الذهب بين الصعود والهبوط: إلى أين يتجه؟
شهد الذهب مؤخراً تقلبات حادة بين ضغوط السياسة النقدية الأميركية والعوامل الجيوسياسية الخارجية. فبعد أن فقد المعدن الأصفر أكثر من ربع قيمته مقارنة بذروته المسجَّلة نهاية شهر كانون الثاني من العام الحالي عند نحو 5600 دولار للأونصة، ازدادت الضغوط عليه مع تمسك الاحتياطي الفدرالي بسياسة نقدية متشددة، وارتفاع الدولار وعوائد السندات الأميركية، ما قلّص جاذبية الذهب الاستثمارية.
في المقابل، تلقّى الذهب دعماً مؤقتاً من التطورات الجيوسياسية، وتحديداً من الاتفاق الذي أُبرم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إضافة إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية للمعدن النفيس. وبين الحدثين تاه صغار المستثمرين بين مَن أقدم على بيع الذهب خوفاً من تسجيله مزيداً من التراجع وبين مَن سارع لشرائه تمهيداً لتحقيق مكاسب ماليّة على المديين المتوسط والبعيد. والسؤال أين يتّجه الذهب في المرحلة المقبلة؟
بين الارتفاع والانخفاض
أيام قليلة فصلت بين قفزة الذهب واستئناف مساره الإنحداري. فقد ارتفعت أسعار الذهب بنسبة تجاوزت 2 في المئة منذ أيام قليلة مدعومة بتوقيع اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، ما عزز الإقبال على المعدن الأصفر، قبل أن تعاود التراجع بعد ساعات عقب قرار المجلس الاتحادي الفدرالي بشأن الفائدة.
حدثان مختلفان دفعا أسعار الذهب باتجاهين معاكسين. جاء ارتفاع السعر عقب الاتفاق الأميركي الإيراني رغم استمرار التوقعات برفع أسعار الفائدة الأميركية مستقبلاً، إذ اعتبر محللون أنَّ هذه التوقعات كانت محسوبة مسبقاً في الأسواق. ومع ذلك، استمرت النظرة العامة للذهب بالميل نحو الهبوط ما لم يطرأ تغيير جوهري على مسار السياسة النقدية الأميركية.
وبعد مرور قرابة 24 ساعة على الاتفاق الأميركي الإيراني الذي ساهم بتهدئة المخاوف التضخمية، تراجعت أسعار الذهب بشكل حاد تحت ضغط إشارات متشددة من الفدرالي الأميركي وصعود الدولار، ما أفقد المعدن النفيس جميع مكتسباته المحقّقة مؤخراً.
وجاء هبوط الذهب بعدما حذف الفدرالي من بيانه أيّ إشارات توحي بخفض الفائدة قريباً، ما عزز توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة. وأدّى ذلك إلى ارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، وهو ما قلّل جاذبية الذهب كملاذ استثماري وأداة للتحوّط من التضخم.
ويتم تداول الذهب حالياً منخفضاً بنحو 26 في المئة عن أعلى مستوى سجله خلال العام، والذي بلغه في نهاية شهر كانون الثاني الفائت، عندما سجّل سعر الأونصة مستوىً قياسياً تاريخياً.
عوامل مؤثرة
الاتجاهان المتعاكسان اللذان سلكهما الذهب الأسبوع الحالي، إنما يعكسان تذبذب الذهب بين اتجاه صاعد طويل الأجل وتصحيح هابط قصير الأجل، في ظل ضبابية الأفق حيال السياسة النقدية الأميركية من جهة، واستقرار الأوضاع الجيوسياسية والمسار التضخمي العالمي من جهة أخرى.
ويرتبط التراجع في أسعار الذهب بشكل أساسي بتوقعات أسعار الفائدة، إذ أنَّ ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة إلى مستويات مرتفعة، يعزّز احتمالات لجوء الاحتياطي الفدرالي إلى رفع الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول، وهو ما تم التأكيد عليه في الاجتماع الأخير للفدرالي.
كما تُعد عوائد سندات الخزانة الأمريكية، خصوصاً السندات قصيرة الأجل لعامين، مؤشراً دقيقاً على توجهات السياسة النقدية. ويعكس ارتفاع هذه العوائد قناعة الأسواق باستمرار النهج النقدي المتشدد، الأمر الذي يشكّل ضغطاً سلبياً على الذهب كونه أصلاً لا يُحقق عائداً.
وبشكل عام، يتأثر مسار الذهب حالياً ومستقبلاً بمجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها البيانات الاقتصادية ومستوى أسعار الفائدة، مع بروز تأثير سلبي واضح من بيانات سوق العمل الأمريكية، التي جاءت أقوى من المتوقع. في المقابل، يستمدّ الذهب دعمه من استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع الطلب في فترات التوتر، ما يدفع بعض المؤسسات الكبرى إلى ترجيح إمكانية وصوله إلى مستويات قياسية قد تبلغ 5400 دولار بنهاية العام الحالي.
ويظل الذهب حساساً لتقلبات الأسواق وتطورات التوترات الجيوسياسية المرتبطة بشكل مباشر بالسياسات الخارجية للولايات المتحدة.
توقعات المدى المتوسط والبعيد
على الرغم من ترجيح بعض المؤشرات استمرار الضغوط التصحيحية على الذهب في الأجل القصير، فإن عدداً من المؤسسات المالية العالمية لا يزال يتوقع عودة المعدن الأصفر إلى مساره التصاعدي، مع إمكانية بلوغه مستويات قياسية قد تصل إلى 5600 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026 والربع الأول من العام 2027. ويستند هذا التفاؤل إلى عوامل عدة، أبرزها ضعف الدولار على المدى الطويل، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب المخاوف المتعلقة بتباطؤ النمو العالمي وارتفاع معدلات التضخم.
وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي يتعرّض لها الذهب حاليّاً واحتمال استمرار التراجع على المدى القصير، فإن النظرة إلى المعدن النفيس تبقى إيجابية على المديين المتوسط والطويل، باعتباره أحد أهمّ أدوات التحوّط في مواجهة المخاطر الاقتصادية والمالية، وإذا ما عدنا إلى مستويات الديون العالمية والتضخم العالمي نلمس هشاشة متراكمة في الاقتصاد العالمي، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى التحوط بالمعدن الأصفر على المدى البعيد.
وعلى الرغم من إقبال عدد من الدول على بيع جزء من حيازاتها الذهبية، الأمر الذي يُقلق المستثمرين على المدى القريب، غير أنَّ بعض المؤسسات المالية العالمية مثل Goldman Sachs وJPMorgan Chase، لا تزال تراهن على تعافي أسعار الذهب وعودتها إلى مستويات تتجاوز 5400 دولار للأونصة خلال العام و5600 دولار عام 2027 وتستند جميعها إلى مخاوف متصاعدة بشأن تباطؤ الاقتصاد العالمي.
عزة الحاج حسن- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|