وقف النار قيد التفاوض... وإسرائيل تؤكد جاهزيتها لكل السيناريوهات
"مصيدة الفدرالية"... لماذا يرفض وليد جنبلاط ما يُدغدغ عواطف الطائفة؟
تستيقظ هواجس الأقليات في الشرق الأوسط مع كل منعطف تاريخي حاد، وتُبعث معها الطروحات القديمة-الجديدة التي تبحث عن “الأمان الجغرافي”. وفي السنوات الأخيرة، ومع استمرار الحراك الشعبي والسياسي في السويداء السورية، عاد مشروع “الفدرالية” وتقسيم لبنان إلى “كانتونات طائفية” ليطرح نفسه كخيار بديل صاخب، ومن بينها فكرة إنشاء 4 كانتونات: كانتون مسيحي، وكانتون شيعي، وكانتون سني، وكانتون درزي يحمي الخصوصية الوجودية لهذه الطائفة.
ورغم أن مشروع إنشاء كانتون درزي قد يغازل العواطف الجياشة ويبدو ملاذاً دافئاً للوهلة الأولى، إلا أن الموقف الحاسم للزعيم وليد جنبلاط جاء بالرفض القاطع. هذا الرفض لا يعبر عن مناورة سياسية عابرة، بل يمثل قراءة واقعية عميقة لرجل دولة يدرك تماماً أن العاطفة في السياسة قد تكون أولى خطوات الانتحار.
ففي حوار حول مذكّراته الصادرة باللغة الفرنسية في الجامعة اليسوعية، تطرق وليد جنبلاط إلى موضوع الفدرالية، وتساءل عن كيفية ربط قليعات في الجنوب بالقبيات في الشمال مثلاً، معتبراً أن اللبنانيين متداخلون ومتشابكون في كل المناطق، ولذلك فإن هذا الطرح عبثي ولا يمكن أن ينجح.
الجغرافيا السياسية: سجن الكانتونات المخنوقة
في سياق تفسير هذا الموقف الجازم، توقف جنبلاط عند “عبثية” الطرح الفدرالي في لبنان من زاوية جغرافية وديموغرافية بحتة. ويرى جنبلاط أن تعقيدات نسيج المجتمع اللبناني تجعل من التقسيم الجغرافي أمراً مستحيلاً.
إن هذا التداخل الديموغرافي ينسف أساس أي “كانتون مغلق” من منظور جنبلاط. فالدروز والمسيحيون وغيرهم ليسوا كتلًا بشرية متصلة جغرافياً، بل هم جزر ديموغرافية متداخلة. وأي محاولة لبناء أسوار تعني ببساطة تحويل مجتمعات الأقليات إلى “غيتوهات” (Ghettos) معزولة، فاقدة للعمق الاستراتيجي وللمقومات الاقتصادية الحيوية من مياه ومساحات زراعية ومنافذ بحرية.
الفدرالية الإثنو-جغرافية: مصيدة شلل الحياة اليومية والصراعات الدموية
إن خطورة مشروع “الفدرالية الإثنو-جغرافية” تتجاوز العزل لتصل إلى تهديد الوجود اليومي للأقليات. فعند تفتيت الدولة إلى كانتونات عرقية أو طائفية، تتحول الأقليات الموجودة في مناطق ذات أكثريات مغايرة إلى أهداف سهلة ومكشوفة، وتصبح رهينة للمزاج السياسي أو الأمني السائد في محيطها.
علاوة على ذلك، فإن هذا الفرز يجعل “العيش المشترك” ضرباً من المستحيل، إذ ستتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى حقل ألغام يتطلب تسويات ومفاوضات شاقة ومستمرة بين الكانتونات. من أصغر حادث سير عابر على حدود “إقليم”، إلى أبسط مقومات البنية التحتية كإمدادات الكهرباء وتمديد شبكات المياه، وصولاً إلى المعضلة الأكبر، وهي كيفية تقاسم ثروات الدولة ومواردها الطبيعية.
هذا التعقيد الإداري والمعيشي لن يقود إلى الاستقرار، بل سيخلق بيئة خصبة لشلل الحياة اليومية وصراعات دموية مستدامة، تدفع ثمنها الأقليات التي ستجد نفسها محاصرة بلا عمق أو حماية.
الإرث التاريخي: الحماية في الدولة لا في العزلة
تاريخياً، يرتكز الفكر الجنبلاطي على عقيدة واضحة: حماية المكونات الصغيرة لا تأتي عبر بناء الأسوار، بل عبر بناء الجسور. فالانخراط في الدولة المدنية المركزية، والتمسك بهوية لبنان العربية، هما خط الدفاع الأول عن الوجود الدرزي والوطني. ويرى جنبلاط أن الفدرالية في بلد كلبنان ليست تنظيماً إدارياً متطوراً، بل هي قناع تجميلي لمشروع “التقسيم” والفرز الطائفي البغيض، الذي يعيد إنتاج الحروب الأهلية بصيغ جديدة.
الرسالة إلى السويداء: العروبة هي الملاذ
لا ينفصل موقف جنبلاط اللبناني عن نظرته إلى الأحداث في سوريا، وتحديداً في السويداء. فالرفض الحازم لـ”الكانتون” في لبنان هو رسالة سياسية إلى أبناء طائفته في المقلب الآخر من الحدود: إن مستقبلكم ومصيركم مرتبطان بوحدة سوريا ومحيطها العربي.
إن الانجرار وراء مشاريع “الإدارة الذاتية” أو الطروحات الانفصالية في سوريا قد يبدو حلاً مؤقتاً لغياب الدولة، لكنه على المدى الطويل يضع الدروز في مواجهة دموية ومفتوحة مع محيطهم، ويجعلهم ورقة تفاوض بيد قوى إقليمية ودولية قد تبيعهم وتشتري بهم في أول تسوية كبرى.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|