محليات

"أنا امرأة جنوبية.. أقاوم التهجير منذ 3 أعوام" قصة فاطمة من النزوح إلى صناعة البقاء

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

"أنا فاطمة يعقوب، أم لثلاثة أولاد من بلدة حولا جنوب لبنان، تهجّرنا منذ تشرين الاول 2023، ومنذ ذاك الحين انقلبت حياتنا رأسًا على عقب". بهذه الكلمات تختصر فاطمة المُدرِّسة في "مدرسة حولا الرسمية" قصة امرأة جنوبيّة، اقتُلعت من جذورها مرّات عدّة، في مسار قاسٍ من التهجير القسري، حيث واجهت مع عائلتها، ولا تزال، التشرّد، القلق والمجهول، لكنّها لم تستسلم، بل اختارت أن تحوّل الألم إلى قوّة.

تهجير ثم قرار بالنهوض
"في حرب الإسناد عام 2023 فلّينا من بيتنا، من أرضنا، وتركنا كل شي. خسرت شغلي بالتعليم، وزوجي خسر شغله. صرنا نتنقل من بلدة لبلدة، لوصلنا لبشامون".هناك، لم يكن أمام العائلة سوى البحث عن بداية، عن مصدر رزق يحول دون العوز. لم تبدأ فاطمة من فراغ، فهي ابنة الأرض، تربّت في حولا على الزراعة وعلى صناعة المونة البلديّة على أنواعها: رب البندورة، الملوخية، دبس الرمان، الكبيس، السمسم، البامية، البازلاء، الزعتر، وكل ما يشكّل هوية المطبخ الجنوبي. من هنا وُلد القرار "قلت لحالي، ليش ما برجع للمونة البلديّة".تعاونت مع زوجها، وبدأت رحلة البحث من جديد، هذه المرة ليس عن منزل، بل عن أرض. اختارت العائلة العودة إلى القرى الجنوبيّة، وبعد بحث طويل، وجدت ضالّتها في بلدة الشهابيّة، في قضاء صور، حيث استقرّت خلال الفترة الفاصلة بين جولتي التصعيد 2023-2026 "صرنا نزرع القمح لنعمل فريكة وبرغل، نزرع بندورة لنصنع رب، وفليفلة لنعمل دبس، حتى الزعتر جمعناه من البرية" كل تفصيل كان محاولة للنهوض "كل شي منشتغله، منغسُل القمح، منسلقه، منشّف، منحمّص السمسم، ومنقّي الملوخية ورقة ورقة. من دون مواد حافظة، لأنو نحنا ما تعودنا عليها". هذه العودة لم تكن مجرّد نجاح اقتصادي بسيط، بل محاولة لحماية الكرامة قبل أي شيء آخر"صنعنا مونة بيتيّة،عرضناها للبيع، ورجعنا وقفنا على إجرينا من جديد".

"مدللتي"..من هدية بيتية إلى باب رزق
ابنة حولا التي عُرفت بين أصدقائها بـ"دقّة الكبة"، لم تكن تتخيّل أنّ هذا المنتج البلدي، سيصبح يومًا خطّ دفاعها الأول في مواجهة النزوح. في حولا، كان الأصدقاء يقصدونها لتذوّق الكبة الجنوبيّة بأنواعها، باللحمة، بالبطاطا، وبالبندورة. وكانت فاطمة تطلق على "دقّة الكبة" تسمية "مدلّلتي"، خلطة من الأعشاب والبهارات والورد المجفف، تُحضَّر بمهارة ومحبة "كنت أصنع دقّة الكبة للبيت وأهديها للأصدقاء".

لكن مع تحوّل المونة إلى مصدر رزق بديل "كانت دقّة الكبة أول ما عرضته للبيع،حبتها الناس لأنها طبيعية وبتشبه طعم الجنوب". من هذا المنتج البسيط، انطلقت فاطمة، ووسّعت إنتاجها إلى مختلف أنواع المونة البلدية الصحيّة "مثلما منعمل لبيتنا". لم تكتفِ فاطمة بالإنتاج، بل اختارت أن تراهن على الشفافيةفي سوق مليء بالمنتجات المصنّعة "فتحتُ صفحة على TikTok وصرت فرجي العالم كيف مننظف، كيف مننقّي، كيف منشتغل".

العودة إلى حولا
ما إن وُقّع اتفاق 27 تشرين 2024 لوقف اطلاق النار، حتى قررت فاطمة العودة إلى التعليم في حولا، في بلدة مثقلة بالخراب ولا تزال تحت الاحتلال "اتخذنا قرارنا نحن مجموعة من المدرّسين، أوجدنا بديلاً للمدرسة المدمّرة، بالتعاون مع البلدية، لتعليم الأطفال ودعم صمود الأهالي". كانت تتكبّد بشكل شبه يومي عناء الطريق بين الشهابيّة وحولا، مسافة تختصر تعب الجسد وقلق الطريق. لذلك الإصرار كلفة "نهاري بيبدا من الصبح وما بينتهي.. بين التدريس وتحضير المونة، تعب كثير كبير، لكن كل همنا ما نمد إيدنا لحدا".

تهجير جديد ...أقسى وبلا "مونة"
مع حرب الإسناد الثانية وسياسة تهجير السكان الذي اعتمدها العدو، وجدت فاطمة نفسها أمام نزوح جديد من الشهابية التي ظنّتها ملاذًا فاصلًا عن العودة النهائيّة إلى حولا، إلى حيث المجهول. انتقلت إلى ضواحي بيروت حيت استأجرت منزلًا، ولكن سرعان ما نفد المال بعد شهر واحد، فأضحت والعائلة في العراء على الكورنيش البحري في صيدا، قبل أن يضع الله مؤخرًا في طريقها من ساعدها على إيجاد مأوى في برجا.
"التعب الأكبر بعدنا عن ضيعتنا، حولا هي الهوا يلي بتنفسو، بتبقى الوجهة الأولى والقبلة الأخيرة لنا" تختم فاطمة حديثًا يوجز معاناة سيدة جنوبية قاست الحرب وويلاتها.

قرار أممي لمساعدة النساء..ولكن
تجسد قصة فاطمة وضعًا مأسويا تعيشه آلاف النساء من جنوب لبنان، حيث تكررت تجارب التهجير، وتآكلت معها سبل العيش. يتقاطع هذا الواقع مع التزامات لبنان الدوليّة، لا سيّما قرار مجلس الأمن 1325 الذي يدعو إلى حماية النساء خلال النزاعات، ودعم مشاركتهن في الإغاثة وإعادة الإعمار، وتعزيز سبل عيشهن. ورغم توقيع لبنان على هذا القرار، وإطلاقه خطط عمل وطنية لتنفيذه، إلا أنّ الواقع الميداني يكشف فجوة واضحة بين الالتزامات من جهة، والتطبيق الفعلي من جهة ثانية، خصوصًا لناحية تمكين النساء اقتصاديًّا في حالات النزوح.

بالختام، خسرت فاطمة المنزل والمكان بما يجسّد من ذاكرة حياة، لكنها تملك ما هو أبعد من ذلك، مهارة، إرادة، وقدرة على البدء من جديد، وفي بلدٍ تتكرر فيه الخسارات، تبدو هذه القدرة شكلًا من أشكال المقاومة، والتعلّق بالأرض.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا