حاربوا الحريري لأنه حمل العفو بالإنصاف
منذ اللحظة الأولى، كان الرئيس سعد الحريري سبّاقًا في طرح قانون العفو العام وتبنّيه، واضعًا إياه في صلب النقاش السياسي والإنساني كقضية عدالة وإنصاف، لا كشعار عابر أو ورقة ظرفية. فالحريري لم يقترب من هذا الملف متأخرًا، ولم يتعامل معه من بعيد، بل حمله أمام الناس، وربطه بكرامة طرابلس والشمال، واستقبل أهالي الموقوفين، وكلّف نوابه بمتابعته، وخاض معركة سياسية في مجلس النواب دفاعًا عن عفو عادل يرفع الظلم ويعطي كل صاحب حق حقه.
الحقيقة واضحة: سعد الحريري كان مع العفو العام، وبقوة. لكنه كان مع عفو عادل، لا مع عفو مفخخ. مع عفو يرفع الظلم، لا مع بازار سياسي يخلط المظلوم بالمجرم، والملف الإنساني بالصفقات الطائفية. كان يريد قانونًا “يعطي كل صاحب حق حقه”، لا قانونًا تصنعه المزايدات وتدفنه الحسابات.
منذ البداية، فهم الحريري أن ملف الموقوفين الإسلاميين وموقوفي أحداث طرابلس والشمال ليس ملفًا عاديًا. خلفه عائلات، وأمهات، وآباء، وشبان قضوا سنوات في السجون بين محاكمات بطيئة وأحكام قاسية وملفات تداخل فيها الأمن بالسياسة. لذلك لم يتعامل معه كورقة انتخابية، بل كقضية ظلم يجب أن تُفتح بشجاعة.
في طرابلس والمنية والضنية وعكار، لم يكن العفو شعارًا. كان وجعًا يوميًا. وكان الحريري يعرف أن جمهور الشمال لا يريد خطابات فارغة، بل إنصافًا حقيقيًا لأبناء شعر كثيرون أنهم دفعوا ثمن ظروف سياسية وأمنية أكبر منهم. لذلك قالها بوضوح: المطلوب عفو عادل. لا تبرير للجريمة، لكن لا قبول أيضًا بأن يبقى مظلوم خلف القضبان لأن السياسة أقوى من العدالة.
وعندما حاول الخصوم تشويه موقفه، لجأوا إلى الكذبة الأسهل: قالوا إن العفو يعني إطلاق مجرمين. هنا كان رد الحريري حاسمًا. رفض هذا التصوير، وأكد أن الهدف ليس إطلاق المجرمين، بل إنصاف من وقع عليهم الظلم. هذه هي النقطة التي يريد البعض طمسها: الحريري لم يدافع عن الجريمة، بل دافع عن العدالة. لم يحمِ الخارجين عن القانون، بل وقف بوجه من أراد تحويل القانون إلى أداة انتقام وانتقائية.
أما في ملف عبرا والشيخ أحمد الأسير، فكانت الصورة أكثر حساسية وتعقيدًا. ومع ذلك، لم يهرب الحريري من الملف. وسط مناخ سياسي وأمني خانق، رأى أن هناك شبانًا زُجّوا في السجون، وأن ملفات كثيرة امتلأت بالثغرات والالتباسات، وأن الحقيقة لم تُترك لتأخذ مداها الطبيعي تحت ضغط السلاح والنفوذ وموازين القوى. ولو كان الحريري مقتنعًا بأن هؤلاء الشبان تعمّدوا استهداف الجيش اللبناني، لما اقترب من الملف أصلًا. لكنه اقترب لأنه رأى ظلمًا، ورأى محاكمات انتقائية، ورأى أن هناك من يريد دفن الحقيقة مع أصحابها داخل السجون.
من هنا، لم يكن العفو في ملف عبرا تنازلًا ولا اعترافًا بالذنب، بل كان محاولة لإنقاذ شبان تحوّلوا إلى رهائن في لعبة أكبر منهم. كان محاولة لفتح كوة في جدار مسدود، بعد أن تحوّلت بعض الملفات إلى أحكام سياسية بلباس قضائي. والحريري، في هذا كله، لم يكن يتحدى الدولة، بل كان يطالب بدولة عادلة لا تكيل بمكيالين.
بعد انتخابات 2018، سقطت أيضًا كذبة أن العفو كان وعدًا انتخابيًا وانتهى. الحريري تابع الملف، استقبل لجان الأهالي، ودفع نواب تيار المستقبل إلى ملاحقته. رولا الطبش تحركت بتكليف منه. سمير الجسر قال من طرابلس إن كثيرين تعرضوا لتحقيقات وأحكام ظالمة، وإن وعد الحريري لم يكن “سلعة انتخابية”. هذه وقائع، لا انطباعات. ومن يريد تزوير التاريخ، عليه أولًا أن يمحو كل هذه المحطات.
لكن عندما وصل القانون إلى مجلس النواب، ظهر الوجه الحقيقي للطبقة السياسية. الملف الذي بدأ إنسانيًا تحوّل إلى سوق سوداء سياسية. كل طرف أراد إدخال جماعته، واستثناء خصومه، ورفع سقفه، وبيع جمهوره خطابًا شعبويًا. أُدخلت ملفات العملاء الفارين إلى إسرائيل، والمخدرات، وفئات أخرى، فتحوّل العفو من مشروع إنصاف إلى حلبة مقايضة رخيصة.
هنا لم يساوم الحريري. لم يقبل أن يكون شاهد زور. لم يقبل أن يُستخدم اسم العفو لدفن المظلومين مرة ثانية. وعندما لمس أن هناك من يريد إعادة النقاش إلى نقطة الصفر، انسحبت كتلة المستقبل. هذا الانسحاب لم يكن ضد العفو، بل كان ضد تزوير العفو. كان موقفًا واضحًا ضد صيغة ناقصة، وضد مسار يريد تحميل الحريري المسؤولية ثم منعه من تحقيق النتيجة.
لذلك، يجب قولها بلا مواربة: سعد الحريري لم يسقط قانون العفو العام. الذين أسقطوه هم الذين حوّلوه إلى مقايضة، والذين خافوا من إنصاف الموقوفين، والذين أرادوا استخدام الملف لضرب الحريري أمام جمهوره. أسقطه من أدخلوا عليه حسابات لا علاقة لها بالعدالة. أسقطه من أرادوا عفوًا على قياس مصالحهم، لا على قياس المظلومين.
هكذا تُقرأ خلاصة موقف سعد الحريري من قانون العفو العام: لم يكن متفرجًا ولا ملتحقًا، بل كان سبّاقًا في حمل الملف حين تهرّب غيره، ومدافعًا عن الموقوفين حين تحوّلوا إلى مادة ابتزاز، وحريصًا على ألا يتحول القانون إلى صفقة مشوهة.
كان الحريري مع العفو، لكن مع العفو العادل؛ مع إنصاف موقوفي طرابلس والشمال وعبرا، لا مع عفو يُفصَّل في غرف المقايضة أو يضيّع أصحاب الحق بين الشعبوية ومصالح الكتل.
معركته كانت مع من أرادوا قتل العفو من الداخل: أرادوه صفقة، فأراده إنصافًا؛ أرادوه فخًا، فأراده بابًا لإقفال الجراح. والحقيقة واضحة: سعد الحريري كان في صف العفو العادل، وفي صف المظلومين، وفي صف طرابلس والشمال.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|