الامتحانات في المدارس الرسمية: الإرباك سيّد الموقف
تنطلق اليوم امتحانات السعي الثالث من الفصل الثاني في المدارس والثانويات الرسمية «بالوسائل المُتاحة»، مع فوارق بين مدارس وأخرى. فالمدارس في المناطق الآمنة، تُجري الامتحان حضورياً، مع لجوء مدارس أخرى إلى التقييم عن بُعد. أمّا المدارس المُستخدمة كمراكز إيواء، فحاولت تأمين غرف بديلة داخل المدرسة أو خارجها، لتفادي إجراء الامتحان إلكترونياً. وبالنسبة إلى النتيجة، تعتمد جميع المدارس نظام تقييم واحداً، لكن بمعايير متعدّدة.
في هذا السياق، يوضح الخبير التربوي، داود حرب، أن «تقييم أداء التلامذة عن بُعد مسألة مُعقّدة بطبيعتها، وتزداد صعوبة في ظل الأزمات». ويشير إلى أن «الواقع اللبناني يضيف تحدّيات قانونية أيضاً، في ظل غياب نصوص واضحة تحدّد آليات التقييم الأنسب لكل مرحلة»، لافتاً إلى أن «التجارب العالمية متعدّدة، من المقابلات الشفهية إلى الامتحانات الإلكترونية وملفات الإنجاز (بورتفوليو)، إلا أن الوزارة لم تعتمد سابقاً الامتحانات أونلاين، حتى في ظروف صعبة، إذ بقيت الامتحانات حضورية».
ويشدّد حرب على أن «جوهر الإشكالية يكمن في موثوقية التقييم: من يجيب فعلياً على الامتحان؟ وهل يتم ذلك بشكل مستقلّ أم بمساعدة خارجية، سواء من الأهل أو عبر أدوات رقمية وبرمجيات مثل الذكاء الاصطناعي؟».
ويرى أن «هذا الواقع يخلق تفاوتاً إضافياً بين التلامذة، تبعاً لقدرتهم على الوصول إلى هذه الوسائل، ما يجعل العلامة لا تعكس بالضرورة مستوى التحصيل العلمي بقدر ما تعكس اختلاف بيئات الامتحان». ويذكّر بـ«وجود نص قانوني يتيح، في الظروف الاستثنائية، إعفاء التلامذة من الامتحانات النهائية واعتماد علامات منتصف العام»، مشيراً إلى أن «غالبية المدارس أنجزت هذه الامتحانات، ما كان يمكن أن يشكّل مخرجاً، ولا سيما في المناطق المتضررة، إلا أن هذا الخيار لا يبدو مطروحاً حالياً، في ظل إصرار الوزارة على إجراء الامتحانات النهائية».
هذا التباين يظهر بوضوح على أرض الواقع. أستاذ في إحدى الثانويات في الضاحية الجنوبية لبيروت يشير إلى أن «الاستحقاق فُرض من دون تحضير كافٍ أو تدريب فعلي على تنظيم امتحانات أونلاين تضمن الشفافية». ومع تعذّر العودة الحضورية، لجأ المعلمون إلى «حلول مرتجلة، كإرسال المسابقة كصورة ليجيب عنها التلامذة في منازلهم، ثم يعيدونها للتصحيح، من دون آليات فعّالة لضبط الغش». ويلفت إلى أن «أساتذة المواد العلمية يواجهون صعوبات في عرض الرموز والقواعد بدقّة، فيما تعاني مواد اللغات من مشاكل تقنية أيضاً، ما ينعكس على نوعية التقييم».
من جهته، يرى مدير مدرسة رسمية في الجنوب أن «كلام الوزارة عن إجراء تقييمات لاحقة للتلامذة الذين لم يتمكنوا من متابعة التعليم، حضورياً أو عن بعد ليس واقعياً، لأن هؤلاء هم الأغلبية». ويتساءل عن «كيفية التعامل مع نتائج غير مكتملة»، محذّراً من «أن ترك الأمور للاجتهادات الفردية يفتح الباب أمام تفاوت كبير في النتائج، وربما أمام إشكالات قانونية».
في المقابل، تفرض الظروف الميدانية تحدّيات كبيرة، من النزوح واستخدام المدارس كمراكز إيواء، والوصول الآمن إليها، وصعوبة تأمين الكادر التعليمي. وبينما لا يبدو وقف التقييم بالكامل خياراً مطروحاً، يبرز تساؤل حول كيفية الحفاظ على حدّ أدنى من المعايير المشتركة، بما يمنع تحوّل اختلاف الوسائل إلى تفاوت في النتائج.
ولا تقتصر الإشكالية على المرحلة الراهنة، بل تمتد إلى ما بعدها، إذ إن اعتماد أنماط تقييم غير متكافئة، حتى لو فرضتها الظروف، قد يؤسّس لسابقة يصعب التراجع عنها. ومع احتمال تحوّل الامتحانات الإلكترونية إلى خيار دائم مستقبلاً، لا يعود النقاش تقنياً فقط، بل يرتبط أيضاً بمصداقية الشهادات وثقة المجتمع بالنظام التربوي.
فاتن الحاج- الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|