مراهنة واشنطن والرياض على عروبة برّي
منذ إعلان دونالد ترامب وقف النار على جبهة لبنان في 16 نيسان، لا تتوقّف طهران عن افتعال الخطوات الاعتراضيّة ضدّ فصل جبهة لبنان عن الحرب التي تخوضها مع أميركا وإسرائيل. ليس صدفة أن تصعّد عسكريّاً في الجنوب أوّل من أمس عبر “الحزب”. جاء ذلك قبيل تمديد ترامب الهدنة في اجتماع السفراء في البيت الأبيض. تزامن التصعيد الإيرانيّ مع التحرّك السعوديّ باتّجاه لبنان لمواكبة إخراجه من أتون الوحشيّة الإسرائيليّة، بتحصين جبهته الداخليّة ليستفيد من تدويل وتعريب حمايته.
بموازاة محاولات الإفادة من الفرصة التي وفّرتها الاستجابة الأميركيّة لفصل وقف النار في لبنان عن وقف الحرب ضدّ إيران، لا تترك الأخيرة مجالاً للشكّ في أنّها تقاوم هذا التوجّه الذي يقود إلى “تشليحها” بعض أوراق الأذرع.
“الحرس” والتّضحية بـ”الحزب”
تريد قيادة “حرس الثورة” الإبقاء على جذوة التصعيد واحتمالاته، سواء في لبنان أو العراق (حيث يخضع الموالون لطهران لضغوط أميركيّة ماليّة وسياسيّة كبرى) أو اليمن، حتّى لو عادت إلى طاولة التفاوض في إسلام آباد. وطأة الآثار الاقتصاديّة المدمّرة لاستمرار الحرب ضدّها وللحصار قد تجبرها على تليين موقفها في ما يخصّ ملفّها النوويّ، لكنّها لن تتخلّى عن تلك الأذرع بسهولة. لا تقيم القيادة الإيرانيّة وزناً للتضحية بـ”الحزب” وبيئته جرّاء الإفراط الإسرائيليّ في الإجرام. تتّكل على انصياع قادته لقرارات “الحرس”، مهما كانت درجة الاختلال في ميزان القوى العسكريّ الذي سبق أن سلّم به الأمين العامّ الشيخ نعيم قاسم الذي يرفض الاعتراف بعبثيّة حرب الثأر لمقتل علي خامنئي التي أطلقها.
تؤكّد مصادر دبلوماسيّة، وأخرى سياسيّة بارزة في بيروت، لـ”أساس” أنّ الفرصة المتاحة أمام لبنان لوقف الهمجيّة الإسرائيليّة تعزّزت بعد رئاسة ترامب الاجتماع الثاني للسفيرين الإسرائيليّ واللبنانيّ وإعلانه تمديد الهدنة 3 أسابيع، وتولي المصادر نفسها أهميّة لجملة مؤشّرات أميركيّة، منها:
اهتمام ترامب: لجنة ثلاثيّة عليا للبنان
1- منذ أن أعلن ترامب في 16 نيسان، مع قراره وقف النار في لبنان، أنّه كلّف نائبه جي دي فانس، ووزير الخارجيّة ماركو روبيو، ورئيس أركان الجيوش الأميركيّة دان كين “بالاهتمام بالسلام بين لبنان وإسرائيل”، رفع مستوى الاهتمام بالبلد الصغير إلى أعلى مستوى. اللافت ضمّ المسؤول العسكريّ الأوّل في أميركا إلى ما يشبه اللجنة الثلاثيّة المشرفة على السياسة الأميركيّة في لبنان. يكفي تكليف الأدميرال كين لـ3 ضبّاط كبار برئاسة لجنة “الميكانيزم” المنبثقة عن اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في جنوب لبنان 2024 لكي يكون مطّلعاً على التفاصيل اللبنانيّة. أحد الضبّاط الذين تناوبوا على رئاسة “الميكانيزم” هو الجنرال براد كوبر، القائد الحاليّ للقيادة المركزيّة الوسطى. الأدميرال كين معنيّ بالمساعدات التي يتلقّاها الجيش اللبنانيّ من الجيش الأميركيّ.
فرنسا… وقوّات دوليّة بمشاركة أميركيّة؟
2- الاتّصالات الدوليّة من أجل إيجاد صيغة بديلة لقوّات “اليونيفيل” في جنوب لبنان بعد انسحابها آخر السنة فتحت أفقاً لإمكان معالجة مسألة سحب سلاح “الحزب” بأن تكون مقابل انسحاب إسرائيل وتخلّيها عن خطّة إقامة المنطقة العازلة فيه. تناولت هذه الاتّصالات أفكاراً بتشكيل قوّة دوليّة بمشاركة أميركيّة تراقب تدابير الأمن اللبنانيّ في الجنوب لضمان خلوّه من سلاح “الحزب” وانسحاب إسرائيل. آخِرة المداولات في هذا الشأن إعلان رئيس الحكومة نوّاف سلام أنّه ناقش مع الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون الثلاثاء الماضي إمكان إصدار قرار بذلك عن مجلس الأمن. ربّما قتل جنديَّين فرنسيّين في الجنوب الأسبوع الماضي، اتّهمت فرنسا وقيادة “اليونيفيل” “الحزب” بارتكابه، يهدف إلى استباق هذه الخطوة. لعبت فرنسا دوراً مؤثّراً في تشجيع ترامب على تسريع وقف النار في لبنان وفصله عن إنهاء الحرب ضدّ إيران.
اللوبي اللّبنانيّ ودور ميشال عيسى
3- لعب اللوبي اللبنانيّ في واشنطن، على الرغم من انقسامه بين من يركّزون على تعاون واشنطن مع الحكومة اللبنانيّة والخطّ الذي تتبعه، وبين من يجنحون نحو تفضيل السلام مع إسرائيل والأخذ بمطالبها، دوراً في رفع درجة الاهتمام بوقف الحرب ضدّ لبنان. بين رموز اللوبي اللبنانيّ شخصيّات شيعيّة من جنوب لبنان سبق أن لعبت دوراً في ترجيح كفّة انتخاب ترامب للرئاسة، لا سيما في ولاية ميتشيغين. هؤلاء سعوا إلى تظهير الإفراط الإسرائيليّ في ارتكاب المجازر والتدمير. تأثّر ترامب بذلك، فنُقل عنه قوله إنّه لا يريد رؤية مبانٍ مدمّرة في لبنان. ونقل عنه سفيره في بيروت ميشال عيسى أنّه يجب وقف استهداف المدنيّين والصحافيّين.
4- لعب السفير عيسى دوراً مهمّاً جرّاء علاقته الخاصّة بترامب في ترجيح كفّة وقف حرب إسرائيل على لبنان. القرارات التي أخذتها الحكومة بالتبرّؤ من فتح “الحزب” جبهة الجنوب، واعتبارها نشاطاته العسكريّة غير قانونيّة، ثمّ تكليفها القوى الأمنيّة إخراج “حرس الثورة” من البلد، ومبادرة الرئيس جوزف عون إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل خفّفت من الانتقادات الأميركيّة للسلطات اللبنانيّة والجيش بحجّة التباطؤ في تطبيق حصريّة السلاح، وكثّف عيسى تشاوره مع رئيس البرلمان نبيه برّي الذي اشترط وقف النار قبل أيّ بحث.
الدّور السّعوديّ الحاسم… و”عروبة” برّي
يبقى تعداد العوامل التي أحدثت نقلة في الموقف الأميركيّ ناقصاً من دون ذكر الدور الرئيس والحاسم للدبلوماسيّة السعوديّة مع واشنطن، عندما انتقلت هذه الدبلوماسيّة إلى ملاحقة الخطوات التي تسمح بتثمير النتائج ومواكبة التأقلم اللبنانيّ مع المرحلة الجديدة.
ترصد قيادات منغمسة في العمل الدؤوب لفصل جهود إنهاء الحرب في لبنان عن وقفها في إيران مفاعيل التنسيق السعوديّ مع الرئيس برّي. تسجّل هذه القيادات الآتي:
- حرص برّي في 17 نيسان على تكرار العبارة الآتية: “أنا شيعيّ الهويّة، سنّيّ الهوى، عربيّ المنتهى”. كان ذلك بعد ساعات على عودة موفده من الرياض.
- في الاتّصال بينه وبين وزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان الخميس الماضي، حسبما نقلت عنه وكالة الأنباء السعوديّة، أنّه أشاد “بدور المملكة وجهودها المتواصلة في دعم لبنان والحفاظ على أمنه وأمن المنطقة”، مجدّداً تمسّك لبنان باتّفاق الطائف، ورفضه لكلّ ما يهدّد المملكة، وهو ما يعني رفضه قصف إيران وفصائل عراقيّة موالية لها أراضيها.
- يستند تواصُل الرئيس عون مع برّي إلى معادلة تقول: برّي “مع إيران إذا كان الخيار بينها وبين إسرائيل، لكنّه مع العروبة إذا كان الخيار بينها وبين إيران”.
وليد شقير -اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|