مرقص: خطاب الرئيس عون خارطة طريق للبنان تحوّله من ورقة إلى دولة
معضلة لبنان: اتفاق غير متفق عليه وتفاوض يفاقم التباين
ليس معلومًا مدى دقّة المعلومات التي تحدّثت عن أنّ في الجمهورية اللبنانية من فوجئ بنصّ الاتفاق الذي أعلنته الخارجية الأميركية، الذي تسبّب بحالة إرباك داخلي، وأن الأوساط السياسية انشغلت بتفاصيل المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي تُظهر استعدادًا لبنانيًا لهذه المفاوضات يجري خلف الكواليس. وفي الكواليس أيضًا، ينشغل المسؤولون في بحث قانونية نصّ الاتفاق، وكيف صيغ على قاعدة علاقة بين بلدين لا تجمعهما حالة حرب، بما يُسقط حقّ لبنان تجاه إسرائيل من ناحية الانتهاكات والحدود.
فنصّ الاتفاق لا يزال يتيمًا ولم يجد من يتبنّاه، فيما يُفترض أن تُقرّه الحكومة أو يُعرض على مجلس النواب لتثبيت قانونيته، كأضعف الإيمان.
ملفّ ثانٍ يشهد برودة في العلاقة بين الرئاستين الأولى والثانية، وهو ملف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. فقد بدا واضحًا، وبما لا يحتمل اللبس، أنّ ضغوطًا قوية تُمارس على السلطة في لبنان للمضي في مسار المفاوضات المباشرة بلا قيد أو شرط، وأن تلتزم الصمت إزاء ممارسات إسرائيل وعدوانها، مقابل تضييق الخناق على حزب الله في الداخل.
وللمفارقة، وبالرغم من سريان الهدنة أو وقف إطلاق النار، استمرّت إسرائيل في عدوانها أمس، من تحليق طائرات في أجواء النبطية، إلى تفجير منازل في بنت جبيل، ورفع سواتر ترابية تطوّق بلدة الخيام. والأخطر إعلان إسرائيل عن منطقة أمنية حدّدتها باللون الأصفر، تضم 55 قرية لبنانية يُمنع على سكانها العودة إليها. حصل كل ذلك من دون إدانة أو حتى عبارة استنكار لخروقات إسرائيل.
ومضت جهات رسمية في دراسة مدى قانونية نصّ الاتفاق، وقد جرى التواصل مع خبراء قانونيين لإيجاد مخرج من الورطة التي صيغت على شكل نصّ اتفاق، لم يكن في حقيقته إلا وثيقة تتيح لإسرائيل أن تفعل ما تريد في الجنوب بحجّة الدفاع عن النفس.
أما لجهة المفاوضات، فمن المشكوك فيه أن يذهب رئيس الجمهورية جوزاف عون، وهو القائد السابق للمؤسسة العسكرية، للتفاوض على دماء أبناء الجنوب. فابن الجنوب، الذي عايش الاحتلال وفرحة التحرير وكان له دور في تحقيقه، لن يقبل حكمًا أن يشهد عهده تفاوضًا تحت النار، أو أن يساوي بين الضحية والجلاد.
ويحتاج أي قرار بالتفاوض إلى إجماع وطني لحماية أي اتفاق ناتج عنه، وكي لا تتحمّل جهة واحدة مسؤوليته. وفي بلد كلبنان، حيث يتقدّم التوافق أحيانًا على القانون، من غير الممكن أن يذهب فريق إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل بما يهدّد وحدة البلد ويعمّق الانقسام. وحتمًا لن تقبل جهة تقف في مواجهة إسرائيل بالتفاوض معها تحت النار، حتى وإن كانت متّهمة من البعض بالتسبّب بالحرب، إذ لا يمكن أن يشكّل ذلك ذريعة للتفاوض.
كما أنّ إسرائيل لا تبحث عن تفاوض مع لبنان بقدر ما تسعى إلى ضمان أمنها، وهي تعترف، بحسب تصريحاتها، بأن التفاوض مع السلطة لن يمنحها الحماية الكافية. وفي المقابل، تعترف إسرائيل بما يرفضه لبنان، وهو وحدة المسار مع إيران؛ وهو ربط قد يكون مرفوضًا، لكنه يعكس واقع المنطقة.
يسود انطباع في لبنان بأن البلاد تتّجه إلى التفاوض في موقع ضعف، من دون أوراق قوة. والأخطر أنّ إسرائيل تفرض واقعًا في الجنوب لم يقبله حزب الله. فالحزب، الذي يخوض حربًا أعادته إلى طاولة التفاوض، لن يسمح بفرض أمر واقع جديد يُبقي بيئته تحت رحمة إسرائيل.
حزب الله اليوم أكثر إصرارًا على حسم الميدان، حتى آخر عنصر من عناصره. والمبالغة في تقدير موازين القوى أمر غير واقعي، كما أنّ الحديث عن نصر حاسم في معركة كهذه مبالغ فيه. هنا يكتسب الصمود معناه، ولا يزال الحزب قادرًا على الصمود في أرضه، ومعه بيئته التي تزداد التصاقًا به.
ضمنيًا، بات حزب الله على خصومة مع العهد ورئيسه على خلفية القبول بالتفاوض، فيما خصّص عون خطابه للغمز من قناة الحزب والتأكيد أنّ لبنان استعاد قراره، وهو إعلان عاكسته الوقائع. وخلال ساعات، تلاشت الهدنة جزئيًا، ونزح سكان الجنوب مجددًا بفعل الخروقات الإسرائيلية، بالتزامن مع توتر مسار المفاوضات الإيرانية–الأميركية، الذي بدا أشبه بشدّ حبال تمهيدًا للعودة إلى التفاوض بسقوف مرتفعة.
يعيش العالم، ومعه لبنان، لحظة تجاذب قصوى بين طرفين قد يعودان إلى خيار الحرب. وفي لبنان، لن يُقبل بوجود مناطق تحتلها إسرائيل، إذ سيُعدّ ذلك عودة إلى زمن الثمانينيات من عمر المقاومة.
أيام صعبة مقبلة. الهدنة قد تتلاشى، والمفاوضات قد تقود إلى مواجهة من نوع آخر. البلد لم يعد يحتمل، ونظرية "فعل أي شيء لوقف الحرب" لا تنجح مع إسرائيل. ما يُبحث اليوم هو أقلّ من اتفاق وأكثر من وقف إطلاق نار، أقرب إلى هدنة طويلة، لكن تحقيقها لم يحن بعد، ارتباطًا بمسار الاتفاق الإيراني–الأميركي، مهما جرى التنكر للواقع.
غادة حلاوي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|