الصحافة

كيف صاغ النواب قانون العفو العام؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

العفو العام الذي يندفع مجلس النواب لإقراره قبل عيد الأضحى ليس قانوناً تقنياً لتصحيح خلل قضائي فحسب، بل هو مرآة تعكس أزمة الدولة اللبنانية بكل تعقيداتها. الصيغة التي خرجت من اللجان النيابية المشتركة بعد نقاشات مستفيضة ومعلنة وغير معلنة، لا تُقرأ كمواد قانونية مجردة، بل كخريطة توازنات سياسية وطائفية وأمنية رسمتها قوى المجلس وهي تحاول تجنّب الانفجار دون أن تمتلك جرأة الحل الجذري.

جوهر النص الذي تم التوصل إليه يقوم على معادلة تراعي التوازنات الداخلية: عفو واسع من حيث المبدأ، مقيّد بلائحة استثناءات طويلة من حيث التطبيق. المشرّع أراد أن يمنح تصفيراً جزئياً لملفات متراكمة منذ سنوات، فأسقط الدعوى العامة والعقوبات عن الجرائم المرتكبة قبل مهلة محددة، لكنه في الوقت نفسه رسم خطوطاً حمراء واضحة لا يمكن تجاوزها. هذه الخطوط تكشف ما تخشاه الدولة على نفسها أكثر مما تكشفه عن فلسفتها في العدالة.

الاستثناء الأول والأوضح يتعلق بكل ما يمس الأمن القومي المباشر. فالجرائم المحالة على المجلس العدلي، والقتل العمد، والأعمال الإرهابية التي استهدفت المدنيين والعسكريين. الرسالة هنا لا تحتمل التأويل. العفو ليس مظلة للمصالحة مع من حمل السلاح ضد الدولة أو مواطنيها. الاستثناء الثاني مالي وسيادي بامتياز، إذ أُخرجت من دائرة العفو جرائم الفساد وتبييض الأموال والتعدي على الأملاك العامة للدولة والبلديات. في بلد منهار مالياً، لم يعد ممكناً تسويق أي عفو يمرر صفحة النهب المنظم. هذا الاستثناء موجه للداخل اللبناني كما للخارج الدولي الذي يراقب أي إشارة على الإفلات من المحاسبة.

أما الاستثناء الثالث فهو الأكثر دلالة سياسياً واجتماعياً، ويتعلق بملف المخدرات. هنا لجأ المشرّع إلى تفصيل دقيق يفرّق بين تكرار الاتجار، الذي أبقاه مجرّماً ومستثنى من العفو، وبين زراعة المواد المخدرة التي شملها. هذه التفرقة لا يمكن فهمها إلا في سياق الخارطة اللبنانية. فهي محاولة لموازنة مطلب أمني بملاحقة شبكات الترويج، مع واقع اجتماعي واقتصادي لمناطق كاملة تعتبر الزراعة مصدر رزق وحيداً. العفو هنا يتحول إلى أداة سياسة اجتماعية أكثر منه نصاً جزائياً.

النقطة التي فجّرت النقاش داخل اللجان وخارجها هي ملف الموقوفين الإسلاميين. الاعتراض الذي رفعته هيئة رعاية السجناء في دار الفتوى لخّص المأزق: كيف يمكن تبرير شمول فئات معينة بالعفو بينما يُستثنى موقوفون أمضوا سنوات في السجون دون محاكمات، وبعضهم موقوف بسبب رأي أو منشور؟ هذا السؤال لم يبقَ حبيس القاعات، بل نزل إلى الطرقات التي قُطعت في أكثر من منطقة. اللجان حاولت امتصاص هذا الغضب عبر مادة قانونية تعالج التوقيف الاحتياطي الذي تجاوز كل المهل المعقولة، وتقضي بإخلاء سبيل من أمضى في السجن مدةً طويلة من دون صدور حكم. هذه المادة تحديداً هي اعتراف رسمي واضح بتعطل العدالة، والأسباب الموجبة للقانون لم تُخفِ ذلك حين تحدثت عن أزمات سياسية متلاحقة، وشغور في الرئاسة، وتعطيل في التعيينات، وحروب متكررة، أدت كلها إلى أزمة إنسانية في السجون.

لذلك فإن مفاعيل هذا العفو لا تُقاس بعدد من سيخرجون من السجن، بل بطبيعة الرسائل التي يبعثها. على المستوى القضائي، هو محاولة يائسة لتخفيف اكتظاظ السجون وإعادة الاعتبار لمبدأ أن الحرية هي الأصل والتوقيف هو الاستثناء. لكنه محاولة تأتي متأخرة، وبعد أن تحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة فعلية تُنفّذ قبل الحكم. على المستوى السياسي، قد ينجح القانون في شراء هدنة اجتماعية مؤقتة قبيل العيد، ويخفف الاحتقان في الشارع. لكن كلفته أنه يكرّس الشعور بالاستنسابية. فكل استثناء يضعه القانون يُقرأ في الشارع المقابل على أنه استهداف. اتهام "العدالة الطائفية" سيبقى السلاح الأقوى بيد المعترضين.

أما على المستوى الأوسع، فإن توقيت الدفع بهذا الملف، والإصرار على إنجازه الآن، يضعه في خانة التسويات الكبرى التي عرفها لبنان في محطات التحول. البعض يرى فيه استجابة لضغوط خارجية تتعلق بسجناء غير لبنانيين، فيما يراه آخرون محاولة داخلية لتنفيس احتقان قد ينفجر مع أي شرارة. في الحالتين، هو ليس فعل سيادة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا