الصحافة

بين الجنوب والضاحية... لبنانيون يواجهون خسارة مصدر الرزق

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تعامل أصحاب المصالح في لبنان مع واقع لا يشبه أي دورة اقتصادية تقليدية. التكلفة مستمرة، والإنتاج متراجع، والسوق معلّقة بين الخوف والانتظار. هنا، لا تُقاس الخسارة بالأرقام فقط، بل بالقدرة المفقودة على التخطيط. تتقاطع قصص من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية شبه المدمرة، لتؤكد أن الاقتصاد دخل مرحلة استنزاف مفتوح، عنوانها الأبرز: البقاء... لا أكثر.

نقل الأعمال بوصفه استراتيجية دفاع
يروي أحمد جابر أنّ الحرب لم تترك له متّسعاً للاختيار، بل دفعته قسراً إلى اقتلاع عمله من مكانه، تماماً كما اقتُلعت حياة كثيرين من أبناء الجنوب. يقول لـ«الشرق الأوسط» إنّه كان يعمل في مجال التجارة والتعهّدات، قبل أن يجد نفسه مضطراً، مع بداية الحرب، إلى نقل مصلحته من منطقته إلى الشياح، المنطقة المعرضة بدورها للخطر خلال الحرب، في محاولة منه لحماية ما تبقّى من رأسماله: «لم يكن أمامي خيار، إمّا أن أنقل عملي وإما أن أخسره».

يشرح جابر أنّ القرار لم يكن لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم الخوف من تدهور الوضع الأمني واستحالة الاستمرار في بيئة غير مستقرة، مضيفاً: «الوضع لم يعد يُحتمل، لم يعد يسمح لنا بالعيش أو العمل. لذلك نقلنا المكاتب والمعدّات وكل تفاصيل العمل. في البداية، نقلنا جزءاً بسيطاً، لكن مع اشتداد الحرب اضطررنا إلى نقل كل شيء تقريباً».

ويؤكد أنّ ما قام به لم يكن سعياً إلى التوسّع أو تحسين شروط العمل، بل خطوة دفاعية بحتة هدفها تقليل الخسائر. «كنت أحاول فقط أن أحمي رأسمالي، وأن أحافظ على مكانتي في السوق، وأن أمنع خسارة كل ما بنيته».

ورغم نجاحه في نقل عمله مادياً فإنّه يصف الواقع الحالي بالشلل شبه الكامل. «الشغل متوقف، ولا يوجد استقرار. حتى بعد الانتقال، لم يتحسن الوضع. بالعكس، نحن نعمل في بيئة غير واضحة، بلا أفق، وبلا أي ضمانة للاستمرار».

يتحدث جابر عن عبء المسؤوليات التي تلاحقه يومياً، في ظل غياب أي مدخول فعلي بالقول: «يعمل معي نحو سبعة موظفين، بينهم سائقون ومحاسِبة وعمال. هؤلاء يعتمدون على هذا العمل بوصفه مصدر رزق، وأنا مسؤول عنهم. الرواتب مستمرة، رغم أن العمل شبه متوقف». ويضيف: «المصاريف كبيرة جداً... هناك رواتب، والتزامات تشغيلية، وتكلفة نقل وإعادة تجهيز، وكل ذلك من دون أي إنتاج فعلي».

ويشير إلى أنّ الخسارة لم تأتِ فقط من توقف العمل الحالي، بل أيضاً من فقدان أعمال كانت قائمة قبل الحرب. «كنا نعمل مع الدولة، وكانت هناك مشروعات قائمة. كل هذا توقّف فجأة، لم يعد هناك عمل، لا مشروعات ولا دفعات، كل شيء تبخّر».

أسواق تُفرَّغ... وقطاعات تُصاب بالشلل
في الضاحية الجنوبية لبيروت، تتخذ الأزمة بُعداً آخر، لكن بنتائج متقاربة. محمد نور الدين، تاجر ألبسة أمضى أكثر من 16 عاماً في بناء عمله، وجد نفسه مضطراً إلى إقفال محاله والخروج من المنطقة تحت وطأة الاستهداف المتكرر.

يقول نور الدين لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعمل منذ سنوات طويلة في تجارة الألبسة في الضاحية، وبنيت اسماً وزبائن وعلاقات. لكن مع التصعيد الأخير، اضطررت إلى إقفال محالي والخروج من المنطقة. لم يعد بالإمكان الاستمرار في ظل هذا الخطر، خصوصاً مع الاستهداف المتكرر».

ويشير إلى أنّ الخسارة لم تكن فقط مادية، بل معنوية أيضاً، موضحاً: «هناك سنوات من التعب ذهبت دفعة واحدة». ويكشف في هذا السياق عن أنّه خسر أيضاً عقاراً يملكه في منطقة مار مخايل في الضاحية خلال حرب عام 2024، مما ضاعف من حجم الأضرار.

اليوم، يحاول نور الدين إعادة بناء عمله في منطقة النويري في بيروت، رغم إدراكه صعوبة المهمة، بالإشارة: «أحاول اليوم تأسيس عملي من جديد في منطقة النويري، رغم أنني أعلم أن لا مكان يعوّض الضاحية بالنسبة إليّ». ويضيف: «الضاحية كانت بيئتي الطبيعية، فيها زبائني واسمي. كنت أقول دائماً إنني لن أخرج منها مهما حصل، لكن الواقع فرض نفسه».

غير أنّ التحدي لا يقتصر على الموقع، بل يمتد إلى طبيعة السوق نفسها. إذ يعدّ نور الدين «سوق الألبسة تتأثر بسرعة، لأنها تُعد من الكماليات. ففي أوقات القلق، الناس تركّز على الأساسيات، وهذا يضرب عملنا مباشرة».

ويشير إلى أنّ الحركة التجارية في المناطق البديلة لا تزال ضعيفة: «في النويري مثلاً، لا يوجد زبائن كما في الضاحية. الناس تخاف، والحركة خجولة، وإعادة بناء شبكة الزبائن ليست أمراً سهلاً».

ويؤكد أنّ ما يمرّ به لا يقتصر عليه، «بل يشمل عدداً كبيراً من أصحاب المصالح الذين اضطروا إلى نقل أعمالهم أو إقفالها، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية في البلاد».

من صاحب مؤسسة إلى موظف... انهيار المسار الفردي
في القرى الحدودية، تتخذ الخسارة طابعاً أكثر جذرية. يوسف، ابن بلدة عيترون، يروي كيف أطاحت الحرب بمشروعه بالكامل. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أخسر مؤسسة فحسب، بل خسرت تعب عمري. كان لديّ مشتل، إلى جانب شركة خدمات متخصّصة بتجهيز الحدائق والعناية بها. كنّا نعمل مع عدد كبير من الزبائن، وكان العمل مستقرّاً إلى حدّ بعيد، لكن مع اندلاع الحرب، تغيّر كل شيء. قرب عيترون من الحدود وضعنا في قلب الخطر. الدمار كان كبيراً، والناس نزحت، والحدائق تُركت أو دُمّرت. لم يعد هناك طلب، ولا إمكانية للاستمرار».

ويتابع: «خسرنا الزبائن، وتوقّف العمل بالكامل»، مشيراً إلى أنّ مؤسسته كانت تؤمّن مصدر رزق لنحو 12 عاملاً مياوماً، جميعهم توقّفوا عن العمل مع توقّف المشروع».

اليوم، يعيش يوسف في صيدا بعد أن غادر بلدته، ويعمل موظفاً في شركة مواد غذائية، كاشفاً: «بعدما كنت صاحب عمل، أصبحت موظفاً. مدخولي اليوم لا يُذكر مقارنة بما كنت أنتجه سابقاً، بالكاد يكفيني لتأمين الأكل والشرب، فالخسارة ليست فقط مادية، بل شعور بأن كل ما بنيته انهار فجأة، ولم يبقَ منه شيء».

صبحي أمهز - الشرق الاوسط

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا