الصحافة

حين تعود "أسلحة الثمانينيات"… من التفوّق بالنار إلى معادلة الكلفة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد الحرب بين لبنان و"إسرائيل" قابلة للقراءة عبر ميزان تقليدي يقوم على عدد الطائرات، كثافة الغارات، أو حجم الترسانة. ما يتكشف تدريجيًا على امتداد

الجبهة، هو تحوّل أعمق يمسّ جوهر الحرب نفسها: انتقالها من معركة تفوّق ناري إلى معركة كلفة، حيث يصبح الاستمرار بحد ذاته عبئًا استراتيجيًا.

هذا التحوّل لا يأتي نتيجة عجزٍ تقني، بل نتيجة اختيار واعٍ بإعادة تعريف ساحة الاشتباك. ما يُسمّى بـ"أسلحة الثمانينيات" لا يشير فقط إلى أدوات بسيطة أو بدائية، بل إلى فلسفة قتال نشأت في بيئات غير متكافئة، حيث يتم تفكيك تفوّق الخصم عبر الزمن لا عبر المواجهة المباشرة.
الكمائن، العبوات، الاشتباكات القريبة، والضربات المحدودة لكنها المتكررة، ليست تفاصيل تكتيكية، بل مكونات في استراتيجية تهدف إلى تحويل الحرب من صدمة سريعة إلى نزيف طويل.

في هذا الإطار، لا يعود الهدف تحقيق اختراق ميداني واسع، بل تثبيت معادلة: كل تقدّم يقابله استنزاف، وكل تصعيد يقابله استنزاف مضاد. أي أن المعركة تُسحب تدريجيًا من ساحة الحسم إلى ساحة التحمل. وهذا بالضبط ما يعيد إنتاج تجربة الثمانينيات، ولكن ضمن بيئة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الحرب التقليدية مع أدوات حديثة كالمسيّرات والاستطلاع الدقيق.

في المقابل، تكشف التصريحات الإسرائيلية خلال هذه الحرب عن توتر واضح بين الطموح والواقع. في البداية، طُرحت أهداف قصوى تتحدث عن تفكيك البنية العسكرية للخصم، أو تغيير جذري في قواعد الاشتباك. غير أن هذا الخطاب بدأ يتراجع تدريجيًا، ليحلّ مكانه حديث أكثر براغماتية عن "إعادة الردع" أو "تأمين الحدود". هذا التراجع لا يعكس فقط تعديلًا في الأهداف، بل يكشف عن صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي مستقر.

هذا التناقض يتجلى أيضًا في السلوك الميداني. فبينما تستمر "إسرائيل" في توسيع نطاق ضرباتها، سواء جغرافيًا أو من حيث الكثافة، لا يواكب ذلك أي تراجع فعلي في وتيرة العمليات المقابلة. بل على العكس، كل تصعيد ناري يبدو وكأنه يفتح المجال أمام دورة جديدة من الردود، ما يحوّل القوة النارية إلى أداة إدارة للأزمة بدل أن تكون وسيلة لإنهائها.

هنا يظهر المأزق الاستراتيجي بوضوح: إسرائيل قادرة على التصعيد، لكنها غير قادرة على فرض نهاية له. وكلما طال أمد المواجهة، تآكلت إحدى أهم ركائز عقيدتها العسكرية، أي القدرة على خوض حروب قصيرة وحاسمة. في المقابل، يتحول الزمن إلى عامل ضغط داخلي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني في الجبهة الشمالية.

ضمن هذا السياق، تعود إلى الواجهة مقاربة قديمة–جديدة في التفكير الأمني الإسرائيلي: التعامل مع لبنان كـ"دولة حاجز". هذه العقيدة، المتجذّرة في التفكير الجيوسياسي، تقوم على استخدام الجغرافيا كأداة لاحتواء التهديد، عبر خلق مساحة فاصلة تمتص الصدمات وتؤخّر وصول الخطر.
في التجربة الإسرائيلية، تجسّد هذا المفهوم تاريخيًا بمحاولات إنشاء "أحزمة أمنية" جنوب لبنان، بحيث تُدار المواجهة داخل هذه المساحة بدل انتقالها إلى العمق.

غير أن إعادة استحضار هذه العقيدة في الحرب الحالية يصطدم بتحوّل جوهري في طبيعة الصراع. فلبنان لم يعد مجرد مساحة يمكن ضبطها عبر تموضع عسكري أو ترتيبات أمنية ثابتة، بل بات بيئة مفتوحة لفاعلين قادرين على تحويل أي "منطقة فاصلة" إلى ساحة استنزاف.
أي وجود عسكري مباشر أو غير مباشر يتحوّل سريعًا إلى هدف، وكل محاولة لفرض استقرار قسري تولّد دينامية مضادة تعيد تفجير الجبهة.

بهذا المعنى، تفقد فكرة "الدولة الحاجز" فاعليتها، لأنها تفترض إمكانية تثبيت خطوط واضحة بين الحرب والسلم، بينما الواقع الحالي يقوم على تداخل دائم بينهما. الحدود لم تعد خطًا ثابتًا، بل مساحة اشتباك مستمرة، تتغير طبيعتها وفق إيقاع العمليات. وهنا تحديدًا، تتحوّل الجغرافيا من أداة احتواء إلى عبء إضافي، إذ يصبح الحفاظ على "الحاجز" نفسه كلفة دائمة.

ما يجري إذًا هو إعادة تشكيل لمفهوم الحرب ذاته. لم تعد الحرب حدثًا يُعلن ويُنهى، هو حالة مستمرة تُدار على مستويات متعددة. في هذا السياق، تتحول الكلفة إلى المعيار الحاسم: كلفة عسكرية، اقتصادية، نفسية، وسياسية. كل يوم إضافي من المواجهة يضيف طبقة جديدة من الضغط، وكل ضربة محدودة تتراكم ضمن معادلة أكبر.

وهنا تكمن قوة "أسلحة الثمانينيات" في نسختها الحديثة. فهي لا تسعى إلى كسر الخصم بضربة واحدة، بل إلى تفكيك قدرته على الاستمرار. إنها استراتيجية تقوم على تحويل الزمن إلى سلاح، بحيث يصبح طول الحرب بحد ذاته عنصرًا ضاغطًا على الطرف الذي يعتمد على الحسم السريع.

اذا تكشف هذه الحرب أن التفوق العسكري لم يعد كافيًا لضبط مسار الصراع. بين نار كثيفة لا تحسم، واستنزاف بطيء لا يتوقف، تتشكل معادلة جديدة تُعيد تعريف معنى السيطرة. وفي هذه المعادلة، يتحول لبنان من مجرد ساحة مواجهة إلى عقدة استراتيجية:
إما أن يُختزل كدولة قابلة للضبط، أو يبقى كما هو اليوم مصدر استنزاف دائم يعيد تشكيل الحرب على صورته.
 
مهدي ياغي - لبنان 24

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا