الشرع يقترح ممرّاً بديلاً للطاقة: عودة المشاريع "الحالمة"
تحاول سوريا، منذ سنوات طويلة، استثمار ما تصفه بموقعها الجغرافي المتميّز سياسياً واقتصادياً؛ وهي طرحت بالفعل مشاريع ومبادرات عدّة، لا سيما خلال العقد الأول من الألفية الحالية، حيث سُجّل الانفتاح السياسي على دول الجوار وإنهاء حقبة طويلة من التوتر وشبه القطيعة مع دول من مثل العراق وتركيا، وبدرجة أقلّ الأردن. غير أن تلك المشاريع إمّا فشلت وارتدّت سلباً على الاقتصاد السوري، كما حدث عقب اتفاقيات التجارة المتعددة مع تركيا التي أسهمت في تدمير الصناعة الوطنية؛ أو بقيت ضمن إطار المبادرات الجيوسياسية «الحالمة»، مثلما هي حال مبادرة ربط البحار الخمسة؛ أو تحوّلت، في أفضل الأحوال، إلى مذكرات تفاهم مجمّدة، من مثل المذكرات الثلاثية (النفطية والسككية) الموقَّعة مع العراق وإيران.
ومع اندلاع الحرب في سوريا، تلاشت تماماً فرص تنفيذ تلك المشاريع، لتحلّ محلّها أمنية وحيدة لدى السوريين، هي إعادة ربط الجغرافيا الوطنية كما كانت قبل عام 2011. وترافق ذلك مع اشتغال عدّة دول إقليمية، كان من المفترض أن تشارك سوريا في تلك المشاريع، على عرقلة تنفيذها خدمة لمصالح سياسية في المقام الأول. اليوم، تعود الحكومة الانتقالية إلى إعادة إحياء بعض المبادرات الإقليمية، مستفيدة من عاملَين رئيسيين: الأول، تداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، ولا سيما ما يتعلق بتعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز وما نتج منه من أضرار اقتصادية للمنطقة والعالم؛ والثاني، دعم إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للرئيس الانتقالي السوري، أحمد الشرع، وطرحها فكرة تحويل سوريا إلى ممرّ بديل للطاقة نحو أوروبا، مثلما جاء على لسان مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا توماس برّاك.
البحر الأحمر خارج الحسابات
تتصدّر هذه الطروحات مبادرةُ «ربط البحار الأربعة»، التي تُعدّ استنساخاً لمبادرة «البحار الخمسة» التي طُرحت قبل عام 2010. على أن هذا الاستنساخ لا يقلّل من أهمية المبادرة المستندة بالأساس إلى حقائق جيوسياسية واقتصادية يعرفها القاصي والداني؛ وبالتالي، فهي ليست اختراعاً يُنسب إلى شخصية ما، ولا هي وليدة حنكة سياسية واقتصادية لحكومة معيّنة. غير أن إعادة طرح المبادرة بصيغتها الحالية المعلَنة من قبل الشرع أو المبعوث الأميركي، تثير عدة تساؤلات، من بينها سبب استبعاد البحر الخامس، وفرص نجاحها مقارنة بالمحاولات السابقة، وجدواها بالنسبة إلى بلد مثل سوريا لم يخرج بعد من تركة حربه المدمرة.
وبحسب المعلومات المتداولة رسمياً، تشمل المبادرة الحالية الخليج العربي، والبحر المتوسط، وبحر قزوين، والبحر الأسود، ما يعني استثناء البحر الأحمر مقارنة بالمبادرة السابقة المسمَّاة «البحار الخمسة». ولا تزال أسباب هذا الاستبعاد غير واضحة؛ إذ يُرجّح البعض أن غايته تحييد دور قناة السويس وخليج العقبة، فيما يفسّره البعض الآخر بأنه نتيجة للعلاقة «الفاترة» بين دمشق والقاهرة منذ وصول «هيئة تحرير الشام» والفصائل المتحالفة معها إلى سدّة السلطة، أو بسبب تحكّم حركة «أنصار الله» في صنعاء بمضيق باب المندب.
في المقابل، يرى آخرون أن هذا الاستثناء لا يحمل دلالة كبيرة، نظراً إلى الدور الاستراتيجي لقناة السويس في ربط البحرَين المتوسط والأحمر، ما يجعل ذكر «المتوسط» - باعتباره يجمع أكبر عدد من الدول شرق الأوسطية - كافياً في إطار أيّ مشروع إقليمي أو دولي. وفي جميع الحالات، فإن التصورات التفصيلية النهائية للمبادرة ستكون كفيلةً بإيضاح سبب عدم إدراج البحر الأحمر.
أهمية استراتيجية متجددة
ليس هناك من يشكّك في الأهمية الاستراتيجية للمبادرة على المستويَين السياسي والاقتصادي؛ وهي أهمية تعزّزت، منذ طرحها للمرة الأولى في بدايات الألفية الحالية، مع التطورات الدولية الأخيرة، وخصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية التي دفعت أوروبا إلى بذل جهود كبيرة بغية تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، أيّاً كانت كلفة ذلك. وبحسب أحد الخبراء، فإن الدول الأوروبية تجد نفسها اليوم بين نارَين: الاستمرار في الاعتماد على الغاز الروسي، بما يوفّر لموسكو إيرادات مستقرّة لتمويل حربها، أو التوجّه نحو الغاز الأميركي المسال، الأعلى تكلفة، رغم ما يثيره هذا الأمر من مخاوف إحكام واشنطن قبضتها على الاقتصاد الأوروبي وابتزاز دول الاتحاد، كما يحدث اليوم في عهد ترامب.
ولذلك، يكمن الحلّ في البحث عن مصدر ثالث للطاقة من منطقة قريبة جغرافياً، مثل الشرق الأوسط، كخيار استراتيجي. إلا أن سلاسل الإمداد التقليدية في هذه المنطقة تعرّضت لنكسة كبيرة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي دفع بدول المنطقة والعالم إلى البحث عن بدائل لتصدير منتجاتها أو لتأمين تدفق مستورداتها، لا سيما من النفط الخام والغاز، وهو ما أعاد إلى الواجهة مبادرة ربط البحار - التي جدّدت الولايات المتحدة وتركيا وسوريا طرحها - كأحد الخيارات المستقبلية، رغم أن هذه المبادرة لم تنتقل بعد من خانة النظرية إلى خانة الدراسة والتقييم من قِبل جميع الدول المعنية.
الداخل أولاً... والتحديات الماثلة
لم يلقَ طرح مبادرة «ربط البحار الخمسة» قبل نحو عقدين ترحيباً واسعاً، على الأقلّ بالنسبة إلى شريحة شعبية كانت تعاني من تبعات ثلاثة متغيرات اقتصادية سيئة، تمثّلت في موجة جفاف قاسية ضربت البلاد لثلاث سنوات متتالية، ورفع الحكومة أسعار المشتقات النفطية بنسبة كبيرة، وتعمّق الانعكاسات السلبية لظاهرة تحرير التجارة الخارجية، خاصة مع تركيا.
آنذاك، لخّص أحد الصحافيين الموقف بقوله: «قبل ربط البحار الخمسة، يا ريت نربط نهر بردى بفروعه»، في إشارة إلى أولوية معالجة الأوضاع الداخلية قبل الاهتمام بالمشاريع الإقليمية والدولية. فكيف الحال اليوم مع بلد تُقدّر خسائر اقتصاده جراء الحرب بنحو 800 مليار دولار، فيما شبكات نقله في حالة شلل جزئي مع تضرّر نصف الطرق وتوقف السكك الحديدية عن العمل... إلخ؟
في هذا السياق، يقدّر بعض الخبراء قيمة الاستثمارات المطلوبة لتنفيذ البنى التحتية للمبادرة بما بين 30 و40 مليار دولار، مع مدة استرداد لا تقلّ عن عشر سنوات، وذلك في حال حافظ المشروع على زخمه في استثمار إمكانياته وطاقاته المتاحة. ورغم أن سوريا ستكون المستفيد الأكبر من حيث تأسيس شبكات متطورة من البنى التحتية للنقل المتعدد الأغراض، فإن ثمة تساؤلات تُطرح في هذا الشأن - ومن بينها حول مصادر التمويل -، خاصة في ظلّ الخسائر التي تسبّبت بها الحرب على إيران، والشروط المحتملة للممولين، إضافة إلى احتمال إعادة فتح مضيق هرمز - الأرخص والأسرع - بموجب اتفاق إيراني - أميركي.
أمّا التحدّي الثاني الأساسي، فيتعلق بحال الاستقرار التي لا تزال هشة في سوريا، سواء على المستوى الأمني مع استمرار نشاط خلايا تنظيم «داعش»، بالإضافة إلى بعض الحوادث الأمنية من قبيل الهجوم على الشاحنات الأردنية أخيراً، فضلاً عن التوترات السياسية والاجتماعية في ضوء ما شهده العام الماضي من أحداث دموية في عدة مناطق (الساحل - ريف دمشق - السويداء).
وبقدر ما تتمكّن سوريا من السير بخطوات جادّة نحو تحقيق الاستقرار والمصالحة، فهي تكون أقرب إلى استعادة مكانتها الجيوسياسية والاقتصادية، ومنافسة المشاريع الدولية الأخرى كطريق الحرير، الذي هو قيد التنفيذ منذ عدة سنوات، ويتوفّر له تمويل ضخم، ويعتبر منافساً كبيراً، أو الممرّ الهندي الذي لا يزال مجرد مبادرة لا يمكن التقليل من حظوظها في ظلّ دعم الولايات المتحدة وإسرائيل لها.
وفي المحصلة، ثمة إجماع على أن المبادرة السورية الأخيرة فيها كثير من الاستعجال أو الاستعراض الإعلامي، كما كان الحال عليه في ملفّ الاستثمارات الخارجية. ويأتي هذا في وقت يُفترض أن تتركّز فيه الأولوية على الشأن الداخلي بملفاته الشائكة والمعقدة، بدءاً من طريقة إدارة مؤسسات الدولة والإجراءات الاقتصادية غير المفهومة، وصولاً إلى التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي اللذين قد ينهاران في أيّ لحظة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|