المرحلة شديدة الخطورة... العريضي: الأمور مرشحة للاغتيالات والتفجيرات والعمليات العسكرية!
بنت جبيل-شبعا: حدود وتهريب.. وجريمة ثأر غرامي
كتب محمد أبي سمرا في المدن:
تسجل هذه المرويات عن بنت جبيل وجوهًا من أحوال مجتمعها، تقلّباته وتحولاته ومنعطفاته، في القرن العشرين. فبعد حلقة أولى عن حوادث وصور من عقد الستينات في البلدة العاملية في أقصى جنوب لبنان، وثانية عن سوقها الأسبوعية وحرفها وصلتها بفلسطين، هذه حلقة ثالثة عن عمليات التهريب الحدودي وتجارته منها ومن شبعا، بعد إنشاء دول في لبنان وسوريا وفلسطين، وإقامة حدود بينها، ثم.
قلقُ الحدود والهويات المتنازعة
في العام 1989 أهدى المؤرخ الاجتماعي والثقافي أحمد بيضون، اللبناني البيروتي البنت جبيلي، كتابه "الصراع على تاريخ لبنان" إلى بلدته بنت جبيل. وكتب في الإهداء أنها "ما زالت تسأل بقلق منذ ثلاثة أجيال في أيّة بلادٍ تكون". وحينما كتب هذه العبارة، كانت عقود أربعة قد انقضت على بتر صلة البلدة العاملية، الاقتصادية والتجارية والاجتماعية بفلسطين، غداة نشوء دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية (1948)، وعلى اضطرار البلدة العاملية إلى أن تستدير استدارة كاملة وتلتفت إلى الخلف، لتوجِّه وجهها شمالًا، نحو لبنان وعاصمته بيروت، مرورًا بمدينة صيدا عاصمة لبنان الجنوبي.
لكن قلق بنت جبيل وسواها من البلدات والقرى العاملية مثيلاتها، كان قد بدأ يسري القلق فيها عنفًا متقطعًا بعد العام 1920، حينما صارت لبنانية حدودية، غداة الانتدابين، الفرنسي على لبنان وسوريا، والبريطاني على فلسطين. وكان ذاك العنف عابراً، ونجم عن عمليات رجال "عصابات" محلية مسلحة ضد جيش الانتداب وحمْلته التأديبية على جبل عامل، وفرضه على أهله ما يشبه "ضريبة حرب" أو تمرد.
وفي كتابه المذكور تقصىَّ بيضون الصراع على "الهوية والزمن في أعمال مؤرخينا المعاصرين". والأرجح أن نون الجماعة في عنوان الكتاب وفي ما تقصّاه على مدى صفحاته، تعني أن كًلًّا من "مؤرخينا" يؤرِّخ لجماعته وهويتها الاجتماعية، الثقافية والسياسية تاليًا، في إطار صراع الجماعات اللبنانية كلها على تاريخ لبنان وهويته التي ولدت متنازعة.
لكن كيف تُصوِّر مروياتٌ وشهاداتٌ من أشخاصٍ معمِّرين، ذاك القلق والتنازع في بنت جبيل وبعض قرى جنوب لبنان على أطراف الحدود والدول الناشئة؟
غالبًا ما تبين المرويات والكتابات التاريخية أن الزمن العثماني المضطرب والمتأهب للانصرام والأفول، ظل حيًّا، ليس فحسب في ذاكرة وذكريات ومرويات الأهالي على أطراف الحدود الناشئة والمستجدة. بل ظل يسري بقوة، واستُدخِل محوَّرًا ومتجددًا في طيّات أو طوايا حياتهم اليومية، مشاعرهم وأنسابهم وهجراتهم وعلاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية، التي ظلت كلها حائرة، قلِقة ومتنازعة، موقوفة ومقيمة على مراوحة مستمرة.
أما إذا بدا أحيانًا أن حياة الرواة وجماعاتهم غلب عليها سيرها في وجهة أو اتجاه محددين أو واضحي الملامح والمعالم، فسرعان ما تُظهِر الحوادث والمنعطفات المستجدة أن لا الماضي يمضي، ولا الحاضر يستقر على حال واتجاه، أو ينتظم في مسار واضح. بل إن الزمن يظل يراوح أو في حال من الاستنقاع والتكرار، في أمس قريب وحتى الساعة.
فلسطينيو بنت جبيل
سبق قلق بنت جبيل نشوء إسرائيل في فلسطين على حدودها وحدود لبنان الجنوبية، لكنه تفاقم بقوة بعد نشوئها: اضطرب وتدنى النشاط التجاري في سوقها الأسبوعية، وكذلك النشاط الحرفي في مشاغلها الكثيرة. الذين مضت سنوات كثيرة على هجرتهم منها وإقامتهم في حيفا ويافا وصفد والجليل الفلسطينية، فروا إلى ديارهم الأولى كنازحين أو كلاجئين، مثل الفلسطينيين. ولاحظ أبو علي وزوجته أن لهجتهم كانت فلسطينية جرّاء إقامتهم المديدة هناك ومخالطتهم أهل فلسطين. والسلطات اللبنانية ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين الدولية (الأونروا) عاملتهم وسجّلتهم كلاجئين في سجلاتها، ووزعت عليهم الإعاشة وأنشأت لهم مدرسة خاصة بهم في بنت جبيل.
وهم ظلوا على هذه الحال حتى العام 1953، حينما أصدرت الحكومة اللبنانية قرارًا يمنع وجود فلسطينيين على الأراضي اللبنانية ما بعد بلدة جويا الجنوبية، البعيدة نسبيًا عن الحدود الفلسطينية (الإسرائيلية). وهذا ما أنهى معاملة أولئك البنت جبيليين العائدين إلى بلدتهم وأهلهم كلاجئين فلسطينيين، فاستعادوا جنسيتهم اللبنانية، واندمجوا في مجتمع بلدتهم.
قتلٌ.. عُمُلاتٌ وتهريب
أما ما حمل سلطات الدولة اللبنانية على إصدار ذاك القرار، فكان على الأرجح محاولات أفرادٍ ومجموعات من اللاجئين الفلسطينيين التسلُّل عبر الحدود اللبنانية-الإسرائيلية للعودة إلى بلادهم وبيوتهم. وياما قتلت قوات أمن الدولة الاستعمارية الاستيطانية الوليدة على أرضهم أعدادًا منهم أثناء أو بعد تسللهم واجتيازهم تلك الحدود.
وفي سوق بنت جبيل اختفت "لافتة مخطوطة بالبويا على عَرَقَة (إسمنتية أو من أحجار متلاصقة في واجهة) محل في الجهة الغربية من السوق، ومكتوب عليها كاراج حيفا-يافا-عكا". وهذه إشارة إلى بتر التواصل بين بنت جبيل وفلسطين (إسرائيل)، يوردها منذر جابر في بحث له عنوانه "أقراص بنت جبيل وأعراس الأحداث" في كتاب: "50 سنة على حرب لبنان 1975".
لكن على الرغم من تلك القطيعة ظل التهريب الحدودي قائمًا، وظلت الليرة الفلسطينية متداولة في سوق البلدة العاملية الحدودية. وهذا حسب شهادة أبو علي الذي ظل في صباه، حينما كان تلميذًا بمدرسة بنت جبيل سنة 1951، يسمع صرافي العملات في سوقها ينادون: "معنا فلسطيني، معنا سوري، معنا لبناني".
وهو روى أيضًا أن جهاز الجمارك اللبنانية اتبع نظامًا دقيقًا وقاسيًا في رقابته على الحدود، للحدّ من عمليات التهريب المستمرة إلى فلسطين (إسرائيل)، لاسيما الأبقار والدجاج والبيض وسواها من رؤوس الماشية. وأحصى جهاز الجماركُ الأبقارَ والدواب وقطعان الماشية في بنت جبيل والقرى الحدودية، رقّمها وأرغم أصحابها على وضع قلادة في رقابها تبين أرقامها، وإلا تُعتبر مخالِفة وتُصادر، لمنع تهريبها. ووالد أبو علي العيتروني وبعضٌ من رجال عيترون، اشتغلوا بالتهريب إلى فلسطين. وبعد ضبط ما كانوا يهرّبونه ومصادرته، وخسارتهم أثمانه، هشلوا إلى بيروت بحثًا عن أي عمل فيها، قال أبو علي.
استدخال القومي في الوطني
وكانت قد نجمت عن الحدود التي اختطتها سلطات الانتدابين ورقابتهما وأجهزة جماركهما، عمليات تهريب وتجارته بين مثلث البلدات والقرى الحدودية في لبنان وفلسطين وسوريا. خصوصًا تهريب الأبقار والمهاجرين اليهود من لبنان إلى فلسطين، حسب شهادة أبو علي وزوجته التي قالت إن موظفي جمارك ورجال درك لبنانيين، كانوا يستقتلون لتكون بنت جبيل مركز عملهم وخدمتهم الوظيفية، ليحصّلوا إتاواتٍ ورشاوى لقاء تسهيلهم عمليات التهريب الحدودي.
