قمّة بكّين: شي نصب مصيدة ” ثيوسيديدس” لترامب؟
قبل نحو خمسة وعشرين قرناً، رصد المؤرّخ اليونانيّ ثيوسيديدس حرباً استمرّت سبعة وعشرين عاماً دمّرت أثينا وأضعفت إسبارطة وأسقطت العالم اليونانيّ كلّه في أتون حرب لا تنطفئ. يتلخّص مفهوم ثيوسيديدس في جملة مفتاحيّة مفادها أنّ صعود أثينا، والخوف الذي زرعه في إسبارطة، هو ما جعل الحرب حتميّة.
تحوّلت هذه الجملة لاحقاً إلى مدخل لفهم حتميّة الحروب بين القوى الصاعدة والقوى الراسخة، واستعادها المفكّر الاستراتيجيّ غراهام أليسون في كتابه “محكوم بالحرب: هل يمكن لأميركا والصين تجنّب مصيدة ثيوسيديدس؟” بعدما درس 16 حالة انطبقت عليها هذه المعايير على مدى 500 عام، واتّضح أنّ الحرب اندلعت في 12 منها. تحوّلت “مصيدة ثيوسيديدس” إلى عدسة يقرأ من خلالها الأكاديميّون وصانعو القرار الأميركيّ صعود الصين.
في لقاء القمّة بين الرئيسين الأميركيّ والصينيّ في قاعة الشعب في بكّين، استحضر شي جين بينغ نبوءة ثيوسيديديس أمام دونالد ترامب. ربّما ارتأى أن يلقي درساً في التاريخ على ضيفه غير المعروف بثقافته الواسعة، لكنّ الرسالة التي وصلت كانت تقول بالتأكيد: نحن نعرف أنّنا يمكن أن نقع معاً في المصيدة، لكن هيّا نختار معاً ألّا نقع فيها.
اللافت أنّ الزعيم الصينيّ استدعى مؤرّخاً يونانيّاً في قلب استعراض بصريّ كثيف للحضارة الصينيّة ولم يستدعِ المنظّر الأشهر للحرب في التراث الصينيّ، سون تزو، في لحظة يوشك فيها مأزق خصمه الأميركيّ في إيران أن يتحوّل إلى خسارة استراتيجيّة، كما حذّر روبرت كاغان في “ذا أتلانتيك” عندما قال إنّ إيران تقول لأميركا “كش ملك”.
لكنّ غياب سون تزو عن الكلام لا يعني غيابه عن العقل. كان ثيوسيديدس اللغة التي خاطب بها شي الأميركيّين. أمّا سون تزو فكان المنطق الصامت لإدارة الغموض: أن تترك الخصم يسيء قراءة موقعه، وأن تكتب نصّاً يكفي لطمأنته ولا يكفي لتقييدك.
غموض البيان: سلّم أم فخّ؟
حين انتهت الجلسة خرج البيانان ليقولا إنّ مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً وإنّ إيران لن تمتلك سلاحاً نوويّاً. لكنّ ما لم يُقَل في تلك القاعة أخطر ممّا قيل. اتّفق البيانان على المبدأ وتركا الآليّة معلّقة. لم يقرّرا كيف يفتح هرمز، ولا هل يعني عدم امتلاك إيران سلاحاً نوويّاً بالضرورة تفكيك برنامجها النوويّ، ولا ما هي التبعات إن بقيت إيران تتحدّى.
تقول بكّين ضمناً إنّها لن تتدخّل لإنقاذ أحد من مأزقه، وتفضّل أن تُحلّ المسائل بالطرق الدبلوماسيّة، وأن تحدّد منهج العلاقة المستقبليّة مع الولايات المتّحدة بناء على “الاستقرار الاستراتيجيّ البنّاء”.
لكن هل يعني هذا الكلام أنّ الصين بصدد إهداء ترامب مبادرة دبلوماسيّة تفكّ الجمود المستعصي في مسار إسلام آباد التفاوضيّ أم تتركه يفسّر الاتّفاق المبهم كما يحلو له فيدخل وحده إلى المصيدة؟
إذا كانت بكّين تفتح باب التسوية، فهي ترسم بهدوء ملامح عالم لا تستطيع واشنطن أن تدير أزماته الكبرى وحدها، وإذا كانت تنصب فخّ الغموض، فهي تترك ترامب أمام مأزق التصعيد: جولة عسكريّة ناجحة ميدانيّاً، فاشلة استراتيجيّاً، تستدعي جولة أخرى لا تقلّ إبهاراً في نتائجها العسكريّة، لكنّها لا تنتج الحلّ السياسيّ المطلوب. عندها تغرق القوّة المهاجمة في حرب لا تنهيها، أو تقبل بهزيمتها.
