كيف ننقذ جنوب لبنان.. إرث أنور السّادات أم حافظ الأسد؟
في الثانية من بعد ظهر السادس من أكتوبر/تشرين الأوّل 1973 أطلق الجيشان المصريّ والسوريّ هجومين متزامنين على مواقع الجيش الإسرائيليّ المتمركزة في شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان السوريّ التي احتلّتها إسرائيل في حرب حزيران 1967. بقيت اللحظة تلك ماثلة في الوعي العربيّ لعقود إلى أن استحضرتها حركة حماس في عمليّة طوفان الأقصى صبيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وكان مقدّراً لها أن تكون حرباً توحّد الساحات بمنطق 1973 نفسه، إذ دخل “الحزب” الحرب في اليوم التالي في ما بات يُعرف بحرب الإسناد الأولى، وهو اليوم يخوض حرب الإسناد الثانية بلا أفق واضح.
ما بدأ بمحاكاة لحرب الجيشين العربيَّين ضدّ إسرائيل لم ينتهِ حتّى الآن بالسيناريو المصريّ، الذي استرجع الأرض بالمفاوضات والسلام، بل يبدو أنّ السيناريو السوريّ، الذي خسر الجولان وما عليها بسبب التصلّب والمكابرة، هو الأقرب، إن لم تُستخلص الدروس سريعاً. الحال أنّ مأزق العقل الذي استحضر اللحظة الدراميّة المشحونة لهجوم أكتوبر 73 يستهزئ ويخون خاتمتها المصريّة فيما يبدو عالقاً في مأزقها السوريّ. بالتالي ليست المشكلة في استدعاء المقارنة مع 1973، بل في المرحلة التي يتمّ استدعاؤها منها انتقائيّاً. إذ يميل كثيرون إلى القفز مباشرة إلى كامب ديفيد، متجاوزين اللحظة التي جعلت ذلك ممكناً عند توقيع اتّفاق “الكيلو 101”.
لم يبدأ الرئيس المصريّ الراحل أنور السادات بالسلام، بل ورث عند دخوله القصر حرب استنزاف عمرها ثلاث سنوات على أنقاض نكسة 1967. لم يبدأ مسار السلام من كامب ديفيد، بل في خيمة على طريق القاهرة–السويس، حيث جرى تثبيت وقف إطلاق النار في حرب قتلت ما يقارب 10 آلاف مصريّ و2,800 إسرائيليّ وعشرات آلاف الجرحى، إضافة إلى خسائر مادّيّة هائلة، ووُضعت أولى قواعد الانتقال من الميدان إلى السياسة.
اتّفاق “كيلو 101″؟
من هنا، يصبح السؤال في الحالة اللبنانيّة مختلفاً عمّا يُطرح عادة: ليس كيف نصل إلى اتّفاق سلام، بل كيف نصل إلى “كيلو 101” لبنانيّ، إذا كان ذلك ممكناً أصلاً؟
لفهم هذا الفارق، لا بدّ من العودة إلى قراءة حرب أكتوبر باعتبارها مرحلة مفصليّة عسكريّاً وسياسيّاً في آن. في عام 1973، لم تُحسن غولدا مائير التعامل مع التحذيرات الاستخباريّة، متأثّرةً إلى حدّ بعيد بتقديرات وزير الدفاع موشيه دايان، على الرغم من مؤشّرات كانت ترجّح قرب اندلاع الحرب. في عام 2023، أشارت تسريبات صحافية، لم تُحسم بعد بانتظار التحقيق الرسميّ، إلى أنّ حكومة بنيامين نتنياهو تلقّت تحذيرات بشأن عمليّة وشيكة تحضّر لها “حماس”، من دون أن تُترجم إلى إجراءات استباقيّة كافية.
في الحالتين، كانت النتيجة لحظة كسر في الوعي الإسرائيليّ، حين اهتزّت صورة الجيش الذي لا يُقهر. مع ذلك، وعلى الرغم من هذا التشابه، لا بدّ من الإقرار بالفروقات البنيويّة العميقة بين حرب تقليديّة خاضتها دول، وهجوم نفّذته جماعات مسلّحة غير دولتيّة، وهو ما يجعل المقارنة مفيدة بحدودها لا بكلّيّتها.
مهندسو توازنات دوليّة
جاءت حرب أكتوبر في مناخ سياسيّ صاغته شخصيّات استثنائيّة، من بينها هنري كيسنجر وليونيد بريجنيف وأنور السادات وحافظ الأسد وغولدا مائير. هم قادة لم يكونوا صانعي قرار وحسب، بل مهندسو توازنات دوليّة قادرون على نقل الحروب من الميدان إلى طاولة التسويات. وهو مستوى من القيادة يبدو غائباً اليوم في وقت تتكاثر الحروب وتندر القدرة على إنهائها.
في ظلّ هذا الإطار، لم تكن التطوّرات الميدانيّة، من عبور الجيش المصريّ لخطّ بارليف وما مثّله من إنجاز نفسيّ وعسكريّ، إلى ثغرة الدفرسوار وما حملته من مخاطر، سوى عوامل ضغط سرّعت التدخّل السياسيّ، الذي تُرجم بقرار مجلس الأمن 338، الذي جمّد الاشتباك عند لحظة توازن كان يحتاج إليها الجميع.
حوّلت براعة أنور السادات السياسيّة تلك اللحظة إلى فرصة بدل النظر إليها كمأزق. فقد أدرك منذ تسلّمه السلطة إثر وفاة جمال عبدالناصر أنّه لا يحتاج إلى حرب لينتصر فيها انتصاراً كاملاً، بل ليدفع باتّجاه اتّفاق لا يمكن الوصول إليه في ظلّ حرب الاستنزاف التي ورثها عن سلفه.
في بعض القراءات التحليليّة، ومنها ما يورده ديفيد كيمحي في كتابه “الخيار الأخير”، يُشار إلى أنّ تفكير السادات تقاطع مع مقاربة سوفيتيّة هدفت إلى إدارة توازن دقيق يسمح باندلاع حرب محدودة تفتح المجال لتدخّل أميركيّ يقود إلى تسوية.
يروي كيمحي كيف أدارت موسكو توازناً دقيقاً بين دعم الحليفين المصريّ والسوريّ وحضّرت للحرب بكثير من السرّيّة والخداع من أجل الوصول إلى لحظة تتيح تدخّلاً أميركيّاً حاسماً يقود إلى تسوية. غير أنّ الخطّة التي رسمها بريجنيف لم تنفّذ حرفيّاً لأسباب متعدّدة ليس أقلّها الجسر الجوّيّ الأميركيّ الذي سمح للإسرائيليّين بالحفاظ على تفوّق ميدانيّ طفيف لمصلحتهم.
ما هو ثابت أنّ السادات قرّر عند لحظة الاشتباك الأقصى فصل المسار المصريّ عن ذلك السوريّ، وتحويل الإنجاز العسكريّ المحدود إلى رافعة سياسيّة مستقلّة تحوّل الحرب من ميدان سيناء إلى طاولة المفاوضات.
كان أوّل تجلّيات هذا التحوّل ما عُرف باتّفاق “الكيلو 101” الذي وقّعه وفدان عسكريّان مصريّ وإسرائيليّ برعاية أميركيّة. شكّل الاتّفاق أوّل اتّفاق لفضّ الاشتباك بين مصر وإسرائيل. ثبّت الاتّفاق وقف إطلاق النار وأدّى إلى بدء الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ وتبادل الأسرى وتطبيق القرار 338 تحت رقابة دوليّة مشدّدة. لكنّ معناه الأبعد كان في تأسيسه لمرحلة إدارة النزاع بالدبلوماسيّة بعيداً عن لغة المدافع.
تبع هذا الاتّفاق مسار طويل من الاتّفاقات المتدرّجة من فكّ اشتباك أوّل ثمّ ثان ثمّ إعادة انتشار للقوّات ثمّ بناء قنوات اتّصال مباشرة وغير مباشرة إلى أن نضجت لحظة سياسيّة بعد أربع سنوات من الاتّفاق الأوّل تُوّجت بزيارة أنور السادات للقدس عام 1977، وما تبعها من اتّفاقات كامب ديفيد ثمّ معاهدة السلام المصريّة الإسرائيليّة عام 1979، التي قادت إلى انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من سيناء لم يكتمل إلّا بعد سنوات.
بقيت قضيّة طابا، التي حُلّت بالتحكيم الدوليّ بعد عشر سنوات، شاهدةً على أنّ توقيع السلام ليس بالضرورة لحظة إنهاء الصراع، بل يُحتمل أن يفتح مساراً مختلفاً لإدارته وضبطه.
لا لحظة كامب ديفيد ولا لحظة زيارة القدس
في هذا المسار، كثيرٌ ممّا يستدعي التأمّل في واقع الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل و”الحزب” والأزمة المفتوحة بين الدولة اللبنانيّة و”الحزب”. أوّل ما يجب التوقّف عنده هو أنّنا لسنا في لحظة كامب ديفيد ولا حتّى في لحظة زيارة القدس.
نحن في أحسن الأحوال وإن أحسنّا التصرّف ووحّدنا الصفوف يمكن أن نصل إلى لحظة “الكيلو 101” في سعينا إلى تثبيت وقف إطلاق نار هشّ وآليّات مراقبة وترتيبات ميدانيّة تمنع الانزلاق إلى حرب أوسع.
غير أنّ الفروقات البنيويّة لا يمكن تجاهلها، فلبنان ليس مصر وجوزف عون ليس أنور السادات، والفاعل العسكريّ الأساسيّ في الصراع هو “الحزب” لا الجيش اللبنانيّ. إنّما الأهمّ أنّ السادات مهّد لخياراته داخليّاً بفرض سيطرة صارمة على مؤسّسات الدولة، وهو ما لا يتوافر في الحالة اللبنانيّة.
نتنياهو أقرب إلى شارون
في المقابل يبدو بنيامين نتنياهو أقرب إلى منطق شارون في 1982 من عقل غولدا مائير في 1973. إذ لا تزال إسرائيل تعتقد أنّ التفوّق العسكريّ يمكن أن يُترجم إلى واقع سياسيّ صديق في بيروت يوقّع معها اتّفاقاً على شاكلة 17 أيّار. لقد أثبتت تلك التجربة فشلها الذريع آنذاك، وتصطدم اليوم بواقع داخليّ وتوازنات دوليّة وإقليميّة أكثر تعقيداً تحكم عليها مسبقاً بالفشل.
تبدو المغامرة الإسرائيليّة اليوم أكثر ارتباكاً وتوحّشاً في آن. ليس “الحزب” منظّمة التحرير الفلسطينيّة في الثمانينيّات ولا يمكن إخراجه من لبنان بقرار عسكريّ أو تحميله على سفن نحو المنفى، وكلّ قائد عسكريّ يسقط يخلف من بعده أبناءً وأحفاداً أكثر تشدّداً وإصراراً على الاستمرار في الصراع. “الحزب” على الرغم من كلّ ارتباطه العقائديّ والتنظيميّ بإيران هو جزء من النسيج اللبنانيّ.
في المقابل، يكشف تحويل اسم السادات إلى شتيمة أو تهديد بالاغتيال، كما في بعض أدبيّات “الحزب” أخيراً، ضيقاً في أفق قراءة الإسلام السياسيّ الشيعيّ للتاريخ ولموقعه هو في هذا التاريخ. لم يلغِ خالد الإسلامبوليّ مسار السادات ولا أسقط الإسلام السياسيّ المصريّ كامب ديفيد، لا بل إنّ القوى التي عارضته ودخلت السجون ثمناً لهذه المعارضة وجدت نفسها تحمي معاهدة السلام عندما وصلت إلى الحكم إثر ما عُرف بالربيع العربي. صحيح أنّ السادات لم يكن بطلاً عربيّاً وقتها، لكنّ التاريخ أثبت أنّ رؤيته السياسيّة الثاقبة أدركت مبكراً حدود القوّة ورحابة الدبلوماسيّة.
مسار تدريجيّ
ليس ما نحتاج إليه اليوم في لبنان استنساخاً لتجربة 1973 المصريّة الإسرائيليّة، فالفروقات البنيويّة أكبر من التطابقات، بل الدعوة أوّلاً للأميركيّين قبل الإسرائيليّين واللبنانيّين إلى استخلاص المنطق والعِبر من التجربة المصريّة الناجحة للسلام المستدام.
لا يحتمل لبنان القفز إلى اتّفاق نهائيّ يعيد إنتاج وهم 17 أيّار. ما يحتاج إليه هو مسار تدريجيّ يبدأ بتثبيت وقف النار فعلاً لا قولاً، يليه انسحاب إسرائيليّ وترتيبات ميدانيّة محدودة، فبناء ثقة متدرّج يفتح الباب لاحقاً أمام تسويات أوسع حين تنضج ظروفها.
تحتاج إيران إلى أن تدرك، كما أدرك بريجنيف في حالة مصر، أنّ الإبقاء على ورقة لبنان في يدها لم تعد مجدية وتؤدّي فقط إلى تدمير هذا البلد. قد يكون الخيار الأحذق نقل الوكالة إلى رعاة إقليميّين آخرين هم أقدر في الظروف الحاليّة وفي ظلّ ميزان القوى الراهن على تحصين لبنان داخليّاً والحفاظ عليه وعلى “الحزب” والشيعة ليعبروا حقول الألغام الموشومة أمامهم.
تبدو هذه الخطوات صغيرة، بل متواضعة، لكنّها وحدها قابلة للحياة في واقع مركّب ومتشابك كلبنان. لا تنتهي الحروب الكبرى بقرارات كبرى فقط، بل بسلسلة من الاتّفاقات الصغيرة التي يُبنى بعضها فوق بعض. في خيمة على طريق مهجور، قد يبدأ مسار طويل إذا توافرت الإرادة السياسيّة لقراءته جيّداً.
ملاك جعفر عبّاس - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|