وأضاف أبو علي إن بنت جبيل وسوقها الأسبوعية كانتا من المعابر الناشطة لتهريب المهاجرين اليهود إلى فلسطين، بتسهيل من السلطات البريطانية فيها. ففي السوق المزدحمة كان ينشط ويلتقي أدلاء ومسهلو عمليات التهريب باليهود الراغبين في عبور الحدود إلى الديار الفلسطينية. وانتفاضة 1936 ضد سلطات الانتداب الفرنسي في بنت جبيل، انطوت على احتجاج على الهجرة اليهودية وتسهيلها إلى فلسطين.
وهنا لاحظت أم علي بروز دور علي بزي الشاب في تلك الانتفاضة، مجدِدًا نفوذ والده الحاج حسن بزي الوجيه الإقطاعي القوي في بلدته ضد زعامة آل الأسعد الإقطاعية العاملية. من ثم انعطافة بزي الإبن بإرث والده وبوجاهته المحليين والعامليين، إلى وجهة قومية عربية خطابية أطلقتها انتفاضة 1936 التي جمعت في بنت جبيل الاحتجاج البلدي والوطني ضد الانتداب الفرنسي على لبنان، واستدخلت فيه الاحتجاج القومي العربي من باب فلسطين، الممانع لتسهيل الانتداب البريطاني الهجرةَ اليهودية إليها. وكانت العروبة القومية مَلَكيَّة نخبويّة بعدُ آنذاك، قبل أن تصير، ابتداءً من النصف الثاني من الخمسينات، عاميّة أو جماهيرية جارفة مع زعامة جمال عبد الناصر الخطابية المحمومة في البثّ الإذاعي، ثم التلفزيوني.
وكان من نتائج انتفاضة 1936 في بنت جبيل، حدوث انقسام أو شقاق في عصبية آل بزي بين ولائهم لعروبة علي بزي الناشئة والجديدة وولائهم لوجاهة محمد سعيد بزي المحلية والتقليدية، التي لاحظت أم علي أنها ضعُفَت وهُمِّشت. أما أبو علي فذكر أن محازبين شيوعيين في قرى عاملية قريبة من بنت جبيل، نشطوا في مواجهة الهجرة اليهودية، فشرعوا في كتابة رسائل يهدّدون فيها ويتوعدون من يتهمونهم بالعمل في شبكات التهريب، ويدسُّونها ليلًا تحت عتبات بيوتهم.
أنسابٌ وتهريب وجريمة شرف
على المقلب الآخر الشرقي من الحدود اللبنانية-السورية-الفلسطينية، كان التهريب ناشطًا من شبعا على سفح جبل الشيخ الغربي، وانحدارًا في مزارعها نحو سهل الحولة الفلسطيني، كما إلى الجولان السوري باجتياز أعالي الجبل نفسه والهبوط على منحدراته الشرقية إلى بيت جن وعرنة وجباثا وحوران وصولًا إلى القنيطرة.
وقصص التهريب والمهربين لا يخلو منها بيت في شبعا. وبينما ينعدم في هذه القصص حضور قوى الأمن اللبنانية، لا تخلو قصة من حضور طغيان رجال الأمن والمخابرات السورية الغاشم، وبطشهم بأهالي شبعا وابتزازهم، وخصوصًا بعد العام 1948، وطوال الخمسينات والستينات. ونكتفي هنا برواية واحدة من تلك القصص.
كان رجل من آل فراشة يعمل أواخر الأربعينات في تجارة تهريب الأبقار وسواها، من شبعا إلى فلسطين (إسرائيل). وكانت رحلات التهريب تلك تمرُّ عبر مزارع شبعا، ومنها مزرعة المُغر على طرف سهل الحولة. وكان الرجل المهرب من جيل عائلة فراشة الثاني المتوطنة في شبعا. وهي تعود بنسبها إلى عشيرة من عرب الحولة، وتوطَّن فرع منها في مدينة القنيطرة عاصمة الجولان السورية. والرجل هذا هو خال المرأة التي ارتكب جدّها جريمة قتل في نابلس، وفرَّ منها إلى شبعا، حيث تزوج وتوطّن وأنجب.
وروت المرأة أن خالها المهرب كان على صلة ما بجهاز المخابرات السورية. ولشقيقها -أي لابن أخته الفتى (17- 18 سنة) ولرجل آخر من شبعا- أوكل واحدة من الرحلات الليلية لتهريب أبقار ولبيعها في فلسطين، مرورًا بمسافة قصيرة داخل الأراضي السورية، حيث أطلقت دورية أمنية حدودية سورية النار على المهربين، فقتلت الرجل واعتقلت الفتى، ابن أخت صاحب الأبقار المهرّبة التي صادرها رجال الدورية، واقتادوا الفتى إلى القنيطرة.
بعد سنة من التعذيب المروّع في سجون القنيطرة، أُطلق سراح الفتى، فعاد إلى أهله في شبعا بلا أظافر أصابع يديه وقدميه، وممتلئ الصدر بمزيج من الحقد على خاله وسوريا ورمز علَمِها، النسر المجنح الذي كان شتمه والدعاء عليه بالحرق على كل شفة ولسان في شبعا، كلما استجدت حادثة تتعلق بالتهريب أو بالأعمال الزراعية والرعي في المزارع والجبل.
ولما لمحَ الفتى العائد من سجن القنيطرة خالَهُ يقف على شرفة منزله، صعد إلى سطح بيت أهله وناداه باسمه قائلًا له بصوت سُمِع في جهات الحارة: إذا سبيتلك (شتمت) أختك، أختك بتكون أمي، وإذا سبيتلك أمك، أمك بتكون ستي (جدتي). بس (لكن) إذا ما بخليك تبوس هَـ السباط -وأشار بيده إلى حذائه- الله لا يخلِّيني على قيد الحياة.
بعد نحو شهر على تلك الواقعة على سطح بيت أهله، هاجر الفتى إلى البرازيل من مرفأ بيروت في العام 1951. وبعد نحو شهرين أو ثلاثة أخرى، ظهر انتفاخ بطن صبيةٍ من بنات خاله التي كان شائعًا في القرية أنه مغرم بها ومغرمة به، وكانت أمها على علمٍ بذلك، فتستّرت على حَمْل ابنتها بأن صارت تُلبسها ثيابًا واسعةً فضفاضة. وقبل نحو شهر أو أكثر من أوان وضعها، تمكنت من إجهاضها أو توليد جنينها ليلًا في بيتها الحجري على طرف الضيعة.
صيف العام 2000، وبعد أيام على تحرير قرى وبلدات الشريط الحدودي الجنوبي اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، ومنها بلدة شبعا، زرتُ، أنا كاتب هذه المرويات، تلك الضيعة-البلدة بعد 20 سنة من انقطاعي عن زيارتها. وهي بلدةُ أهلي ومولدي وطفولتي الأولى. تجوّلت ساعات في أزقةٍ بين بيوتها، مستعيدًا سراب صور وحوادث شبحية، كأنما طفتْ من عمق ألف عام في ذاكرتي، من دون أن أتعرّف على أي من أماكنها وأزمنتها.
ولما تجاوزتُ منزلًا حجريًا، وتقدمت نحو نهاية زقاق يشرف عموديًا، من على شيّار صخري عالٍ، على وادٍ سحيق، تراءى لي فجأة أنني ألمحُ أو أتخيل في قاع الوادي كلابًا تعوي وتنهش جثة جنين. وهذا مشهد من مشاهد حكايات أمي، وياما تخيّلته كلما جلسنا معًا منفردين، واستدرجتها إلى رواية ذكرياتها، فتجيد روايتها بلذةٍ مشهدية أليمة. ومنها حكاية شقيقها المهاجر إلى البرازيل وابنة خاله الصبية.
لم أعلم أنني أقف على حافة الوادي إياه الذي إلى قاعه قُذِف، في حكاية أمي، جنينُ غرامِ شقيقها المُجهَض وثأرِه العائلي الذكوري من خاله، بسبب تجارة تهريب حدودية فبل نحو 50، إلا عندما سمعت صوت رجل يناديني من عمق الزقاق خلفي محذّرًا إياي من أن تَزِلَّ بي قدمي عن صخور الشَّيّار، فأسقط في الوادي... وتنهشني الكلاب في قاعه.
التفتُّ إلى الخلف ثم تراجعت خطوات، فأشار الرجل الواقف في عمق الزقاق بيده وقال: هذا منزل آل فراشة المهجور منذ زمن بعيد.
وما كنتُ قد سمعته مراتٍ كثيرة من أمي عن شقيقها الفتى المهاجر وخاله وابنته، سمعت روايته مجددًا من الرجل، لكن في صيغة وأسلوب مختلفين: من هذا المنزل قذفت امرأة من آل فراشة جنينًا ولّدته من ابنتها التي حبّلها ابن خالها انتقامًا من أبيها، خالِه. وبتحريض من أمه، فرَّ شقيق الصبية الحامل المجهَضة من خدمته العسكرية في الجيش اللبناني بالبقاع، وجاء إلى شبعا. وهنا في داخل هذا المنزل ذبح أخته، ثم سلّم نفسه لمخفر الدرك اللبناني في القرية. أما والدُه المهرب فكان في سوريا، ولم يعد منها قط إلى شبعا. ولما خرج ابنه من السجن بعد سنوات، زار منزل أهله هذا مرة أو اثنتين، واختفى بعد ذلك أثره.
ماضٍ لا يمضي وحاضرٌ موقوف للنكبات
أليست هذه غيض من فيض حكايات من ماضٍ مضى ولا يمضي؟
والحوادث السيّالة منذ العام 1920 في لبنان وسوريا الانتداب الفرنسي والاستقلال بعده، وفي فلسطين الانتداب البريطاني وبعده دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني اليهودي فيها منذ العام 1948، وقبل هذا كله بعقود كثيرة... ألا تبيّن الحوادث السيّالة في هذه الأزمنة، أن بلدان المشرق لم تنشأ دولًا وكيانات سياسية، ولا حدودها الجغرافية نشأت عن إرادات قوى اجتماعية وجماعات محلية وطنية، اجتمعت على خيارات وفي هيئات متماسكة أو اضحة الملامح والمعالم؟
فإرادات الجماعات الأهلية، الدينية الطوائفية، والقومية والعرقية والإثنية والبلدانية الجهوية، في هذه البلدان، كانت مائعة ومتباعدة، إن لم تكن متنازعة ومتضاربة منذ قرون، وتعود بجذروها وملامحها إلى الزمن العثماني المديد، وإلى بروز قوى وإرادات ومصالح قوى استعمارية أوروبية متنافسة، عالمية الطموح والمطامع، منذ نهايات القرن الثامن عشر. وإدى تنافسها إلى خوضها حربين عالميتين دمرتا أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، وأدتا إلى ظهور القوتين العظميين، الأميركية والسوفياتية وحروبهما الباردة على الصعيد العالمي.
هيهات لو ظلت بنت جبيل تقلقُ وتحتار إلى أية جهة تدير وجهها، ومن ورائها أهالي جبل عامل يقلقون قلقها، كما في كتاب وضاح شرارة "الأمة القلقة: العامليون والعصبية العاملية على عتبة الدولة اللبنانية"، الصادر في العام 1996 ببيروت. أو كما في كتابه الآخر "السلم الأهلي (اللبناني) البارد" الذي أرّخ فيه لحقبة (1964- 1967) وصدر في جزئين في العام 1980، وجاء تأريخُه تفصيليًا مستفيضًا، على المستوى الداخلي المحلي (المجتمع والدولة)، والمتداخل مع صراعات إقليمة ودولية.
واليوم يحترق اللبنانيون حنينًا مرًّا إلى تلك السنوات التي أرّخ لها الكتاب، حينما كانوا جماعات وهويات رضيت على مضض أن تأتلف متنازَعة في "بيت بمنازل كثيرة". وهذا عنوان كتاب آخر، شهير وشائع، صدر في العام 1990 للمؤرخ اللبناني كمال الصليبي (1929 -2011).
وكان شرارة قد نشر كتابًا تقصى فيه خروج العامليين الشيعة، بعد نحو 9 عقود من قلقهم الدنيوي الوضعي في لبنان، إلى خلاص أخروي خميني خارج العالم والزمن. وهو وسم كتابه ذاك، الصادر في العام 1987 ببيروت: "دولة حزب الله: لبنان مجتمعًا إسلاميًا". وهو كتبه في غمار حروب أهلية (1975 -1990) لم تتوقف تداعياتها بتقلباتها وأشكالها وألوانها ومسارحها الداخلية والإقليمية والدولية حتى الساعة. وفي كتابه الأخير "في مهب النكبة اللبنانية"، تقصّى أحمد بيضون حال البلاد في السنوات الأخيرة، فكتب يائسًا: "باتت مقاليد البلاد ماثلة في أيدي قوى العالم والمحيط المتصدرة، توجِّهها على هدي النزاع الإقليمي الجاري بأشد صوره عنفًا وأوثقها اتصالًا بالصراع الدولي في أوسع حلباته".
فهيهات من جماعات لبنان كلها الذّلة، أغالبة كانت أم مغلوبة، منكوبة أم غير منكوبة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|