الصحافة

"الطّائف" والفدراليّة: يتكاملان أم يتناقضان؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

هل يجتمع اتّفاق الطائف مع طرح الفدراليّة؟ هل يمكن جعل النظام الفدراليّ نسخة محدّثة ومطوّرة من اتّفاق الطائف أم هو في نهاية المطاف تنظيم رسميّ للفدراليّة المبطّنة في الدستور والقوانين كما في الممارسات السياسيّة منذ قيام لبنان الكبير عام 1920؟ هل هذا الطرح مناسب الآن والدولة المركزية تفتقر إلى سيادتها المطلقة بسبب فقدانها قرار الحرب والسلم أم هو أقرب طريق لتفجير الكيان اللبناني بالموازاة مع المخاوف المتعاظمة من صدام داخلي بسبب قضيّة سلاح “الحزب”؟

عندما اجتمع النوّاب اللبنانيّون في مدينة الطائف السعوديّة عام 1989، للخروج باتّفاق يُنهي الحرب الأهليّة، ويُحيي الدولة، وضعوا بند اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة، كحلّ بديل من الانقسام الواقعيّ آنذاك بين أمراء الطوائف. كان اتّفاق الطائف ببنوده كلّها طرحاً متكاملاً وبديلاً من التقسيم من دون أن يلامس مقولة الفدراليّة التي كانت طرحاً رئيساً عند ميليشيا “القوّات اللبنانيّة” آنذاك.

لكنّ هذا الاتّفاق لم يُطبّق كلّه، بل لم يؤخذ جوهره بجدّيّة كاملة، وأكثر ما جرى اعتماده بعد انتهاء الحرب هو انتقال صلاحيّات رئيس الجمهوريّة إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وتحصين مجلس النوّاب ورئيسه من قرارات السلطة التنفيذيّة، مع محاولات دؤوبة لا تنقطع للالتفاف والمناورة حول بند الصلاحيّات، لا سيما في عهد الرئيس السابق ميشال عون بشأن دور رئيس الجمهوريّة.

إلّا أنّ سائر البنود الأخرى لم ترَ النور، لا سيما إلغاء الطائفيّة السياسيّة، أو البدء بهذا المسار عبر تشكيل الهيئة الوطنيّة لدراسة كيفيّة إلغائها، علاوة على اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وإنشاء مجلس الشيوخ بعد قيام برلمان غير طائفيّ. حتّى تقسيم الدوائر الانتخابيّة بات أقرب إلى التعميق الطائفيّ بدل التوجيه الوطنيّ.

تعطّل دولاب الدّولة

بالعكس من مسار الطائف، ترسّخت الطائفيّة السياسيّة أكثر فأكثر، منذ ذلك الحين، وتعطّل دولاب الدولة في كثير من المجالات بسبب الإصرار المسيحيّ على وجه خاصّ على تعزيز صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، وتعزيز المحاصصة الطائفيّة حتّى في أدنى درجات الوظيفة العامّة، وبرز ذلك في التفاهم الشهير بين أكبر حزبين مسيحيَّين: “القوّات اللبنانيّة” و”التيّار الوطنيّ الحرّ”، أو ما عُرف بتفاهم معراب عام 2016.

أمّا بند تسليم سلاح الميليشيات فكان العامل المُزعزِع الأوّل لصيغة “الطائف”، بل لاستقرار الدولة وقدرتها على بسط سيطرتها على كامل التراب الوطنيّ وتأكيد سيادتها القانونيّة والفعليّة وإمساكها بقرار الحرب والسلم.

كان من المفترض أن يكون الانسحاب الإسرائيليّ من الجنوب عام 2000، محطّة أساسيّة في سبيل تحقيق هذا الهدف، وتحوُّل المقاومة إلى حزب سياسيّ، كسائر الميليشيات التي أنجزت تحوّلها ودخلت عالم السياسة، إلّا أنّ “الحزب” انخرط في العمل النيابيّ منذ عام 1992، وفي الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005، من دون أن يسلّم للدولة ما لها حصراً، تحت ذرائع شتّى تبدأ بتحرير مزارع شبعا، ثمّ “مكافحة الإرهاب” في سوريا، لدى انتفاضة الشعب السوريّ أو غالبيّته على النظام الأسديّ، عام 2011، وانتهاء بإسناد غزّة عام 2023، وإسناد إيران أخيراً.

