الصحافة

حين يصبح النكد السياسي بديلاً عن مواجهة الحقيقة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في لحظة تُعدّ من أخطر اللحظات التي يمرّ بها لبنان منذ عقود، حيث لا يزال الجنوب يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي والتدمير الممنهج، وحيث تواجه الدولة اللبنانية تحديات وجودية تتعلق بسيادتها وقدرتها على استعادة قرارها الوطني، يبدو أن التيار الوطني الحر اختار أن يخوض معركة مختلفة تمامًا عن المعركة التي يفترض أن تشغل بال اللبنانيين اليوم.

فالتيار يقدّم نفسه في موقع المعارضة لرئاسة الجمهورية والحكومة، وهو حقّ مشروع في أي نظام ديمقراطي. لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ المعارضة، بل في طبيعتها وأولوياتها. إذ تبدو هذه المعارضة أقرب إلى النكد السياسي منها إلى المعارضة المسؤولة التي تضع الإصبع على الجرح الحقيقي وتواجه الأسباب الفعلية للأزمة الوطنية التي يعيشها لبنان.

في وقت ينتظر فيه اللبنانيون مواقف واضحة من القوى السياسية تجاه الواقع الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه، يواصل التيار الوطني الحر سياسة المراوغة حيال حزب الله. فلا هو قادر على الدفاع صراحة عن الخيارات التي أدت إلى جرّ لبنان نحو الحروب والدمار والعزلة، ولا هو مستعد لتحميل الحزب المسؤولية السياسية الواضحة عن النتائج التي ترتبت على مشروعه طوال السنوات الماضية. وبدل مواجهة هذه الحقيقة، يفضّل التيار فتح معارك داخلية جانبية تستنزف النقاش العام وتُلهي الرأي العام عن القضايا المصيرية التي تحدد مستقبل البلاد.

ويبرز التناقض أكثر في الخطاب الذي يعتمده التيار اليوم بشأن الدعوة إلى الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية كمدخل لمعالجة مسألة السلاح. فالسؤال الطبيعي هنا: أين كان هذا الطرح عندما كان التيار يتولى رئاسة الجمهورية طوال ست سنوات؟ وأين كانت الدعوات الجدية إلى حوار وطني حول هذا الملف عندما كانت السلطة بين يديه؟

فاللبنانيون لا ينسون أن عهد الرئيس ميشال عون لم يشهد أي مبادرة فعلية لإطلاق حوار وطني حول الاستراتيجية الدفاعية، بل إن مطلب حزب الله يومها كان وقف النقاشات المرتبطة بهذا الملف، وهو ما حصل عمليًا. أما اليوم، وبعد الخروج من السلطة وتبدّل الظروف السياسية، عاد التيار لرفع شعار الحوار حول السلاح وكأن القضية وُلدت للتو أو كأن السنوات الست الماضية لم تكن فرصة كافية لمعالجتها.

إن المصداقية السياسية تقتضي من التيار أن يشرح للبنانيين سبب صمته السابق قبل أن يطالب الآخرين اليوم بما امتنع هو نفسه عن القيام به عندما كان في موقع القرار. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُستخدم كشعارات ظرفية تتبدل بتبدل المواقع السياسية، بل تُقاس بمدى الثبات عليها عندما يكون ثمنها سياسيًا لا عندما تصبح وسيلة للتموضع وإعادة التموضع.

أما السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم، فليس حول أداء الحكومة في هذا الملف أو ذاك، بل حول كيفية إنقاذ الدولة اللبنانية واستعادة سيادتها وإخراج لبنان من دوامة الحروب المفتوحة. وهذه معركة تستوجب تضافر الجهود خلف مؤسسات الدولة لا إضعافها، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ومن هنا، فإن الأجدى بالتيار الوطني الحر أن يضع خلافاته السياسية الثانوية جانبًا وأن يساند رئيس الجمهورية والحكومة في مواجهة التحديات الوطنية الكبرى، بدل الانخراط في سجالات داخلية لا تغيّر شيئًا في الواقع الذي يعيشه اللبنانيون ولا تقدّم أي حلول للأزمات المتراكمة.

والأهم أن التيار لا يستطيع أن يتصرف وكأنه مراقب محايد لما آلت إليه الأوضاع. فهو كان الشريك السياسي الأبرز لحزب الله طوال سنوات، وشكّل الغطاء المسيحي لمشروعه السياسي والاستراتيجي، كما كان في صلب السلطة خلال المرحلة التي يعتبرها كثير من اللبنانيين من أكثر مراحل الجمهورية فشلًا وانهيارًا على المستويات المالية والاقتصادية والسياسية والمؤسساتية.

لذلك، فإن من يتحمل جزءًا أساسيًا من مسؤولية الخيارات التي أوصلت لبنان إلى هذا الواقع لا يمكنه أن يتصرّف وكأنه خارج المشهد أو بريء من نتائجه. فالمراجعة الصادقة تبدأ بالاعتراف بالمسؤوليات قبل توزيع الاتهامات على الآخرين، وتبدأ بمواجهة الحقائق لا بالهروب منها.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المعارك الجانبية ولا إلى معارضة هدفها تسجيل النقاط السياسية. لبنان يحتاج إلى وضوح في المواقف، وإلى شجاعة في مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة، وإلى قوى سياسية تضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الحزبية الضيقة. أما الاستمرار في تجاهل أصل المشكلة والانشغال بفروعها، فلن يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة وتعميق الخسائر التي يدفع اللبنانيون ثمنها كل يوم.

 

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: زخيا زغيب

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا