الصحافة

اشتداد آثار الحرب على سوريا: الاستثمارات والتحويلات الخارجية تحت الخطر

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يَحُل بُعد سوريا الجغرافي عن منطقة الخليج دون تأثّر اقتصادها المُنهَك بمجريات الحرب على إيران، واضطراب الحركة الملاحية في مضيق هرمز. لا بل ثمّة تخوّف لدى الاقتصاديين السوريين من أن يمتدّ ذلك التأثّر زمنياً ليصل إلى عدّة أشهر، أو ربّما - وفق السيناريوات الأسوأ - سنوات. وكما هو حال معظم الدول، فإن الاقتصاد السوري يواجه اليوم تحدّيات من مستويَين من جرّاء هذه الحرب: الأول، يتمثّل في الانعكاسات الاقتصادية المباشرة والسريعة، وعلى رأسها ارتفاع معدّلات التضخّم «المستورَد» وتراجع سعر الصرف؛ والثاني، يرتبط بالتأثيرات أو الانعكاسات البعيدة المدى، والمقصود بها مستقبل المشاريع الاستثمارية العربية والأجنبية المُعلَن عنها، واستقرار قيمة التحويلات المالية للمغتربين السوريين والعاملين في الخارج، ومدى تأثّر السياحة السورية خلال المواسم القادمة، وغيرها.

تضخّم وغلاء

رغم مضيّ عام ونيف على سقوط النظام السابق، وما تبعه من إلغاء للعقوبات الغربية واستعادة السلطة الجديدة سيطرتها على حقول النفط والغاز ومنشآتهما في المنطقة الشرقية، إلّا أن اقتصاد البلاد المُنهَك لم يكن في وضع يسمح له بتحمّل مزيد من الضغوط التضخمية، ولا سيما مع استمرار تآكل معدّلات الإنتاج المحلّي، وقيام الحكومة الانتقالية بتحرير شبه كامل للتجارة الخارجية، الأمر الذي جعل الاقتصاد مكشوفاً بدرجة عالية على الخارج، وأكثر عرضة لصدمات الأسواق العالمية وتقلّبات أسعارها. وإذا كان بإمكان الحكومة معاودة العمل بسياسة ترشيد المستوردات للتقليل من ارتفاع فاتورة هذه الأخيرة والتخفيف من عجز الميزان التجاري، فإن هناك سلعاً رئيسة ستبقى حاضرة في القائمة، وبكميات ليست قليلة، كالحبوب والمشتقّات النفطية وغيرها. فالبلاد تستورد، مثلاً، نصف احتياجاتها تقريباً من الحبوب، وذلك وفقاً لدراسة أجرتها منظّمة «الفاو» للسنوات الممتدّة بين عامَي 2021 و2023. كما أن بيانات «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» تُظهِر استيراد نحو 3.4 ملايين طن من المشتقّات النفطية والغازية خلال عام 2025، أي ما معدّله شهرياً نحو مليونَي برميل شهرياً أو أقلّ - إذا كانت هناك حمولات غازية -، فضلاً عن سلع أخرى كثيرة مستورَدة، جميعها ستكون تحت تأثير ارتفاع كلف الاستيراد الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود، وطول المسارات التجارية البديلة المُتّبَعة، وارتفاع أقساط التأمين ضدّ الحرب.

وحتى تَصدر بيانات إحصائية تتيح إجراء مقاربات لحجم مستوردات البلاد وقيمها قبل الحرب الأخيرة وخلالها، فإن أسعار السلع في الأسواق المحلية تمثّل مؤشراً إلى حجم التأثير الذي لحق بالمستهلك السوري، إذ إن أسعار معظم السلع، بما فيها الخُضر والفواكه، شهدت ارتفاعات متباينة؛ كما أن أسعار المشتقات النفطية، والتي تَصدر بنشرة خاصة عن وزارة الطاقة، شهدت هي الأخرى ارتفاعات كانت محدودة مقارنة ببعض دول الجوار، إنما تبقى سبباً مباشراً لارتفاع كلف الإنتاج والخدمات. وبالتالي، سُجّل مزيد من التراجع أو التآكل في القوة الشرائية للمستهلك، رغم الزيادة الأخيرة على الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام. على أن اللافت كان سرعة تأثّر سعر صرف الليرة، والذي تراجع من نحو 11670 ليرة للدولار الواحد نهاية شباط الماضي (تاريخ شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران) إلى نحو 13040 ليرة صباح الثلاثاء، أي بنسبة انخفاض قدرها 11.7%. ويتخوّف اقتصاديون من استمرار ذلك الانخفاض في ضوء مواصلة «حبس» السيولة من قِبل المصرف المركزي، وتراجع معدّلات الإنتاج بفعل إغراق الأسواق بالمستوردات التركية وغيرها، والطلب المحلّي المتزايد على الدولار بعد تقهقر أسعار الذهب عالمياً. وينبّه الاقتصايون إلى أن من شأن هذا التدهور التسبّب بزيادة أسعار السلع والمواد في الأسواق المحلية، سواء المُنتَجة محلياً أو المُستوردة.

الاستثمارات في خطر

لا تقف تبعات الحرب الإقليمية، على الاقتصاد السوري، عند هذا المستوى، كما هو الحال بالنسبة إلى اقتصادات دول أخرى. فالحكومة الانتقالية التي أعلنت صراحة أن أولويتها هي للاستثمار العربي والأجنبي، قد تجد نفسها في مواجهة صعوبات تحول دون حصول التدفّق المرغوب من هذه الاستثمارات. ذلك أن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي مُنيت بها دول الخليج من جراء الحرب، والتوقعات بتراجع حجم الاستثمارات الأجنبية الوافدة إليها، يمكن أن تدفعا تلك الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، ومنح الداخل أفضلية استثمار رأسمالها الوطني، تماماً مثلما حصل في أزمات سابقة كالأزمة المالية العالمية عام 2008. وممّا يعزّز الفرضية المتقدّمة أن غالبية مذكّرات التفاهم الاستثمارية، التي جرى توقيعها العام الماضي، لم تتحوّل إلى خطوات تنفيذية أو اتفاقيات نهائية.
كذلك، ثمّة تخوّف آخر لا يمسّ سوريا وحدَها، بل يشمل دولاً أخرى كثيرة من بينها لبنان ومصر والأردن، ويتعلّق بالتأثيرات التي يمكن أن تلحق بحجم التحويلات الخارجية التي تتلقّاها هذه الدول، إذ إن تضرّر قطاعات ومشاريع كثيرة في منطقة الخليج يمكن أن يؤثّر على سوق الوظائف ومصادر دخل الكثير من العاملين السوريين في الخارج، فتكون النتيجة تراجع قيمة التحويلات لفترة زمنية قد تقصر أو تطول تبعاً للتطورات الاقتصادية في كلّ دولة، وحجم الضرر الذي لحق باقتصادها. وبحسب تصريح صحافي سابق لحاكم المصرف المركزي، عبد القادر حصرية، فإن قيمة تحويلات العاملين في الإمارات مثلاً تُراوِح وحدَها بين 700 و800 مليون دولار، أي إنها تبلغ ما نسبته نحو 20% من إجمالي قيمة التحويلات الخارجية المُقدَّرة رسمياً بنحو 4 مليارات دولار.

أمّا القطاع الثالث المُحتمل تضرّره بشدّة، فهو السياحة والسفر. والحديث هنا ليس عن توقف حركة الملاحة الجوية خلال فترة الحرب فقط، وإنما أيضاً عن تلاشي الآمال بإمكانية انتعاش القطاع السياحي، وتحديداً موسم الاصطياف، والذي كان يجذب مئات الآلاف من السيّاح والمصطافين العرب - من بين أكثر من 6 ملايين قادم عربي، يبيت أكثر من 4 ملايين شخص في الفنادق ومنشآت المبيت الأخرى -. وبحسب تقديرات مؤسّسات غربية، فإن هناك تراجعاً في القدوم السياحي إلى عموم منطقة الشرق الأوسط نتيجة الحرب والمخاوف من تجدّدها، حيث تمّ تسجيل إلغاء آلاف حجوزات السفر والفنادق وغيرها في دول كثيرة من المنطقة؛ فكيف سيكون الحال مع بلد لا يزال يبحث عن استقرار سياسي وأمني واقتصادي؟

أزمات الإقليم

تُصنَّف الأزمة الاقتصادية اللبنانية، التي بدأت أواخر عام 2019، من بين أربعة أسباب أساسية أدّت إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية السورية بدءاً من عام 2020، ولا تزال مستمرّة إلى الآن، وإن بشكل أقلّ حدّة منذ مطلع 2025، إذ إن جزءاً ليس بالقليل من النشاط التجاري السوري كان يتمّ عبر البوابة اللبنانية، وهو ما لم يعُد قائماً، فضلاً عن خسارة ودائع مصرفية تختلف التقديرات حول قيمتها وحجمها، إلا أنها في العموم لا تقلّ عن 10 مليارات دولار. والخوف اليوم هو من أن تتكرّر المأساة مع الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب على إيران، حيث سيكون فشل التعويل السوري على أموال الخارج لإنعاش اقتصاد البلاد، شبيهاً بـ«صدمة» خسارة المودعين السوريين لودائعهم في المصارف اللبنانية.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا