تجفيف اقتصاد الكاش... لماذا لا يكفي وحده؟
تآكُل الثقة بالنظام المصرفي جراء الانهيار والعقوبات الدولية على منظمات وأفراد، أدّى إلى نمو الـ cash economy في لبنان، وهو ما استدعى ضغوطاً خارجية لإقرار قوانين لمعالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف بغية ضبط التدفق النقدي غير المنظم، درءا لتمويل أنشطة "حزب الله". الضغوط أخفقت عمليا حتى اليوم بسبب تعارضها مع مصالح من يصنعون القوانين، والعقوبات استتبعت وتوسّعت، وإسرائيل دمّرت بنية الحزب المالية الملموسة (القرض الحسن).
إلا أنّ التحوّلات في بنية النظام المالي العالمي حالت دون تقييد التمويل بفاعلية. فتصاعد تداول العملات الرقمية وبخاصة بعد العقوبات على إيران وروسيا، قلّص الاعتماد على الدولار. صارت التحويلات تتم عبر قنوات تشفيرية يصعب تنظيمها ومراقبتها. بهذا المعنى، لم يعد تجفيف اقتصاد الكاش وحده ينفع لبنانيا لدرء الحزب.
تقويض الشبكات المالية البديلة التي تتحدى النظام المالي القائم على مركزية الدولار، يشكل أحد الأسباب غير المباشرة للحرب على إيران. ومرونة أسعار البيتكوين في المرحلة الأخيرة التي شهدت تقلبات قصيرة الأمد مرتبطة بالأحداث الإخبارية، مع دورات هبوطية تليها انتعاشات سريعة عند تدفّق سيولة جديدة أو تراجع التوتر، عكست ازدواجية دور BTC كأصل مخاطِر وجزء من استراتيجيات التحوط.
من الملاحظ أنه مع تشديد العقوبات وقيود التدفقات المصرفية ارتفعت أحجام التداول على منصات P2P داخل إيران، وسجلت العملات المستقرة علاوات على الأسعار العالمية. فقد برزت فروق سعرية إقليمية تُشير إلى تحويل جزء من المدفوعات والتبادل التجاري إلى قنوات تشفيرية، وهو ما ظهّر أكثر نظاما ماليا رقميا ومشفرا خارج الرقابة والعقوبات، فازدادت تعقيدات جهود الضبط المالي والرقابي.
بالفعل، تكرّست قنوات الدفع البديلة وسلوك منظم شبه دائم في تحويل القيم بالتشفير. وأضحى درء الاقتصاد الموازي يتطلب استجابة تنظيمية دولية منسقة، بتعزيز قدرات رصد السلاسل (on chain analytics) وتشديد متطلبات الامتثال لدى منصات التداول الكبرى. ترياق يتطلب تعاونا دولياً واسعاً غير متاح حالياً، لا سيما في ظل سياسات أجّجت الانقسامات.
تجفيف الكاش ما عاد كافياً وحده لدرء أنشطة لاعبين لا يمتثلون. فمواجهة تدفق التمويل المرتبط بالشبكات المشفّرة، تتطلب أكثر من سياسات حكومة أو مصرف مركزي، وتفترض استجابات تنظيمية دولية منسّقة. فهل تنهي تداعيات الحرب على إيران نزق الأحادية وتفعّل التعاون الدولي لدرئه، أو أننا صرنا أمام مرحلة جديدة بقواعد نفوذ مختلفة؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|