياً.
وهنا تُطرح المفارقة التي يغفلها الخطاب الشعبوي: الرئيس بري نفسه، عندما تم إقرار تفاهم 27 تشرين، لم يُحله إلى مجلس النواب ليُقر في حكومة ميقاتي. يومها مُنحت اسرائيلي حرية حركة ميدانية تحت سقف "التفاهم". فلماذا تُستحضر الشرعية النيابية اليوم كسلاح للتعطيل، بينما تم تجاوزها بالأمس حين اقتضت المصلحة؟
قيمة ما يجري لا تُقاس ببنود نهائية لم تُكتب بعد، بل بمبدأين أساسيين:
مبدأ الانسحاب: تكريس الالتزام بأن أي مسار تفاوضي نهايته الطبيعية انسحاب إسرائيلي من أي أرض لبنانية محتلة.
مبدأ الحدود: انتزاع اعتراف دولي متجدد بالحدود اللبنانية المعترف بها، وهو مكسب سيادي لا يُستهان به في زمن قضم الخرائط.
ما يجري على خط عين التينة هو نموذج كلاسيكي للسياسة اللبنانية. مواقف شعبوية تُسجّل للاستهلاك المحلي، ولحفظ التوازن مع حلفاء وقواعد لا تتقبل فكرة التفاوض. لكن تحت الطاولة، التواصل مستمر، والتنسيق قائم، لأن الجميع يدرك كلفة الفراغ وكلفة الحرب.
بري وجنبلاط، بخبرتهما الطويلة، يعرفان أن إدارة الانهيار تتطلب هامشاً من المناورة. ينتقدان في العلن ليحفظا رصيدهما السياسي، ويتفاوضان في السر ليحفظا ما تبقى من الدولة. المعادلة قاسية: لا انتصار يُفرض، ولا استسلام يُعلن. هناك فقط محاولة لشراء الوقت، وتقليص الخسائر، وتثبيت ما يمكن تثبيته من حدود وسيادة قبل أن تفرض إسرائيل وقائع جديدة بالنار.
في النهاية، "اتفاق الإطار" ليس نهاية المطاف ولا بدايته. هو محطة في مسار طويل، تُخاض فيه معركة المواقف على المنابر، بينما تُحسم التفاصيل الحقيقية في الغرف المغلقة بين عين التينة وبعبدا والسراي، وبإشراف دولي يعرف موازين الضعف والقوة أكثر من الجميع.
علاء الخوري -ليبانون فايلز
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|