عامل تفجير إضافيّ

عندما طُرح نزع سلاح “الحزب” أو تسليمه، هدّد وتوعّد بأنّ هذا سيؤدّي إلى نشوب حرب أهليّة، بين فريقين رئيسَين: الأوّل يؤيّد المقاومة، والثاني يريد التصالح مع إسرائيل، فهل إضافة بند الفدراليّة يعالج هذا الخوف الآن أم يعمّق الفجوة النفسيّة والشعوريّة بين الطوائف؟ أين موقع الكتلة السنّيّة الوازنة من طرحَي المقاومة والفدراليّة، ومن احتمالات الاحتراب الداخليّ كمآل محتمل لدى نزع سلاح “الحزب” أو طرح النظام الفدراليّ؟

المفارقة أن لا الأحزاب المسيحيّة تُنصف أهل السنّة بشأن قضيّة المعتقلين الإسلاميّين، وكثير منهم مظلومون، ولا “الحزب” يراعيهم، فيما بيئته الحاضنة في حالة اختلاط وسيولة مع البيئة السنّيّة بسبب الحرب. في حين أنّ كلّاً من المسيحيّين والشيعة بحاجة شديدة إلى السنّة من أجل تحقيق رؤاهم السياسيّة الخاصّة. في أيّ حرب أهليّة مؤسفة ومحتملة، تبرز الكتلة السنيّة كجهة مرجّحة للسلام أكثر منها للاحتراب، وللوحدة أكثر من الانقسام، فليس من مصلحتهم الصراع ولا التقسيم.

اتّفاق الطائف بالإجمال هو مطلب الطوائف الإسلاميّة عموماً، حتّى لدى الشيعة، وهو أيضاً ما طالب به “الحزب” أخيراً على لسان أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، فيما الموقف المسيحيّ متذبذب ومتردّد بين التصريح بقبوله أو رفضه أو التلويح بأحدهما.

على هذا، يواجه الكيان اللبنانيّ أزمتين متوازيتين لا عقدة واحدة: مشكلة الديموغرافيا المسيحية المتناقصة إلى جانب مسألة السيادة الناقصة لدى الدولة اللبنانيّة. إذا لم يكن مستغرباً كثيراً أن تُطرح الفدراليّة مجدّداً في عام الانهيار الماليّ والنقديّ عام 2019، وسط الاتّهامات المتبادلة بالمسؤوليّة عن ذاك الانهيار الذي ما نزال نعيش في ظلاله، فالأشدّ غرابة أن يتجدّد النقاش في الفدراليّة وتفاصيلها في لحظة الانقسام السياسيّ الشديد حول الموقف من التفاوض المباشر مع إسرائيل، في خضمّ حرب إسرائيليّة مدمّرة. هل بمقدور لبنان تحمّل وزر الطرح الفدراليّ الآن أم هو المخرج من استعصاء مسألة “سلاح المقاومة”، وكيف ذلك؟

مَن المسؤول حقّاً عن هذا الارتداد المنهجيّ والمتعمّد، أهو “الحزب” بإصراره على الحفاظ على موقعه ونفوذه في المعادلة الميدانيّة والسياسيّة بعد “الطائف” أم القوى المسيحيّة بتمسّكها بامتيازات قديمة، على الرغم من تبدّل الموازين الأساسيّة التي صنعت لبنان الحديث بدايات القرن الماضي؟

إذا كان اتّفاق الطائف لم يحقّق الوحدة الوطنيّة أو لم يساهم حقّاً في بناء دولة ما بعد الحرب، وهو الذي لم يُطبّق منه سوى بندَي صلاحيّات رئيس الجمهوريّة وحصانة البرلمان من كلّ البنود الأساسيّة، فكيف نأمل من اتّفاق جديد، تحت اسم الفدراليّة، أن يحلّ إشكاليّة الكيان اللبنانيّ، أو أن يحافظ على “تماميّته” الجغرافيّة، أو أن لا يتسبّب بحرب أهليّة جديدة، من دون التوافق الداخليّ أصلاً على التحاور في النظام الجديد، ومن دون توافر دعم خارجيّ لهذا الطرح؟

تطوير “الطّائف” بالفدراليّة؟

لا يملّ الناشطون الفدراليّون، وخاصّة في السنوات الأخيرة، ترداد هذه المقولة، وتسويقها في الوعي المسيحيّ، وخاصّة باعتبار أنّها الخلاص من المشكلات التي تهدّد الكيان، مع تأكيد أنّها لا توصل إلى التقسيم الرسميّ بين مكوّنات المجتمع أو إلى الاحتراب الأهليّ على حدود تلك الوحدات المنفصلة أو الاتحاديّة، لا فرق.

لكنّ بعضهم لا يتورّع عن الانتقال رأساً إلى اعتبار التقسيم هو الحلّ النهائيّ لهذه المشكلة التي يتحمّل مسؤوليّتها المباشرة الآباء المؤسّسون لهذا اللبنان، وذلك بغضّ النظر عن المشكلات العويصة التي ستطرأ عند تحديد الحدود، ومآل أوقاف الطوائف، وممتلكات اللبنانيّين في غير مناطقهم الاتّحاديّة أو المنفصلة.

لكنّ السؤال الأهمّ هو: هل يمكن التوافق على سياسة دفاعيّة موحّدة، وسياسة خارجيّة مناسبة، وسياسة ماليّة فعّالة في دولة لبنان الفدراليّة، فيما تعاني الدولة اللبنانيّة ذات الطبيعة المركزيّة حاليّاً من ضياع قرار الحرب والسلم، علاوة على الانقسام الطائفيّ الشديد على السياسة الدفاعيّة والخارجيّة والماليّة والنقديّة؟ بعبارة أخرى، ما هو الداعي لمناقشة الفدراليّة في زمن الحرب الدائرة حاليّاً؟ هل هي الترياق الآن لمشكلة سلاح “الحزب” أو تحرير المناطق الجنوبيّة المحتلّة أو تعمير المناطق المنكوبة أو إعادة النازحين إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم أو توفير الاستقرار الماليّ والنقديّ أو التفاوض مع إسرائيل لتحقيق كلّ هذه المطلوبات الملحّة التي لا تحتمل التأجيل أو التسويف؟

إنّ طرح الفدراليّة الآن هو من آثار الانفراد الشيعيّ بقرار الحرب، والاستماتة من أجل الإمساك أيضاً بقرار التفاوض والسلام. وهو استتباعاً تعبير عن رفض دفع تكاليف هذه الحرب، من أموال المودعين أو ما بقي منها، ومن أموال دافعي الضرائب، لا سيما المسيحيّين منهم، وبالتأكيد رفض تسييل احتياط الذهب من أجل دفع التعويضات أو إعمار المناطق المدمّرة.

العلاقة المحتملة

هذا الموقف يأتي ردّاً أكثر منه طرحاً جدّيّاً، باعتبار التسويغات والمآلات والآثار المباشرة وغير المباشرة. هنا تُثار أسئلة جدّيّة بشأن علاقة محتملة بين الفدراليّة وتطوير اتّفاق الطائف:

هل يمكن توسيع فكرة اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة التي نصّ عليها اتّفاق الطائف، فتصبح تأسيساً لنظام فدراليّ يمكن الاتّفاق عليه سلميّاً وبالحوار البنّاء وبما يحقّق مصالح الشعب ويحفظ جغرافية لبنان على تنوّعها الإداريّ والسياسيّ؟
يمكن القول أيضاً إنّ الانتقال إلى الفدراليّة تدريجاً يتطلّب أوّلاً تطبيق اللامركزيّة الموسّعة، إذ من شأن الانتقال إلى هذه اللامركزيّة تبيان محاسن النظام ومساوئه، ولربّما يقتنع الناشطون الفدراليّون، ومن ورائهم القوى السياسيّة التي تتّخذ منهم واجهة إعلاميّة، بجدوى الوقوف عند هذا الحدّ، والاكتفاء به، بدلاً من الفدراليّة ومخاطرها التقسيميّة.

إنّ تطبيق الفدراليّة بما يعنيه من تأسيس وحدات محليّة سياسيّة وإداريّة وماليّة، وفوقها إدارات مركزيّة اتّحاديّة، لا يُعفي من تطبيق أهمّ بند في اتّفاق الطائف، وهو إلغاء الطائفيّة السياسيّة في الأجهزة الإداريّة الفدراليّة وفي المواقع السياسيّة الأولى للدولة الفدراليّة العتيدة. إذا كان ممكناً بقاء لبنان كدولة اتّحاديّة، فهل من المعقول أن يظلّ رئيس الجمهوريّة مارونيّاً، ورئيس الحكومة سنّياً، ورئيس البرلمان شيعيّاً؟
تحفظ الفدراليّة، كما يقول أنصارها، التوازن الطائفيّ بين مكوّنات الشعب، فلماذا التمسّك بالمواقع الأولى في الدولة، بل من دواعي إرساء النظام الفدراليّ التخلّص من هذه العقدة، واعتماد مبدأ المداورة في كلّ المناصب ابتداء من الرئاسات الثلاث.

يفترض الفدراليّون اعتماد الحياد في النظام الجديد، لتجنيب لبنان حروباً جديدة مع إسرائيل، إلّا أنّ من الأسباب الموجبة لطرح الفدراليّة تجنيب المناطق المسيحيّة خاصّةً أهوال الحرب وأكلافها الباهظة، وهذا إقرار ضمنيّ بأن لا مجال لنصب مبدأ الحياد في أيّ نظام فدراليّ يُراد تأسيسه في لبنان. الصورة كما يتخيّلها هؤلاء هي أن يتعايش في لبنان الفدراليّ نموذجان جنباً إلى جنب، نموذج “هانوي” في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبيّة لبيروت، ونموذج “موناكو” في جبل لبنان المسيحيّ وساحله وبضع مناطق أخرى. ما بين هذين النموذجين مناطق سنّيّة متصحّرة بالمعنى السياسيّ والاقتصاديّ، ومتموضعة بين المطرقة والسندان.

هشام عليوان - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا