حرب إيران: أربع زوايا لفهم حرب بلا أفق
في ظل غموض مصير المفاوضات بين الأميركيين والإيرانيين، تشير الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران الى دخول إدارة الرئيس دونالد ترامب مأزقاً استراتيجياً نشأ عبر تفاعل نتائج الحرب وتكاليفها مع هشاشة بنيوية سابقة في النظام الأميركي.
ولعلّ تلك الحرب وقدرة إيران على الصمود وإيقاع الألم بالطرف الآخر، باتت تطرح سؤالاً قديماً مستجداً في أدبيات العلاقات الدولية: ما هي حدود القوة العظمى، ومتى تتحوّل الهيمنة العسكرية والاقتصادية إلى عبء استراتيجي؟
اتخذ الرئيس دونالد ترامب قراراً بشنّ حرب واسعة على إيران في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتسم بتآكل الإجماع الغربي، وبتقدم قوى دولية منافسة، وبأزمات داخلية متراكمة في الولايات المتحدة نفسها. أسهمت تلك العوامل في تحوّل الحرب إلى مأزق استراتيجي، يمكن تفسيره عبر أربعة أبعاد مترابطة: العسكري، والمالي، والسياسي الداخلي، والجيوسياسي، مع التأكيد أن القرار السياسي لا يُنتج أزمته في فراغ، بل في سياق تاريخي وبنيوي أوسع.
أولاً: البعد العسكري – حرب بلا أفق
أظهرت الحرب مع إيران عام 2026 حدود التفوق العسكري التقليدي في مواجهة خصم يعتمد استراتيجيات غير متماثلة. ورغم الضربات الأميركية– الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية والقيادة السياسية والبنى التحتية الإيرانية، لم ينجح هذا التفوق في إنتاج حسم عسكري سريع. على العكس، ردّت إيران بمنظومة متعددة المستويات شملت الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، واستهداف القواعد الأميركية والملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى توسيع رقعة الصراع إقليمياً.
يُظهر هذا النمط بأن التفوق التقني والعسكري، لا يضمن النصر إذا كان الخصم قادراً على امتصاص الصدمة، وإطالة أمد الصراع، ورفع كلفة الاستمرار سياسياً واقتصادياً. وعلى هذا الأساس، تواجه الولايات المتحدة، مجموعة خيارات محدودة ومكلفة في آن: تصعيد بري عالي الكلفة والمخاطر، أو استمرار حرب جوية وبحرية استنزافية، أو السعي إلى تسوية سياسية من دون تحقيق أهدافها المعلنة. مع العلم، أن جميع هذه الخيارات تعكس مأزقاً لا انتصاراً.
ثانياً: البعد المالي – كلفة الحرب وكلفة الانسحاب
تزامنت الحرب مع وضع مالي أميركي سابق يتسم بارتفاع الدين العام وضيق الهوامش المالية. وقد أسهمت العمليات العسكرية، وتأمين الانتشار في الشرق الأوسط، وحماية الملاحة والطاقة، في زيادة النفقات في لحظة تشهد فيها الأسواق العالمية حساسية عالية تجاه المخاطر الجيوسياسية.
في المقابل، لا يعني إنهاء الحرب بالضرورة تخفيف الكلفة، فالتراجع الأميركي، أو الانسحاب غير المشروط، سيؤثر على ثقة الأسواق بالنظام المالي الأميركي وعلى استقرار أسواق الطاقة. من هنا، تواجه الإدارة الأميركية مفارقة معروفة في اقتصاديات الهيمنة: الاستمرار مكلف، لكن التراجع مكلف أيضاً.
ثالثاً: البعد السياسي الداخلي
تُظهر التجربة الأميركية التاريخية أن الحروب الطويلة وغير الحاسمة تخلق ضغطاً داخلياً يقيّد صانع القرار، منها على سبيل المثال، حروب فيتنام والعراق وأفغانستان. في حالة حرب إيران 2026، برز انقسام واضح داخل المجتمع والنخبة السياسية الأميركية. فمن جهة، تدعم الحرب قوى تقليدية من الصقور في الحزب الجمهوري بدفع من "إسرائيل"، ومن جهة أخرى، عبّرت شرائح واسعة من الحزب الديمقراطي والتيارات القومية – بما فيها جزء من القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب – عن رفضها التورط في حرب جديدة تتعارض مع وعود تقليص الالتزامات الخارجية.
هذا الانقسام والانتقادات الواسعة في الداخل، يعني أن الخروج من الحرب من دون إنجاز واضح سيُقدَّم كفشل، في حين أن التصعيد ينذر بخسائر بشرية أوسع وبكلفة سياسية داخلية كبيرة، خصوصاً قبيل الانتخابات النصفية لعام 2026. في هذا الإطار، يمكن توصيف الحرب الأميركية الحالية على إيران كمثال كلاسيكي على "مأزق الحرب المستنقعية" في الأدبيات الأكاديمية.
رابعاً: البعد الجيوسياسي
على المستوى الدولي، أسهمت الحرب في إعادة تركيز الموارد الأميركية بعيداً عن أولويات استراتيجية أخرى، لا سيما شرق آسيا. ومهما تكن نتائج الحرب، سيفيد الانخراط الأميركي المفرط في الشرق الأوسط، قوى منافسة مثل الصين وروسيا.
أما على صعيد التحالفات، فقد أظهرت مواقف عدد من الحلفاء الأوروبيين والآسيويين تردداً واضحاً في الانخراط المباشر في فتح مضيق هرمز، ما يعكس تحوّلاً من "الاصطفاف التلقائي" إلى حسابات أكثر براغماتية. لا شك، أن ذلك لا يعني انهيار منظومة التحالفات الأميركية، لكنه يشير إلى تراجع قدرتها التعبوية مقارنة بمراحل سابقة من النظام الدولي.
في الخلاصة، لا يمكن قراءة مأزق الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران عام 2026 كحدثٍ منفصل، بل هي تعبّر عن تفاعل معقّد بين بنية قوة تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، ونظام دولي يتجه نحو نمط تعددي أكثر تنافسية. في هذا السياق، لا يمكن اعتبار قرارات الرئيس سبباً وحيداً للأزمة، لكنها تشكّل عاملاً مسرِّعاً في تحويل التوترات البنيوية الأميركية إلى مأزق استراتيجي حاد.
ليلى نقولا - الميادين
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|