من جونية إلى إسرائيل… القصة الكاملة لهروب أخطر عميل للموساد
قد تنجح أجهزة الاستخبارات في تهريب عملائها، وقد تنفذ عمليات معقدة خلف خطوط الخصوم، لكن الأخطر من نجاح العملية نفسها هو وجود بيئة تسمح لها بالنجاح. وهذا بالتحديد ما يفرض نفسه اليوم في ملف خالد العايدي، أحد أخطر المتهمين بالعمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي داخل لبنان.
فالسؤال لم يعد كيف نجحت إسرائيل في إخراجه من لبنان، بل كيف سمحت الدولة اللبنانية بحدوث ذلك؟
بحسب المعطيات الأمنية، لم يكن العايدي شخصاً مجهول المكان أو الهوية. فبعد فراره من الضاحية الجنوبية إثر الغارة الإسرائيلية التي استهدفت المبنى الذي كان محتجزاً فيه لدى حزب الله، تمكن من الوصول إلى السفارة الأوكرانية في بعبدا. والأهم أن الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت على علم بهذه الوقائع وكانت تتابع الملف عن كثب.
ولم يكن الأمر مجرد شكوك أو معلومات أولية. فالرجل كان محور تحقيقات أمنية واسعة تتعلق بشبكة متهمة بالعمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي، فيما كانت التحقيقات قد أفضت إلى اعترافات ومداهمات وكشفت مستودعات للمتفجرات ومواد تستخدم في عمليات أمنية خطيرة. وبالتالي كان الحديث يدور عن شخصية تملك كماً هائلاً من المعلومات الحساسة المرتبطة بأحد أخطر ملفات الاختراق الأمني خلال الحرب.
وبحسب التحقيقات، فإن العايدي، وهو فلسطيني سوري الأصل يحمل الجنسية الأوكرانية، تولى الإشراف على خلية أمنية مرتبطة بالموساد الإسرائيلي كانت مهمتها جمع معلومات لوجستية دقيقة عن مواقع ومنشآت تابعة لحزب الله داخل الضاحية الجنوبية لبيروت. وتشير المعطيات إلى أن المعلومات التي جمعتها هذه الخلية استُخدمت لاحقاً في تحديد أهداف تعرضت لغارات إسرائيلية، كما ارتبط اسمها بملفات أمنية شديدة الحساسية خلال الحرب.
كما أظهرت التحقيقات أن العايدي كان يشرف على نشاط اللبناني الموقوف محمد صالح الذي تولى عمليات الرصد الميداني وتحديد الأهداف داخل الضاحية، فيما كشفت المعطيات أن أفراد الشبكة كانوا يتنقلون بين لبنان وبلغاريا حيث حصلوا على مكافآت مالية من جهاز الموساد قبل العودة لاستكمال نشاطهم داخل الأراضي اللبنانية.
ولم تتوقف الاتهامات عند حدود جمع المعلومات الأمنية. فخلال التحقيقات التي قادت إلى كشف الشبكة، عُثر داخل مستودع في منطقة النقاش على مواد تدخل في تصنيع العبوات الناسفة وبطاريات مفخخة ودراجات نارية مجهزة للاستخدام في عمليات تفجير. كما كشفت إفادات الموقوفين عن التحضير لسلسلة عمليات أمنية خلال إحياء الذكرى الأولى لاغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله السيد حسن نصرالله، على أن تُنسب تلك العمليات إلى فصيل سوري متطرف بهدف إثارة توترات مذهبية داخل لبنان.
وقادت التحقيقات أيضاً إلى اكتشاف سيارة “رانغلر” جرى تجهيزها برشاش يتم التحكم به عن بعد، فيما تحدثت الاعترافات عن مخطط لاستهداف وزير الخارجية الإيراني خلال زيارته إلى بيروت للمشاركة في إحياء ذكرى اغتيال السيد حسن نصرالله.
لذلك، لم يكن العايدي مطلوباً بصفته شاهداً على شبكة أمنية فحسب، بل باعتباره أحد أبرز المشرفين عليها وأحد الأشخاص الذين يمتلكون معلومات تفصيلية عن بنيتها وأفرادها وارتباطاتها الخارجية، ما جعله هدفاً بالغ الأهمية بالنسبة للأجهزة الأمنية اللبنانية وبالنسبة لإسرائيل في آن واحد.
ورغم خطورة الملف، لم يرتقِ التعامل الرسمي معه إلى مستوى الحدث. فبعدما تبيّن أن العايدي موجود داخل السفارة الأوكرانية، أصدر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم مذكرة بحث وتحرٍّ بحقه، ما جعله مطلوباً رسمياً للقضاء اللبناني. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد القضية مرتبطة بجهة غير رسمية كانت تحتجزه أو بظروف توقيفه السابقة، بل تحولت إلى ملف سيادي يتعلق بشخص مطلوب للقضاء اللبناني ويُشتبه بضلوعه في واحدة من أخطر شبكات التجسس التي كُشفت خلال الحرب.
عند هذه النقطة تحديداً، كان يفترض أن تتحول القضية إلى أولوية وطنية. فالدولة اللبنانية كانت أمام شخص مطلوب للقضاء، ومتهماً بإدارة شبكة مرتبطة بالموساد الإسرائيلي، ويحمل في جعبته كماً هائلاً من المعلومات الأمنية الحساسة. وكان يفترض بوزارة الخارجية، بقيادة الوزير يوسف رجي، أن تتحرك فوراً على أعلى المستويات الدبلوماسية لمنع تحويل السفارة الأوكرانية إلى ملاذ آمن لرجل مطلوب في ملف بهذا الحجم.
لكن ما حصل كان العكس تماماً.
فبحسب المعطيات المتوافرة، لم تسجل وزارة الخارجية أي تحرك فعلي يوازي خطورة القضية، ولم تمارس أي ضغط دبلوماسي جدي على السفارة الأوكرانية، ولم تتعامل مع الملف بوصفه قضية سيادية تمس الأمن القومي اللبناني. وفي وقت كانت الأجهزة الأمنية تتابع تحركات العايدي وتدرك حجم المعلومات التي يمتلكها، بدا وكأن الملف متروك لمصيره من دون غطاء سياسي أو دبلوماسي من الجهة التي يفترض أن تكون في واجهة المواجهة.
والأخطر من ذلك أن التبرير الذي جرى تداوله عن لسان الوزير يوسف رجي، والقائم على أن العايدي لم يكن موقوفاً لدى الدولة اللبنانية بل لدى حزب الله، شكّل عملياً ذريعة للامتناع عن التحرك بدل أن يكون حافزاً للتحرك. فبعد صدور مذكرة البحث والتحري بحقه، سقط أي نقاش حول الجهة التي كانت تحتجزه سابقاً، وأصبح الرجل مطلوباً رسمياً للقضاء اللبناني، ما كان يفرض على وزارة الخارجية استخدام كل الوسائل السياسية والدبلوماسية المتاحة لملاحقته ومنع تهريبه.
لكن شيئاً من ذلك لم يحصل.
فالمعطيات التي توصلت إليها التحقيقات الأمنية تشير إلى أن العايدي غادر في أواخر شهر نيسان مقر السفارة الأوكرانية، وانتقل بواسطة سيارة إلى منطقة جونية، قبل أن تتولى وحدة كوماندوز إسرائيلية إخراجه من لبنان. وإذا كانت هذه الوقائع قد ثبتت بصورة نهائية، فإن ذلك يعني أن عملية التهريب لم تحصل في فراغ، بل سبقتها مرحلة طويلة من التردد والتقاعس وغياب القرار السياسي المطلوب.
هنا لا يعود الحديث عن نجاح إسرائيلي فقط، بل عن فشل لبناني أيضاً.
فالموساد قام بما يفترض أن يقوم به لإنقاذ أحد أهم عملائه وإخراجه من دائرة الخطر. أما الدولة اللبنانية، فلم تظهر الوقائع أنها قامت بالحد الأدنى المطلوب لمنع ذلك، رغم امتلاكها المعلومات الأمنية، ورغم صدور مذكرة قضائية بحقه، ورغم إدراكها حجم الأسرار التي يحملها هذا الرجل.
وفي المحصلة، لم يخسر لبنان شخصاً مطلوباً فحسب، بل خسر كنزاً استخبارياً كان يمكن أن يقود إلى كشف المزيد من الخلايا والأسماء والارتباطات المرتبطة بالموساد الإسرائيلي. لذلك فإن السؤال الذي يفترض أن يُطرح اليوم لا يتعلق فقط بكيفية نجاح إسرائيل في استعادة أحد أهم عملائها، بل بكيفية فشل الدولة اللبنانية في منعه من المغادرة. فبين الحركية الإسرائيلية والجمود اللبناني، وبين عملية الإنقاذ التي نفذها الموساد والتقاعس الرسمي الذي أحاط بالملف، ضاعت فرصة ثمينة قد لا تتكرر لكشف واحدة من أخطر شبكات الاختراق الأمني التي عرفها لبنان خلال الحرب الأخيرة.
ويبقى السؤال: هل كان هروب خالد العايدي نتيجة عملية إسرائيلية محكمة فقط، أم أن التقاعس السياسي، وفي مقدمته أداء وزارة الخارجية ووزيرها يوسف رجي، كان شريكاً في فتح الطريق أمام عملية التهريب؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|