لا تعني الهزيمة هنا أن تسقط واشنطن عسكريّاً أمام طهران. يكفي ألّا تستطيع كبح جماحها. يكفي أن تسمح لها بالتصرّف كقوّة تعطيل إقليميّة قادرة على ابتزاز الاقتصاد العالميّ من بوّابة الطاقة. بهذا المعنى، تكون إيران قد تعلّمت درساً ثيوسيديدسيّاً خاصّاً بها: ليس على الطرف الأضعف أن ينتصر كي يغيّر موازين النفوذ، إذ يكفيه أن يصمد ويمنع الأقوى من إعلان انتصاره.
كاغان يرثي الإمبراطوريّة
هذا ما يعيدنا إلى مقالة روبرت كاغان الاستثنائيّة في أهمّيّتها. الرجل هو أحد أهمّ منظّري مشروع القرن الأميركيّ الجديد، والمهندس العقائديّ للتدخّل العسكريّ الذي شكّل سياسة واشنطن في الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين، وحين كتب قبل أربعة أيّام من زيارة ترامب لبكّين أنّ إيران حشرت الولايات المتّحدة في خانة “اليك” وهي تقول لها “كش ملك”، فهذا يتجاوز مرحلة النقد التكتيكيّ ويشكّل نعياً صريحاً لمرحلة كاملة من الأحاديّة الأميركيّة في الشرق الأوسط.
“لن تكون ثمّة عودة إلى ما قبل”، يقول كاغان، “لا انتصار أميركيّاً يمحو الضرر… وإذا لم يكن هذا كش ملك فهو قريب منه”. نادراً ما يكتب منظّرو الحروب مرثيّة مشروعهم قبل أن تنتهي الحرب نفسها!
لكنّ كاغان، على أهميّة تشخيصه، يقف عند نصف الحقيقة. أمّا النصف الآخر فهو أنّ الحرب على إيران كانت، في أحد أبعادها الاستراتيجيّة الأعمق، محاولة لاحتواء صعود الصين من الخاصرة الطاقويّة.
كانت إيران الخاضعة ستعني هرمز مفتوحاً بشروط واشنطن، ونفطاً خليجيّاً تحت المظلّة الأميركيّة، وسوق طاقة أقلّ قدرة على تغذية الصعود الصينيّ خارج الرقابة الأميركيّة. كان ترامب يريد أن يقول لشي، عبر إسقاط طهران، إنّه هو من يمسك بمفاتيح الطاقة التي تحرّك مصانع الصين، لكنّ الرسالة فشلت قبل أن يصل ترامب إلى بكّين.
من تطويق الصّين إلى الحاجة إليها
كان الهدف من الحرب أن تحتاج الصين إلى واشنطن، لكنّ ما حدث هو أنّ واشنطن هي التي احتاجت إلى بكّين. لم يذهب ترامب إلى شي من موقع مَن فرض الوقائع، بل من موقع مَن يحتاج إلى غطاء أو مخرج أو شريك في إدارة التعثّر. لذلك لم يكن البيان عن هرمز والنوويّ الإيرانيّ إعلاناً عن تفاهم مكتمل، بل نصّ مفتوح يقرؤه كلّ طرف كما يريد.
يستطيع ترامب أن يعود إلى واشنطن ويقول إنّ الصين انضمّت عمليّاً إلى السقف الأميركيّ. يستطيع شي أن يقول إنّه أعاد واشنطن إلى لغة الاستقرار الاستراتيجيّ ومنع الحرب من التحوّل إلى فوضى عالميّة. أمّا طهران فتجد نفسها أمام نصّ لا يعلن الحرب عليها، لكنّه لا يحميها منها أيضاً.
هنا يتقدّم سون تزو في منطق شي، فالحرب ليست أن تسحق خصمك، بل أن تتركه يخطئ في قراءة موقعه. إذا قرأ ترامب البيان الصينيّ كضوء أخضر للتصعيد، يكون شي قد تركه يسير وحده نحو المستنقع. وإذا قرأه كممرّ دبلوماسيّ، تكون بكّين قد جعلت نفسها وسيطاً لا تُحلّ الأزمة من دونه. في الحالتين، تحاول الصين تقليل كلفتها وتعظيم موقعها، فإن صعّد ترامب، غرقت واشنطن أكثر، وإن فاوض، ثبت أنّ طريق الخروج يمرّ عبر بكّين.
إيران: عبء أم شريك؟
أمّا إيران فعليها الآن أن تفهم ما بين السطور. الصين تريدها ورقة لا عبئاً استراتيجيّاً، فهي لا تريدها نوويّة تستجلب حرباً كبرى، ولا تريدها مكسورة تفتح النفوذ الأميركيّ على وسط آسيا. هذه هي الأوهام التي أقنعت طهران نفسها بها عندما تعاملت مع الصين كأنّها حليف عقائديّ لا شريك مصلحيّ.
لم تعِد بكّين إيران يوماً بأنّها ستموت معها في مياه هرمز، وأقصى ما قدّمته كان شراء النفط وتوفير هوامش التفاف على العقوبات وغطاءً سياسيّاً محدوداً حين لا يهدّد ذلك مصالحها الكبرى. أمّا حين أغلقت إيران المضيق، فهي لم تضرب الأميركيّ بقدر ما ضربت المستورد الصينيّ وسلاسل التوريد الصينيّة. من يضرب شريان حليفه لا يحقّ له أن يُفاجأ حين يذهب الحليف إلى ترتيبات مع العدوّ.
تخبّط أميركيّ
لكنّ الخطر الأكبر لا يزال في واشنطن، فالإدارة الأميركيّة عادت من الحرب بروايتين متناقضتين: رواية عسكريّة تقول إنّ إيران أُعيدت أربعين عاماً إلى الوراء قدّمها الأدميرال براد كوبر في وثيقة القيادة الأميركيّة الوسطى لمجلس الشيوخ، ورواية استخباريّة مسرّبة لـ”نيويورك تايمز” تقول إنّ القدرات الصاروخيّة ومواقعها تحت الأرض لا تزال أكبر بكثير ممّا تعترف به الإدارة، وإنّ طهران تمكّنت من إعادة بناء قدراتها البالستيّة وطائراتها المسيّرة في وقت قياسيّ.
بين الروايتين يقف ترامب في حيرة بين حاجته إلى إعلان نصر لا يستطيع إثباته، وحرب لا يستطيع إنهاءها، وتصعيد قد يوسّع الخسارة بدل أن يمحوها، عالقاً في خانة اليك حيث الاعتراف بالفشل أكثر كلفة من مواصلة الطريق الخطأ.
ماذا بعد بكّين؟
هل عاد ترامب من الصين ومعه سلّم للنزول عن الشجرة؟
إذا كانت بكّين قد فتحت له باب الدبلوماسية، فسيكون عليه أن يقبل بتسوية تحفظ لإيران ما يكفي كي تقول إنّها صمدت، وللصين ما يكفي كي تقول إنّها صنعت الاستقرار، ولأميركا ما يكفي كي تقول إنّها منعت السلاح النوويّ. أمّا إذا قرأ ترامب الغموض الصينيّ كإذن بالتوسّع، فسيكون قد حوّل نصّاً مبهماً إلى حرب واضحة.
هنا يعود ثيوسيديدس من زاوية أخرى، فالمصيدة ليست فقط بين أميركا والصين، بل أيضاً بين أميركا وإيران. قوّة مهيمنة لا تريد الاعتراف بأنّ قدرتها على فرض النتائج تراجعت، وقوّة إقليمية تعلّمت أنّ الصمود يكفي لتعديل ميزان النفوذ، فإيران لا تحتاج إلى هزيمة أميركا، ويكفيها أن تمنع أميركا من الانتصار، وهذه، في حروب الإمبراطوريّات، بداية الانكسار.
أمّا الصين فلا تحتاج إلى هزيمة أميركا في الخليج، بل يكفيها أن تجعل أميركا تحتاج إليها في الخليج. لا تحتاج إلى إنقاذ إيران، ولا إلى تبنّيها، ولا تحتاج إلى إعلان ولادة الثنائيّة القطبيّة رسميّاً. يكفيها أن تجعل كلّ أزمة كبرى تمرّ عبر بكّين كما مرّ تطبيع العلاقات الإيرانيّة – السعوديّة وصمد إلى حدّ كبير، ويبدو أنّه لن يكون الأخير.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|